«عنوان» النَّيروز .. «لمرتاد حالِ» محمد بن فيروز!

«عنوان» النَّيروز .. «لمرتاد حالِ» محمد بن فيروز!

لتحميل البحث يرجى الضغط هنا.

بقلم الشيخ مشاري الشثري

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعدُ:
فمع ما أعرفه عن المعترض من سرعة ارتجاج أفكاره وتزلزل أخلاقه لأدنى هبَّةٍ تُبعثِرُ أوراقَه إلَّا أني لم أكن أظنُّه بمثل هذا الذي رأيتُ.
فبعد ما كتبتُه عن حكايته الفاضحة في شأن آل فيروز، وكيف أنه أحال الأبَ ابنًا والابنَ أبًا، ثم بنى على ذلك تهاويلَه المعتادة ظانًّا أنه في مأمنٍ، فأُتِيَ من حيث لا يحتسب .. كان من المظنون أن يتدرَّعَ المعترض بالصمتِ ويجترحَ أُفُقًا إشكاليًّا جديدًا يُنسِينا فيه تلك الحكاية، أو أن يصرِّحَ ببيان غلطه ويعتذرَ عمَّا بدر منه، وإذًا (لرَبِحَ ورقةً شَرَفيَّةً في هذا السجال الذي خسر فيه كلَّ أوراقه) كما قلتُ سَلَفًا.
ولكنه أبى إلا الشخوصَ بثيابٍ عاريةٍ، والصمودَ على أرضٍ متهالكةٍ، ومدَّ يدَه إلى جَعبَته لينتزعَ منها سهامَه، فلم يَجِد إلا سهمَه الهِزاع .. نَصْلُه الهمز وعَصَاه اللمز.
ثم إنه وعد قُرَّاءه بعد ذلك بالانكفاف عن الردِّ والمساجلة، ولكنْ .. ليسَ التكحُّلُ في العينين كالكَحَلِ!
حَلَفتْ لنا ألَّا تخونَ عهودَها *** فكأنها حلفت لنا ألا تَفِي!

فما هي إلا دقائقُ حتى أخذ يكتب منشورًا، ثم أتبعه بآخرَ، وليته -ليسلَمَ له عهده- أغفله من ذِكر المردود عليه ودفن فيه رَسْمَه وخاطب به العموم معرِضًا عنه .. ولكنه لم يستطع ذلك، ولا يستطيعه .. فقد استوقدتْ تلك الحكايةُ غضبَه وأضرمتْ غيظَه.
وزاد على ذلك أن وصفني بقلة الصبر!
ولن أقول هنا ذلك المثلَ المغسول: (رمتني بدائها وانسلَّت) .. فإنه رماني به دون أن ينسلَّ!
وهو إنما وصفني بذلك لمَّا رآني نشرتُ مقالة (التذفيف) عقب مقالة (آل فيروز) بسويعات، يظن ذلك من قلة صبري .. هَبْنَي كنتُ قليلَ الصبر، ولكنِّي ما نشرتُ مقالة (آل فيروز) إلا ومقالة (التذفيف) مستوفِزَةٌ في ظرفها ترقبُ لحظةَ انطلاقها!
فكما أن المعترضَ (سريع الهِزَّة، عديم التماسُك، تعبثُ فيه الكلمةُ تِلْوَ الأخرى) كما قلتُ قبلُ واصفًا المعترض، فإنه كذلك معلومُ الخُطَى يُدرِكُ كلُّ ناظرٍ في حالِه نوعَ وجنسَ ما سيذكره من اعتراضاتٍ وإلزامات، فكانَ أنْ رقمتُ المقالتين في آنٍ، فبعثتُ إحداهما، وادَّخرتُ الأخرى عسى أن تصادفَ محلَّها، فصادفتْه!

هذا:
ومعَ إيابِ المعترضِ بعد ذهابه الذي لم نَرَه كتب عدةَ كتاباتٍ أراد بها إثباتَ وقوع الشيخ عبد الوهاب بن فيروز -صاحب الحاشية- فيما نراه مكفرًا.
وهو بذلك يظنُّ قضيَّتي في تلك الحكايةِ وما تلاها متعلقةً بحال الشيخ عبد الوهاب وإثبات كفره من عدمه، فأخذ المعترض في تقرير ذلك غاديًا ورائحًا!
كما ظن أن قضيتي في تلك الحكايةِ هي البحثُ في مسألة حكم الإفادة من الكافر المرتد أو ممن وقع فيما يُكفَّرُ به، فأخذ يحاول إقناع المتابعين بكفر عبد الوهاب حسب قواعدنا، ثم أعاد إلزامَه بحرمة إفادتنا من كتبه.
ولكنَّ ظنونَه تلك -ويا لتواتُرِ أسَاه- ظنونٌ ذاهبة.
قضيتي واحدة .. واحدةٌ فقط.
قضيتي أن المعترض مُفتَضَحٌ بحكايةٍ، فقصصتُ تلك الحكاية، وبينتُ بها أن المعترض (إنما يحسن العويلَ والتهويلَ) وفقط .. هذا منتهى الأمر
بعد ذلك للمعترض أن يفتحَ من صفحات البحث ما شاء، لكن على أن يحفظَ لتلك الحكاية وقارَها وقرارَها، ثم لْيُجادِلْ عن كل شيء بكلِّ سبيلٍ يراه، على أن يجانب فلسفته الجدليَّة الفاردة، والتي ملخصها أن من براعة المجادل أن يقول الخطأَ، ليحيصَ خصمُه ويَضِلَّ عن صوابه!
أحدوثةُ «المقلاع»، ثم حكايةُ آل فيروز .. كشفتَا عن قدرةٍ فائقةٍ للمعترض على مكابرةِ الحقائق ومعاندةِ الوثائق، دون أدنى حياءٍ من المراقبِ لهذا المشهد السجالي، وقد كان ذلك لائحًا في أحدوثة «المقلاع»، ولكنَّ الأمر في حكاية آل فيروز قد تعاظم وتفاقم، وبه أيقنتُ -كما أيقن كثيرون- أنْ ليس لها من دون الله كاشفة.

