الاشاعرة يتهورون ويزعمون أن الدارقطني أشعري

الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني “385هـ”:
كان الحافظ الدارقطني من ضمن من حاول المؤلفان ضمه إلى ركب الأشاعرة استكثاراً للأتباع، وتشبعاً بما لم يعطيا.
والحافظ الدارقطني علم من الأعلام، وإمام من الأئمة الذين ألفوا وكتبوا في فنون كثيرة، ومنها: “المعتقد”، فاللدارقطني ثلاثة كتب معروفة مشهورة مطبوعة متداولة في معتقد أهل السنة والجماعة، وهي: كتاب (الصفات)، وكتاب (الرؤية)، وكتاب (أحاديث النزول).
ومع توفر هذه الكتب في المكتبة الإسلامية، فإننا نجد المؤلفين لم يعرجا على شيء منها البتة، وأعرضا عنها تماماً، واستندا في دعواهما بأشعريته على قصة ذكر فيها أن الدارقطني قبل رأس أبي بكر الباقلاني الأشعري، وأثنى عليه.
ومن المعلوم أن هذه الطريقة لا يمكن الاعتماد عليها في استخلاص معتقد إمام معروف بكتبه كالحافظ الدارقطني، وغاية ما فيها ثناء الدارقطني على بعض الأشاعرة.
وهذا على فرض ثبوته يحتمل أموراً كثيرة.
منها: أن الثناء عليه قد يكون قبل أن يعلم حاله، وقبل أن يظهر ما ظهر من معتقداته.
ومنها: أن الثناء قد يكون نسبياً، كأن يثني عليه لجهوده في الرد على المعتزلة والجهمية ونحوهم، وقد كان الباقلاني معروفاً بهذا. لا لكونه موافقاً للحق في كل معتقده.
وقد ذكر ابن المبرد الدارقطني من ضمن من كان مجانباً للأشاعرة، فقال: “ومنهم: الإمام أبو الحسن الدارقطني، كان مجانباً لهم – أي: الأشاعرة -، وله كلام في ذمهم”  (23) .
وأنا أبين هنا ما سطره الدارقطني في كتبه حتى يتبين لكل عاقل، بطلان هذه الدعوى، وأن الدارقطني كان إماماً في السنة، رأساً فيها، ناهجاً نهج السلف والأئمة، لم يكن أشعرياً ولا كلابياً ولم يدخل في الكلام البتة.
فكتاب (الصفات) قد ألفه في إثبات صفات الله تعالى التي كان يتأولها المعطلة من الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشعرية، فعقد بابا لإثبات القدم لله عز وجل، وباب لإثبات اليدين، وبابا لإثبات الضحك، وبابا لإثبات الأصابع، وبابا في ما جاء في الكرسي، وبابا في ما جاء في صورة الرحمن، وبابا في ما جاء في حثيات الرب عز وجل، وبابا في ما جاء في يمين الله عز وجل، وباباً في ما جاء في كف الرحمن.
ثم أعقب هذه الأبواب بباب في بيان منهج السلف في هذه الصفات، وهو إمرارها على ظاهرها، وعدم التعرض لها بتأويل، ولا تشبيه، ونقل فيها كثيراً من نصوص السلف والتي قد ذكرنا كثيراً منها في الباب الأول.
وأما كتاب (أحاديث النزول) فقد أثبت فيه صفة النزول لله تعالى، وأنه حق على حقيقته من غير تشبيه ولا تحريف ولا تأويل، وأنه نزول الله تعالى لا نزول ملك ولا نزول أمره ونحو ذلك مما يتأوله الأشاعرة وجميع المعطلة، وجميع فيه أحاديث النزول في الثلث الأخير من الليل، وفي شعبان، وعشية عرفة، وقال في أوله: “ذكر الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيغفر للمستغفرين ويعطي السائلين”  (24) ا هـ.
وأما كتاب (الرؤية) فقد قرر فيه معتقد السلف في أن الله تبارك وتعالى يرى يوم القيامة، يراه المؤمنون في العرصات، وبعد دخول الجنة، وجمع فيها الأحاديث المتواترة الدالة على ذلك، ونقل فيه كلام الصحابة والتابعين والأئمة في إثبات ذلك، وأن ألذ نعيم أهل الجنة النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى.
فكيف يمكن بعد ذلك إدخال الدارقطني في جملة الأشعرية؟!! وكتبه كلها قد نسجها على منوال السلف في تقرير المعتقد، فيستدل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم من كلام السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ولم يعرج قط على المسائل الكلامية، ولا الدلائل التي يسميها أصحابها عقلية، بل كان مبغضاً لهذه الطرق.
قال الذهبي في (العلو): “كان العلامة الحافظ أبو الحسن علي بن عمر نادرة العصر، وفرد الجهابذة، ختم به هذا الشأن، فمما صنف: كتاب (الرؤية)، وكتاب (الصفات)، وكان إليه المنتهى في السنة ومذاهب السلف.
وهو القائل ما أنبأني أحمد بن سلامة بن يحيى بن يونس أنبأنا ابن كادش أنشدنا أبو طالب العشاري أنشدنا الدارقطني رحمه الله تعالى:

حديث الشفاعة في أحمدإلى أحمد المصطفى نسنده
وأما حديث بإقعادهعلى العرش أيضاً فلا نجحده
أمروا الحديث على وجههولا تدخلوا فيه ما يفسده

ا هـ  (25) .
وقال الذهبي في السير: “وصح عن الدارقطني أنه قال: ما شيء أبغض إلي من علم الكلام.
قلت: لم يدخل الرجل أبداً في علم الكلام، ولا الجدال ولا خاض في ذلك، بل كان سلفياً. سمع هذا القول منه أبو عبدالرحمن السلمي”  (26) ا هـ.

(Visited 153 times, 1 visits today)