أول من أدخل المذهب الأشعري إلى المغرب .

قال الناصري بعد أن تحدّث عن حال المغرب في الأصول والاعتقادات قبل ابن تومرت

« فبعد أن طهره الله “أي المغرب” من فرقة الخارجية والرافضية… أقاموا على مذهب أهل السنة والجماعة مقلدين للجمهور من السلف في الإيمان بالمتشابه وعدم التعرض له بالتأويل مع التنزيه عن الظاهر، وهو والله أحسن المذاهب وأفضلها، واستمر الحال على ذلك مدّة إلى أن ظهر محمد بن تومرت مهدي الموحدين، فرحل إلى المشرق وأخذ عن علمائه مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري ومتأخري أصحابه، ثم عاد ابن تومرت إلى المغرب ودعا الناس إلى سلوك هذه الطريقة، وجزم بتضليل من خالفها، بل تكفيره، وسمّى أتباعه بالموحدين تعرضا بأنّ من خالف طريقته ليس بموحّد، ومن ذلك الوقت أقبل علماء المغرب على اعتناق مذهب الأشعري وتقريره وتحريره درسا وتأليفا، وإن كان قد ظهر قبل ابن تومرت فظهورا ما» الاستقصاء
1/63
فمن هذا المدعو ابن_تومرت::