ومن هنا لا بُدَّ أن يتفهَّم القارئ الكريم ما قد يلقاه في ضمن هذا السجال من مُخَاشنة، فـ (مَن كان قصده العناد، يعلم أنه على باطل، ويجادل عليه = فهذا لم يُؤْمَر بمجادلته بالتي هي أحسن، لكن قد نجادله بطرق أخرى نبين فيها عنادَه وظلمَه وجهلَه جزاءً له بموجب عمله) [الجواب الصحيح لابن تيمية (1: 219)].
******

بعد ذلك آتي إلى غرضي من هذه المقالة، والتي أقصدُ فيها إلى بيان حال محمد بن فيروز.
وسببُ ذلك أن المعترضَ أخذ يُهوِّلُ في غير موضعٍ بتكفير الإمام محمد بن عبد الوهاب لمحمد بن فيروز، فربَّما بعث ذلك تساؤلًا لدى طالب الحق، فحفزني ذلك إلى تطلُّبِ خبرِ ابنِ فيروز.
وأوَّلُ ما أحب البداءة به أمرٌ ذكرتُه فيما مضى، وهو أن التكفيرَ أشبهُ شيءٍ بالحكم القضائي:
يُبنَى على الفعل والقول وهل هو مُكَفِّرٌ أو لا؟
ثم على حال الفاعلِ وهل وقع منه الكُفْرُ أو لا؟
ثم هل قام به مانعٌ من وقوع الكفر عليه بعد التحقق من قيامه بالمكفر أو لا؟
وكلُّ هذا يدخله الاجتهاد والنظر.
وهذه القضايا تمثِّلُ «ألف باء» التكفير عند دارسي علم الاعتقاد.
فإذا تقرَّرَ هذا فتكفير الإمام محمد لابن فيروز إنما هو اجتهادٌ بناه على معطياتٍ عنده رأى معها أن ابن فيروز مستحقٌّ لإيقاع الكفر عليه، وهذا الاجتهاد من الإمام ليس ملزِمًا لمن بعده، إذ قد لا يتحصَّل لهم من النظر في ذلك ما قد تحصَّل للإمام، شأنُهم في ذلك شأنُ كلِّ ناظرٍ في أمرٍ اجتهاديٍّ.
وهذا التقرير يمثِّلُ «ألف باء» الاجتهاد عند دارسي علم الفقه والأصول.
إذا تقرَّرَ ذلك فالواجب على المعترض ألَّا يجعل من ذلك النظر الاجتهادي معقدَ افتراقٍ، يوالي عليه معاصريه ويعاديهم، أو أن يجعل منه موطنَ إلزامٍ لقضايًا يتوهَّمُها مترتِّبَةً عليه، أو أن يفزعَ من حكاية الكفر فَزَعًا صَحَفيًّا دون أدنى تحريرٍ علميٍّ، فلا بُدَّ من إنزالِ كلِّ قضيةٍ حاقَّ موضعها من النظر، وهذا أولُ خطوات البحث العلمي النزيه، أن تُحدَّدَ جهةُ النظر فيه وتُحمَّل ما تحتمله من اجتهادٍ وإلزامٍ.
*
هذا تقريرٌ جُمْليٌّ لقضايًا أحسبها بيِّنةً، لكنها بحاجةٍ إلى تثبيتٍ، وقد ذكرتُها لأمهِّدَ بها إلى أن الذي أقصد إليه في هذه الكتابة هو النظرُ في حال محمد بن فيروز لغرضٍ واحدٍ، وهو أن يَعلَم القارئُ طرفًا من الواقع الذي صدر فيه تكفيرُ الإمام له.
هذا منتهى غرضي هنا .. فلستُ إذًا معنيًّا بالحكم على ابن فيروز بالكفر من عدمه، ولكني معنيٌّ ببيان حال هذا الرجل ليعلَمَ القارئ أيَّ رجلٍ هذا الذي كفَّره الإمام، وأيَّ عداءٍ كان يحمله تجاه دعوة التوحيد التي أتى بها الإمامُ ودعا إليها، وليعلَمَ أن شأنه ليس متعلقًا بهوامشَ فرعيَّة أو قضايا جزئيَّة، بل تجذُّر عدائه يمتدُّ ليَمَسَّ قضايًا من أصل الديانة، من أجلها رأينا ابنَ فيروز ينذر عمره لاستئصال هذه الدعوة وتقبيح إمامها، بل وتكفيره.
والحقُّ أني لم أشَأْ الولوجَ في هذا الذي ترى، فـ (تلك أمةٌ قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتُم)، ولكنْ لَمَّا رأيتُ هؤلاء الشانئين قاعدين بكل صراطٍ للإمام محمد ودعوته، يبغونها عوجًا، وكان مما شنَّعوا به على الإمام تكفيرُه لمحمد بن فيروز، كان لا بُدَّ من بيان ذلك.
وذلك أنَّ المعترضَ وكثيرًا ممن سار على نهجه حين يتحدَّثون عن محمد بن فيروز، ويقيمون المآتمَ على تكفير الإمام محمد له = يُخيَّلُ للناظر حينَها أن محمدَ بنَ فيروز كان حملًا وديعًا مُبَرَّأً من كل نقيصة، أو أنَّ خلافَه مع الإمامِ كان في بعض فروع الشريعة.
من أجل ذلك رأيتُ لزامًا عليَّ وأنا أسعى في كشف بعض الزَّيف الذي يثيره المعترض أن أبُيِّنَ شديدَ عداوة ابنِ فيروز للإمامِ محمدٍ وأتباعِه وما دعوا إليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله، متينَ البغضاء لهم، ألَّف في الرد عليهم، واستعدى على قتالهم، خالفهم في أصول الديانة، وكذب عليهم في فروعها.
ولم يقف الأمر عند ذلك، بل كفَّرهم واستحلَّ دماءَهم، وقال بأنه لا يتوقف في تكفيرهم واستحلال دمائهم مَن له مسكةٌ من الدين!
كلُّ ذلك دالٌّ على أن القضية التي نَهَض لها ابنُ فيروز ليست قضيةً متعلقةً بهوامش دعوة الإمام وأتباعه، فنحمل التكفير حينها على مجرد الخصومة أو محض التساهل .. بل هي قضيَّةٌ تمسُّ أصل الدعوة التي ناء بحملها الإمامُ وأتباعهُ.
******

أوَّلُ ما يُحكَى من حال ابن فيروز -وهي من أعتى فواقره-: تكفيرُه للإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه:
وذلك فيما ضمَّنه ردَّه الموسومَ بـ «الرسالة المرضية في الرد على الوهابية»، حيث ابتدأ بذكر كفر من قال قولًا يُتوصَّلُ به إلى تضليل الأمر .. ثم جدَّ في نسبةِ ذلك إلى الإمام ليوقعه في التكفيرَ.
فشرع في الحديث عن الإمام محمد، وسماه «طاغية العارض»، ونسب إليه جملةً من الأكاذيب افتتحها بقوله:
(طاغية العارض يقول بلسانه وقلمه: جميع مَن قبله من نحو ستمئة سنة في جاهلية أعظم من الجاهلية التي قبل النبي ﷺ).
انظر .. بلسانه وقلمه!
لم يكتفِ بذكر اللسان حتى يُلبِّسَ على أتباعه فيما إذا لم يروا ذلك مزبورًا في كتبه، بل شفع إلى ذلك -دون حياءٍ- الزعم بأن ذلك مما كتبه الإمام وقيَّده بقلمه!
وفي موضعٍ آخر من كلامه، في تقريظه لكتاب تلميذه عبد الله بن داود «الصواعق والردود» تبرَّع بزيادة مئة عامٍ، فذكر في ضمن ما افتراه أن الإمام محمدًا يزعم (أن الدين الذي أكمله الله لنبيه وأمته وأخبر ﷺ أنه باق إلى يوم القيامة قد درس وعفت آثاره من سبعمئة عام).
هذا مفتَتُح الأكاذيب، ثم أخذ في فَرْيِ أخرى .. فمنها قوله:
(ويدين بأن جميع كتب الفقه لا يجوز العمل بها، لأن الحق مختلط فيها بالباطل).
وقال:
(ويدين بأن الهجرة من جميع الأماكن حتى مكة والمدينة إلى الدرعية واجبة، ومن لم يهاجر إليه فهو عنده كافر، ولو صدقه فيما قال!).
وقال:
(ويقرر بلسانه في عامَّة مجالسه -حتى كان ذلك مما يدرسه أصحابه- وهو أنه لا يتوسل إلى الله تعالى بنبيه ﷺ، ومن فعل ذلك فهو أكفر من أبي جهل).