ابن تومرت هو من وضع أسس دولة الموحدين الفكرية واسمه محمد بن عبد الله ابن تومرت الصنهاجي ، ولد في الثلث الأخير من القرن الخامس الهجري ببلاد المغرب الأقصى ، وقد اختلف المؤرخون في تحديد سنة مولده. ابن الأثير : الكامل 10 / 578 ، ابن خلكان : وفيات الأعيان 5 / 53 .
ادعى ابن تومرت النسب القرشي ، وأنه من سلالة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد أقر بعض المؤرخين هذا الادعاء كالمؤرخ أبو بكر الصنهاجي المعروف بالبيذق في كتابة المقتبس من كتاب الأنساب ص 12 ، وأنكر ذلك مؤرخين آخرين وقالوا بأنّ ابن تومرت دعيّ فهو من هرغة إحدى قبائل المصامدة البربرية حيث عرف بمحمد بن تومرت الهرغي ومن هؤلاء ابن أبي زرع الفاسي في كتابه الأنيس المطرب ص 172 وابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 4 / 70 .كما قال بهذا الرأي من الكتاب المحدثين محمد عبد الله عنان -رحمه الله- ، إذ يرى أن هذا الادعاء ما هو إلا نحلة باطلة وثوب مستعار قصد من ورائها ابن تومرت أن يدعم بها صفة المهدي التي انتحلها أيضاً شعاراً لإمامته ورياسته. عصر المرابطين والموحدين ص 160
بدأ بنشر دعوته ببطء، ولما اطمئن بأنّه أصبحت له قاعدة تدين له بالولاء دعا الناس إلى مبايعته حيث يذكر ابن القطان أنه قام خطيباً فيهم ومما جاء في خطبته : ” … الحمد لله الفعال لما يريد ، القاضي بما يشاء ، لا مرد لأمره ولا معقب لحكمه ، وصلى الله على سيدنا محمد المبشر بالمهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً ، يبعثه الله إذا نسخ الحق بالباطل ، وأزيل العدل بالجور ، مكانه بالمغرب الأقصى واسمه اسم النبي ، ونسبه نسب النبي .. ” نظم الجمان ص 75 .. وبعد هذه الخطبة قام الناس فبايعوه بالإمامة وكان ذلك في الخامس عشر من شهر رمضان سنة 515ه الأنيس المطرب ص176 لابن أبي زرع الفاسي، وبذلك ترى أنّ ابن تومرت لم يجرؤ على إعلان ذلك الضلال في دعوته إلا بعد أن وثق من ولاء عامة الناس له، وفي هذا يقول ابن خلدون: ولما كملت بيعته لقبوه بالمهدي وكان لقبه قبلها الإمام” العبر 6/ 228 .
ـ ادعى محمد بن تومرت داعية الموحدين الأول العصمة لنفسه إذ قال عن نفسه بأنه هو المهدي المعصوم، كما سماه تلاميذه بهذا الاسم فأطلقوا عليه لقب المعصوم حتى أصبح هذا اللقب من أشهر ألقاب ابن تومرت لدرجة أنهم كانوا يطلقونه عليه دون ذكر لاسمه بسبب اشتهاره به !
وقد غالى ابن تومرت في القول بالعصمة لنفسه فنهج بذلك نهج الرافضة الاثنى عشرية، الذين قالوا بالعصمة لأئمتهم ، مما أوقعهم في انحراف عقدي خطير لأن “من جعل بعد الرسول معصوماً يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة وإن لم يعطه لفظها” منهاج السنة 3/174 ولم يكتف ابن تومرت بهذا الادعاء بل إنه كان يأمر بقتل كل من يشك في عصمته فقد كان يقوم بما سماه بعملية التمييز لأصحابه وهي التعرف على ولاء أصحابه وإيمانهم بما قال به ، فمن شك في ولائه أو أظهر له شيئاً من المخالفة له أمر بقتله” البيذق أخبار المهدي ابن تومرت ص 39 ، ولكي يؤصل هذا الادعاء في نفوس أتباعه ألف لهم كتابه “أعز ما يطلب” وسماه بهذا الاسم لأنه بدأه بقوله أعز ما يطلب وأسنى ما يبتغى ، وقد ضمنه أهم آرائه في القول بالعصمة وغيرها، ويعتبر هذا الكتاب من الكتب العقدية الهامة عند الموحدين ، وقد نشر بالجزائر سنة 1903.
هذا وقد ألف “ابن تومرت” لتلاميذه كتاباً سماه كتاب التوحيد بالسان البربري القبائلي قسمه إلى سبعة أحزاب عدد أيام الأسبوع، وأمرهم بقراءة حزب واحد في كل يوم بعد صلاة الصبح ابن القطان : نظم الجمان / 46 ويحتوي هذا الكتاب على معظم أفكار ابن تومرت والأسس العقدية لدعوته، ولهذا يذكر ابن أبي زرع أن
ابن تومرت قال لتلاميذه : من لا يحفظ هذا (التوحيد) فليس بمؤمن وإنما هو كافر لا تجوز إمامته ولا تؤكل ذبيحته فصار هذا التوحيد عند المصامدة كالقرآن العزيز” الأنيس المطرب ص 177 “هذا وقد كفّر “ابن تومرت” من لم يؤمن بما يقول ويعتنق ما يدعو إليه ، واستباح دمه حتى ولو كان من أتباعه. البيذق أخبار المهدي ابن تومرت ، ص 39. كما قال بكفر دولة المرابطين ووجوب جهادها، ولتأصيل هذا المبدأ في نفوس أصحابه فقد صرح في كل مناسبة ، كما ضمنه كتبه التي ألفها لهم ورسائله التي كان يبعثها إلى الموحدين حيثما كانوا ومما جاء في إحدى رسائله إلى أصحابه ” واعلموا وفقكم الله أن جهادكم-يعني المرابطين – فرض على الأعيان على كل من فيه طاقة للقتال ، واجتهدوا في جهاد الكفرة الملثمين ” الوثائق المغربية العدد 1 سنة 1396 هـ ص 241 .. كان هذا هو رأي ابن تومرت في دولة المرابطين، تلك الدولة السنية التي أقامت كيانها على مذهب أهل السنة والجماعة والدعوة إلى الله على هدى من سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، فقد طعن في عقيدتهم ، ووصفهم بأنهم مجسمون وكفار ، لا تجوز طاعتهم ، ولا الولاء لهم ، بل يجب جهادهم وقتالهم ، ولهذا قاتل الموحدون المرابطين قتال الكفار حسب اعتقادهم ، وما ذلك إلا بسبب الغلو الذي انتهجه ابن تومرت .

ومن كلّ ما مرّ معنا يعلم الأشاعرة المؤولة من هو إمامهم الذي يعتبرونه قدوة.

(Visited 34 times, 1 visits today)