إلى أكاذيبَ أُخَرَ افتنَّ في اختلاقها، ثم قال بعد ذلك -وهو محلُّ شاهدِه-:
(والحاصلُ أن أمرَ طُغاةِ نجدٍ لا يشكل إلا على من تشكل عليه الشمس، ولا يتوقَّف في تكفيرهم وحِلِّ دمائهم وأموالهم من له مسكةٌ من الدين، ولا يتوقف في كون من قتلوه شهيدًا ومَن قتلهم مثابًا).
ثم أتبع ذلك قصيدةً حشوُها الكذب، ومِلْؤُها الباطل، تكاد بذلك أن تكون جامعةً لما تفرَّق من أباطيل افتراءات خصوم الدعوة.
فانظر كيف استجرَتِ الخصومةُ ابنَ فيروز، فجدَّ على عادة إخوانه من خصوم الدعوة في اختلاقِ الأكاذيب، دون أدنى تحرٍّ للحق فيها، ثم لم يقف عند ذلك حتَّى حكم بكفر الإمام وأتباعه واستحلال دمائهم!
قارن هذا بما كفَّر من أجله الإمامُ محمدُ بن عبد الوهاب محمدَ بنَ فيروز .. يدلُّ عليه قوله في موضعٍ:
(ولكن تعرف ابن فيروز، أنه أقربهم إلى الإسلام، وهو رجل من الحنابلة، وينتحل كلام الشيخ وابن القيم خاصة، ومع هذا صنَّفَ مصنَّفًا أرسله إلينا، قرر فيه أن هذا الذي يفعل عند قبر يوسف وأمثاله، هو الدين الصحيح) الدرر السنية (1: 78).
فهنا ترى الإمامَ يتحدَّث عن معطًى علميٍّ تضمَّنه مصنَّفٌ لابن فيروز، فاجتهد لذلك وغيرِه في إنزال حكم الكفر عليه.
وأما ابن فيروز فاستجرتْه الخصومة المحضة لتكفير الإمام وأتباعه، فافترى الأباطيل، وفعل الأفاعيل، ثم جازف بالتكفير واستحلال الدماء، بل صرَّح أن ذلك لا يشك فيه من له مسكةٌ في الدين.
والآنَ .. فلْينظر المعترض في حاله ومقاله، وهو قد بلغ غاية الجهد في وصف الإمام وأتباعه بأنهم خوارجُ وأزارقة، فما قوله بعدَ ما رآه من تكفير ابن فيروز للإمام وأتباعه؟
وإذا أردنا أن نديرَ عليه مسلكَه الواهيَ في الإلزام فسنقول له:
إما أن توافق ابنَ فيروز فتكفرَ الإمامَ وأتباعَه.
أو فلتعُدْ على ابن فيروز ولْتحكمْ عليه بالضلال والانحراف وسلوك مسلك الخوارج والأزارقة، وامنحْه مع ذلك وسام الأبوَّة الداعشيَّة والذي لطالما منحته خصومك لأدنى هزَّة!
*
ثم إني أقول للقارئ:
قد علمتَ أن الإمام بنى تكفيره على ما تقرَّر له من حال ابن فيروز، وما رآه في مصنفٍ له أرسله إليه، وأما ابن فيروز فبنى تكفيرَه على محضِ الأكاذيب والأباطيل، ونسبَ أصل ما بنى عليه تكفير الإمام من تضليل الأمة والحكم بأنها مذ ستمئة سنة ليست على شيء، نسب ذلك إلى ما قاله بلسانه وقلمه!
ثم عطف عليه أباطيل أخر .. فهل ما قاله يوافق ما في مصنفات الإمام، أو هو محضُ التشهِّي في اختراع الأوهام؟
فلننظرْ فيما تضمنته مصنفات الإمام:
قال الإمام رحمه الله:
(لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم، وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى عليَّ أمورا لم أقلها، ولم يأت أكثرها على بالي.
فمنها قوله: إني مبطل كتب المذاهب الأربعة، وإني أقول: إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء … جوابي عن هذه المسائل أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم!) الدرر السنية (1: 33 – 34).
وقال:
(فالمسائل التي شَنَّعَ بها، منها ما هو من البهتان الظاهر، وهي قوله: إني مبطل كتب المذاهب، وقوله: إني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، …، وقوله: إني أكفر من توسل بالصالحين).
ثم قال:
(فهذه اثنتا عشرة مسألة، جوابي فيها أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم!) الدرر السنية (10: 13).
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في سياق ذكره كثيرًا من الأباطيل والأراجيف التي يثيرها خصوم الدعوة:
(وأما ما يُكذَبُ علينا – سترًا للحق، وتلبيسًا على الخلق – بأنَّا … نتلف مؤلفات أهل المذاهب، لكون فيها الحق والباطل، وأنَّا مجسمة، وأنَّا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا ومن بعد الستمائة إلا من هو على ما نحن عليه … = فلا وجهَ لذلك، فجميع هذه الخرافات وأشباهها لَمَّا استَفْهَمَنا عنها مُنْ ذُكِرَ أولًا كان جوابنا في كل مسألة من ذلك: سبحانك هذا بهتان عظيم، فمَن روى عنا شيئًا من ذلك، أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى) الدرر السنية (1: 229 – 230).
وجاء في رسالة الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى العجم والروم:
(ونحن نعلم أنه يأتيكم أعداء لنا، يكذبون علينا عندكم، ويرموننا عندكم بالعظائم، حتى يقولوا: إنهم يسبون النبي ﷺ، ويكفرون الناس بالعموم، وإنا نقول: إن الناس من نحو ستمائة سنة ليسوا على شيء، وإنهم كفار، وإن من لم يهاجر إلينا فهو كافر، وأضعاف أضعاف ذلك من الزور، الذي يعلم العاقل أنه من الظلم والعدوان والبهتان) الدرر السنية (1: 263).
ففي هذه النصوص للإمام وبعض أتباعه تعلم بها أن مصنفات الإمام ليست خاليةً مما زعمه ابن فيروز فحسب، بل قد تضمَّنت تكذيبًا لذلك وتفنيدًا.
وقد قال الإمام من شدة ما قاساه من أكاذيب القوم وعاناه:
(فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد وأنهى عنه من الشرك، ولبَّسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس، وكبرت الفتنة جدًّا، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله.
منها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه فضلًا عن أن يفتريه.
ومنها: ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني، وأني أزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، فيا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! وهل يقول هذا مسلم؟! إني أبرأ إلى الله من هذا القول الذي ما يصدر إلا عن مختل العقل، فاقد الإدراك فقاتل الله أهل الأغراض الباطلة) الدرر السنية (1: 80).
فرحم اللهُ الإمامَ ورضي عنه.
*
هذا إذًا ما يتعلق بأصل ما بنى عليه ابنُ فيروز تكفيرَه الزائف، وهو ما يعنيني في هذا المقام .. وأما باقي فواقره فكلُّ من له مساسٌ بكتب الإمام وأتباعه يعرف مظانَّ إبطالِ ذلك وإنكارِه، لكن أذكر بعض ذلك بإيجازٍ تثبيتًا لأهل الحق، وأمَّا (من يرد الله فتنتَه فلن تملك له من الله شيئًا).

فأمَّا ما يتعلق بإبطال العمل بالكتب الفقهية ففي نصوص الإمام المتقدمة ردُّه ونقضُه.
وأمَّا ما يتعلق بأن من لم يهاجر إلى الإمام فهو كافر، فقال الإمام عنها:
(وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل؟! «سبحانك هذا بهتان عظيم») الدرر السنية (1: 104).
وأمَّا ما يتعلَّق بتكفير من توسَّل إلى الله تعالى بنبيه ﷺ، فقد تقدم في ما مضى من نصوص عن الإمام أن ذلك من جملة ما افتُرِيَ عليه .. بل قد بحث الإمام هذه المسألة وفصَّل القول فيها، وقال:
(قولهم في الاستسقاء: «لا بأس بالتوسل بالصالحين» وقول أحمد: يتوسل بالنبي ﷺ خاصة، مع قولهم: إنه لا يستغاث بمخلوق = فالفرق ظاهر جدًا، وليس الكلام مما نحن فيه، فكونُ بعضٍ يرخص بالتوسل بالصالحين وبعضهم يخصه بالنبي ﷺ، وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه، فهذه المسألة من مسائل الفقه، ولو كان الصواب عندنا: قول الجمهور: إنه مكروه، فلا ننكر على من فعله؛ ولا إنكار في مسائل الاجتهاد) تاريخ ابن غنام (1: 503).
فأين هذا التقرير من أراجيف ابن فيروز؟!
******

ثاني فواقر ابن فيروز: جِدُّه واجتهادُه في حربِ الإمام وأتباعه، والتحريضِ على ذلك:
فمن ذلك تحريضه سلطانَ الخلافة على قتاله واستئصاله .. وعن ذلك قال ابن حميد في ترجمته:
(كاتَبَ السلطان عبد الحميد خان، كان يستنجده على قتال البُغاةِ الخارجين بنجد، رأيتُ مسوَّدَته بخط ابنه النجيب الشيخ عبد الوهاب، وافتتحه بقصيدةٍ من نظمه ونثرٍ بليغ، فتحرَّك لذلك، ولكن اخترمته المنية قبل إتمام مرامه) [السحب الوابلة (3: 973)].
وعن استبساله في مكايدة الدعوة وتحريضه على ذلك قال ابن حميد:
(كان الشيخ يردُّ عليهم، ويبين خطأهم، وينصح الناس عنهم، فلهذا اتخذوه أكبر الأعداء، وكفَّروه، وصار عندهم يُضرَبُ به المثلُ في عظيم الشرك، وأنه ممن أضله الله على علمٍ).

وكما كاتب ابنُ فيروز السلطانَ عبدَ الحميد، وافتتح مكاتبته بقصيدةٍ، فعل ذلك مع ثويني بن عبد الله السعدون:
فقد ذكر ابن بشرٍ في حوادث سنة (1211هـ) من تاريخه [عنوان المجد (2: 217 وما بعدها)] أن سليمان باشا وَلَّى ثويني على «المنتفق»، وذلك بعد أن أطمعه ثويني بأنه سيسير إلى نجدٍ ويخربها ويقتل أهلها، فوقع ذلك من سليمان باشا، وسعى في ذلك كثيرٌ من الجالين من أهل نجد في الزبير والبحرين والكويت وغيرهم، وكاتبوا سليمان باشا وحرَّضوه على ذلك، وكان من أشدِّهم في ذلك ابنُ فيروز .. قال ابنُ بشر:
(وكاتبه -أي: سليمان باشا- كثيرٌ من الرؤساء والعلماء، سيما محمد بن فيروز، فإنه الذي يُحكِمُ ذلك، ويبذل جهده) [عنوان المجد (2: 218)].
وفي سياق ذلك كتب ابنُ فيروز قصيدةً شهيرةً حرَّضَ فيها ثويني على ذلك، مطلُعها:
أنامِلُ كَفِّ السَّعْدِ قد أثبتت خطَّا *** بأقلامِ أحكامٍ لنا حُرِّرَت ضبطَا

وقد اكتفى مؤرِّخَا الدعوة ابنُ غنامٍ وابنُ بشرٍ بهذا المطلع، ثمَّ إنَّ ابنَ غنَّامٍ ردَّ عليها بقصيدة طويلة [تاريخه (2: 952 – 956)].
وقد أورد العسَّافيُّ طائيَّةَ ابن فيروز هذه في «تراجم الفضلاء [مخطوط]»، إلا أن مطلعها:
لك الطَّالعُ الميمون بالسَّعْدِ قد وطَّا *** وأقلام أيدي النصر قد كتبت خطَّا

وقد ضمَّن ابن فيروز قصيدتَه هذه حزمةً من الأكاذيب، وفَرَى فيها من الأباطيل ما فرى، ابتغاءَ تشويه الدعوة وإمامها.
ثمَّ إن ثويني قد سعى فعلًا إلى نجدٍ، ولكن الله كتب في ممشاه مقتلَه على يدِ عبدٍ اسمه «طعيس» كان قد انضمَّ إلى جيش ثويني ابتغاءَ قتله، واختلط بهم حتى صار كأنه من جملتهم، فتحيَّنه على حين غِرَّة فطعنه حتى مات.

ولكنَّ ابنَ فيروز لم يَفتُرْ له عزمٌ في معاداة الدعوة، بل أتبع طائيَّته برائيَّةٍ رثى فيها ثويني، ومما قاله فيها:
ستبكي عليك المكرمات بأسرها *** وراياتُك الغَرَّا وأنديةٌ خُضْرُ
فسحقًا لِقَيْنٍ قد رقى منك مرتقًى *** عليًّا وكم قد صِيدَ بالخرب الصقرُ

وأما نحن فنقول، ألا فليرحم الله (طعيسًا)، ونقول مع ابنِ غنَّام [تاريخه (2: 231)]:
لقد فُلَّ عصبُ الشرك بل ثُلَّ عرشُه *** وسُلَّ حسامُ الدين واندرس الشرُّ
وحَالَتْ مغانيهِ وأَعْفَت ربوعُه *** وزالت مبانيه فساحته صغرُ
برَبِّ طعيسٍ -لا طعيسٍ- تقشَّعت *** سحائبُ رجز بالمنايا لها شرُّ

ثم إن ابن فيروز في خَتْمِ رثائه ثويني أخذ يستنجد بمَن خَلَفَه ويستنهضه للقتال.
******

فهذا شيءٌ من جهاد ابنِ فيروز وتحريضه على استئصال شأفة الإمام وأتباعه، ومكاتبته السلاطين والولاة بذلك.
وفي مقامٍ آخر نرى ابنَ فيروز يجنِّد تواليفَه لحرب هذه الدعوة، بل لم يشتهر من تواليفه ورسائله إلا ما صنَّفه في مكايدة الإمام وأتباعه:
فممَّا صنفه: «الرسالة المرضية في الردِّ على الوهَّابية»، كما صنَّف رسالةً أخرى في ذات الموضوع، وهاتان الرسالتان لِمَن طالعهما تدل على هُزالٍ معرفيٍّ وخُلُقيٍّ لا يليق بمنتصبٍ للعلم، وليس من عجبٍ بعد ذلك أن يقول ابنُ حميد -مع عدائه للدعوة- عن تصانيف ابنِ فيروز بأنها (ليست على قدر علمه وقدره).
وقد ضمَّن ابن فيروز رسالتيه هاتين أوصافًا دالةً على عمق عداوته وعمايته في ذلك.
فمما نثره فيهما من أوصافٍ نبز بها الإمام:
(الجاهل المركَّب .. البليد الذي أضل عوام المسلمين وشبَّه عليهم .. ما أضلَّه وأعمى بصيرتَه! .. طاغية العارض .. المارد .. المُغوِي .. المُضِل).
كما كتبَ تقريظًا لكتاب صنفه أحد تلاميذه اجترح فيه أوصافًا أخرى، منها:
(الطاغية .. المرتاب .. المحيي ما اندرس من أباطيل مسيلمة الكذاب .. أشد الخلق شبهًا بإبليس).
كما ذكر في مصنفاته أوصافًا تشمل الإمامَ وأتباعهَ، وليس أشنعها وصفهم بالكلاب في غير موضع، كوصفه لهم في بعض أبياته:
(كلابٌ ذئاب .. فصرتم كلابًا ضاريات .. فيكم بالكلاب شباهة).
هذه بضاعة القوم.
وهو طرفٌ مما بلغنا يَحسِرُ عن عدوٍّ شديدِ العداوة للإمام ودعوة التوحيد التي بثَّها في الناس، على أن شأنَ ابن فيروز معروفٌ ذائعٌ في زمانِه وبعدَه، حتى إن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عايش أهلَ الأحساء بعد نحوِ نصف قرنٍ من وفاة ابن فيروز، وكان قاضيَهم ومفتيَهم، ومما قاله عن محمد بن فيروز:
(آثار ابن فيروز في الصدِّ عن سبيل الله، ومسبَّةِ أئمة الإسلام، وجعلِ شيخ الإسلام طاغوتًا يجب الكفر به = معروفٌ مشهور عند أهل الإحساء وغيرهم).
ومن صنائع ابن فيروز ومسالكه في عداء الدعوة ما حكاه علوي الحداد، وهي صنيعةٌ تدلك على وهاء خصومته وإفلاسها .. يقول الحداد:
(ولله در الشيخ محمد بن عبد الله بن فيروز الحنبلي لما قام مجتهدًا ابتغاء مرضاة الله في إطفاء بدعة هذا الخبيث).
يعني بذلك إمامَ الدعوة كرَّمه الله وشرَّفه .. حسنًا، وماذا كان جهد ابن فيروز؟
يقول الحداد:
(كلما رأى وجهًا لبعض أهل المذاهب الأربعة تبع ذلك الوجه إذا كان مخالفًا لما يعلمه أو يقوله ابن عبد الوهاب البدعي)!
فمن مناقب ابن فيروز في عيون بعض محبيه أنه كان يتسوَّر حيطان المذاهب بحثًا عن أيِّ قولٍ أو وجهٍ، ويجعل معياره للاتباع والقبول مخالفة ذلك الوجه للإمام محمد بن عبد الوهاب!

هذا إذًا طرفٌ مما تضمنتْهُ تصانيفُه.
******

وكما جنَّد ابن فيروز تواليفه لحرب الدعوة فقد جنَّد تلاميذه لذلك، حتى تخرَّج على يديه خصومٌ بلغوا من العداوة مبلغًا عظيمًا.
فمن تلاميذه: ابن سلُّوم، وابنُ جامع، وابن جديد، وعبد الله بن داود الزبيري، وكل هؤلاء قد ضربوا في معاداة الدعوة بسهم، فمستقل ومستكثر.
وعن عبد الله بن داود الزبيري تحديدًا، فقد صنَّف كتابًا في الرد على دعوة الإمام، كان محل قبولٍ ورضى من شيخه وغيره من خصوم الإمام .. قال الشيخ عبد الله البسام في ترجمته:
(والمترجَم المذكور قد شرب من مشايخه عداوة الدعوة السلفية في نجد وزعيمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، لذا فإنه من أشدِّ الجادِّينَ في مجابهتها ومعارضتها، وقد صنَّف في الرد عليها كتابًا سمَّاه «الصواعق والرعود في الرد على ابن سعود»، إلا أن الله تعالى أبقى هذه الدعوة الطيبة في نمو وتقدم وتوسع في المشارق والمغارب، وذهبت رعوده وبروقه خُلَّبًا، فالحمد لله على المعتقد الحسن) [علماء نجد (4: 114)].
ومن أخصِّ أولئك المشايخ الذين شرب منهم ابن داود عداوةَ الدعوة السلفية وإمامَها: محمد بن فيروز، ولذا فقد كتب ابن فيروز تقريظًا لكتابه «الصواعق والرعود»، ونفخ ابن فيروز في ذلك من روح أكاذيبه عجبًا.
ولكنه من فرط عداوته أجرى شطرًا من تلك الأكاذيب على لسان أبيه عبد الله زاعمًا أنه يتحدث له عن شيء من أحوال الإمام أيام قراءتهم على والد الإمام: عبد الوهاب بن سليمان.
وحتَّى تعلمَ أن هذه الأكاذيب من لدن ابن فيروز، وأنَّ أباه مبَرَّأٌ مما ذكره من خزايًا وبلايا، فلنمتحنْ ما قاله بمعطيات التاريخ، وذلك بأن ننظر في الزمن الذي اجتمع فيه الشيخان محمد بن عبد الوهاب وعبد الله بن فيروز عند الشيخ عبد الوهاب، ثم ننظر في حقيقة حال الإمام حينها، ونقارن بينها وبين دعوى ابن فيروز، وقتئذٍ ترى فَصْلَ ما بين طيبِ القول وخبيثِه، وتعرف حقيقةَ مختَلِـقِ تلك الأباطيل!
*
ملخَّص القول:
أن اجتماع الشيخين محمد بن عبد الوهاب وعبد الله بن فيروز عند الشيخ عبد الوهاب ينحصر احتماله في أحد فترتين:
الأولى: قبل رحلة الشيخ محمد العلمية. الثانية: بعد رجوعه منها.
فلا بُدَّ من النظر في تاريخ رحلته وتاريخ عودته:
– أما بدء رحلته:
فكان ذلك بعد بلوغه الاحتلام بعامٍ، وذلك أن الشيخ بلغ الاحتلام وعمره (12) عامًا كما ذكر ذلك عنه والده الشيخ عبد الوهاب فيكون بلوغه سنة (1127هـ).
ثم إنه حج في تلك السنة ثم ذهب إلى المدينة ومكث بها شهرين، ثم عاد إلى نجد .. فيكون عَوْدُه واقعًا في النصف الأول من سنة (1128هـ).
ثم إن الشيخ درس على والده عامًا واحدًا ابتدأ بعده رحلتَه العلمية، فكان بدء رحلته على ذلك سنة (1129هـ).
*
– وأما تاريخ عودته:
فلا تحدد المصادر سنةً معينةً لذلك، ولكن المُحَقَّقَ أنه عاد ووالدُه حينها كان قد انتقل من العيينة إلى حريملاء لخلافٍ حصل بينه وبين أمير العيينة، وكان انتقال والده سنة (1139هـ) ثم إنه توفي سنة (1153هـ)، فعودة الشيخ إذًا كانت بين هذين العامين، وقد ذكرت المصادر أنه درس على والده سنين قبل وفاته.

إذا علمتَ ذلك فيأتي السؤال: متى التقى الشيخان محمد وعبد الله عند الشيخ عبد الوهاب؟
أما الفترة الثانية فقد كان الشيخ عبد الله بن فيروز حينَها قد انتقل إلى الأحساء واستقرَّ بها، بدليل أن الإمامَ محمدًا في طريق عودته إلى نجد مرَّ بالأحساء والتقى به هناك.
فإذًا، لم يكن الشيخ عبد الله في تلك الفترة بنجد يتلقى العلم عن الشيخ عبد الوهاب، وأيضًا فقد كانت سن الشيخ عبد الله حينها بين (34 – 48) عامًا، وهذه سنٌّ مجاوزةٌ في العادة لسنِّ الطلب والتلقي عند الأشياخ.
بقيتْ إذًا الفترة الأولى، وهي قبل سنة (1129هـ) التي ابتدأ الشيخ فيها رحلته، والشيخ حينها لم يتمَّ الرابعةَ عشْرة من عمره .. في هذا الظرف أودع ابنُ فيروز أكاذيبَه فقال:
(وإني من أعلم الناس به إذ المخبر لي عنه أبي رحمه الله تعالى، وهو أقرب الناس له، إذ هو ابن خالته وابن خاله، وبلدهما ومكانهما واحد، وأبوه من أكبر مشايخ أبي في علم الفقه، وأبي أسن منه بسبع سنين.
ذكر لي رحمه الله تعالى عنه حين سألته عنه وهو يكتب ردا عليه، فكان مما قاله لي عند هذا في عنفوان أمره: وقت قراءتنا على أبيه:
[1] يفر من كتب الأحكام أعظم فرار.
[2] حتى إنه يستهزئ بالمشتغلين على أبيه.
[3] وكان مشتغلا بكتب الحكايات وأحوال الخارجين من أرباب الفتن.
[4] وكثيرًا ما يلهج بأخبار من يزعمون أن النبوة صناعة وحرفة من الحرف، وعندنا إذ ذاك أنه حَبِل فيه.
[5] ثم ظهر لي [أنه] أضمر ذلك في نفسه، وتحير في كيفية إبرازه.
[6] ثم عَنَّ له أن هذا الأمر لا يتم له إلا بإنكار كتب الأحكام، وأنها ممتزج فيها الحق بالباطل).

كل هذا والإمام لم يتمَّ الرابعة عشرة من عمره!
ولكن .. يصدق على محمد بن فيروز ما قاله الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن واصفًا أكاذيبَ ابنِ منصور:
(هذا الرجل لا يُحسِنُ سَبْكَ الكذب والزور، بل يأتي بها طَامَّةً شَوْهَاء لم تنتقب ولم تختضب!).
وقد رأينا من قبلُ أن ما كَذَبَ به ابنُ فيروز على الإمام ناسبًا له إلى مصنفاته كان محضَ رِياح، فكيف نأتمنه على ما أفضى به خيالُه!
فهنا سيلٌ من الأكاذيب يُجْرِيه ابن فيروز بمخياله الوقَّاد، ظانًّا أنه يصدُّ بذلك عن الإمام ودعوته.
ولِتَرَى حقيقة تلك الأكاذيب فهاك شهادةً من الشيخ عبد الوهاب نفسه متعلِّقةً بذلك الظرف الذي أودعه ابنُ فيروز أكاذيبه!
وبعد ذلك لك أن تصدِّقَ ابنَ فيروز، فتكذِّبَ بذلك الشيخَ عبد الوهاب.
أوتصدق الشيخ عبد الوهاب، وتعرف بذلك أن محمد بن فيروز مجردُ أفَّاك!
*
ذكر ابن غنام في تاريخه متحدثًا عن تلك المرحلة من حياة الشيخ -أي: من طفولته إلى أوان رحلته- أن الشيخ حفظ القرآن قبل بلوغه عشر سنين، واشتغل في طلب العلم على أبيه، وكان والده عبد الوهاب يرى فيه أمارات الفهم وتوقد الذهن، ويتحدَّث بذلك.
كما نقل الشيخ سليمان أخو الشيخ محمد أن والده عبد الوهاب كان يتعجب من فهمه وإدراكه قبل بلوغه، حتى إنه قال: (لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام).
ثم ذكر ابن غنام أن والده كتب إلى بعض إخوانه رسالة ينوِّه فيها بشأنه ويثني عليه وعلى فهمه، وذكر فيها أنه قد بلغ الاحتلام قبل إكماله اثنتي عشرة سنة، وأنه رآه أهلًا للإمامة بالمصلين، وأنه قدمه لمعرفته بالأحكام، وزوَّجه في عام بلوغه، ثم إن الشيخ محمدًا طلب من والده السفر للحج فأذن له، فسافر، وبعد انقضاء الحج ومكثه في المدينة شهرين عاد إلى والده.
قال ابن غنام:
(وأخذ في القراءة على والده في الفقه على مذهب الإمام أحمد، فسلك فيه الطريق الأحمد، ورُزِقَ مع الحفظ سرعة الكتابة، فكان يحير أصحابه، بحيث إنه يخط بالخط الفصيح في المجلس الواحد كراس من غير سآمة ولا نصب ولا التباس، ثم بعد ذلك رحل في العلم وسار) [تاريخ ابن غنام (1: 208 – 210)].
وجملةُ المصادر التاريخية والكتب التي ترجمت للشيخ تحدثت عن دراستِه على والده وأَخْذِه الفقه عنه في مطلع طلبه وبعد إيابه من رحلته.

فالشيخ عبد الوهاب يثني على ابنه محمد في معرفته بالأحكام، ويذكر استفادتَه منه في ذلك وهو صغير السن، ويراه وهو لتوه قد بلغ الاحتلام أهلًا لإمامة المصلين وذلك لمعرفته بالأحكام .. فأين هذه الحال من تلك الحال الكاسفة التي هذى بها ابنُ فيروز!
وابن فيروز لا يستحْيِي في سبيل نصرة باطله أن يُظهِرَ والدَه بمظهر الكذَّاب الأفَّاك، ولو كان حكيمًا لأجرى على لسان أبيه من الأكاذيب ما يقع به التلبيس على طالب الحق، بأن ينسب إليه مثلًا آراء مرسلةً في تقييم الإمام ودعوته، ولكن الله فضحه حين جعله يُجرِي أكاذيبَ متعلقةً بوقائعَ شهد التاريخ بنقيضِها، فأن يجعل والده بعد ذلك شاهدَ عيانٍ على تلك الأباطيل فهو محضُ عقوقٍ تَنِدُّ عنه مروءات الرجال.

وليت أن الأمر اقتصر على حدِّ فرية فرار الشيخ من كتب الأحكام واستهزائه بطلاب والده، بل زاد ابن فيروز على ذلك بسردٍ روائيٍّ ذكر فيه خبر استلهام الإمام حكاياتِ الخارجين، وإضمارَه دعوى النبوة في نفسه، وتحيُّلَه وتحيُّرَه في طريق إبرازه!
(ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون، ليومٍ عظيم، يوم يقوم الناس لربِّ العالمين)
برَّأَ الله الشيخَ عبدَ الله بنَ فيروز من هذه الأكاذيب، ووقاه من لهو هذه الألاعيب .. كيف والإمامُ محمدٌ قد التقى به بعد إيابه من رحلته، وتذاكرا، وسُرَّ به الإمام، وأثنى عليه، وكان ربما أحال بعض أهل الأحساء إلى ما في مكتبته .. أفكان الشيخ عبد الله يستضيف مُدَّعِيًا للنبوة ليذاكره حكايات الخارجين والمتنبِّئين!
وقد كان ذلك قبل ظهور دعوة الإمام، فليس له من القوة والسلطة ما قد يقول معه بعض مرضى النفوس أنه فعل ذلك مصانعةً .. ولكنه الهوى -وقانا الله- يُعمِي ويُصِم.
*
ولم يكتف محمد بن فيروز بما أجراه على لسان والده، بل زاد عليه حزمةً أخرى من الأكاذيب، فزعم أن الإمامَ يرى (أن الدين الذي أكمله الله لنبيه وأمته وأخبر ﷺ أنه باق إلى يوم القيامة قد درس وعفت آثاره من سبعمئة عام).
وقد تقدَّم البحث في ذلك.
وقال أيضًا عن الإمام:
(أخذ في إحراق ما شاء من كتب الأحكام، وعم بالبطلان أوقاف الإسلام، وأحرق الكتب المؤلفة في الصلاة على خير الأنام).
فأما إحراق كتب الأحكام وما يتصل بهذه الفرية من إبطال العمل بالكتب الفقهية فمِمَّا تكرر دفعُه وردُّه، وقد تقدم نصُّ الإمامِ الدالُّ على أن ذلك من البهتان الذي افتراه خصومه .. ومؤلفات الإمام وأتباعه مملوءة بالنقل عن كتب الفقه من مختلف المذاهب -ولا سيما مذهب الإمام أحمد-، وهم يوصون بها ويدرسونها ويفتون بما فيها، فإذا راجت دعاوى الدجالين في زمنٍ مضى، فما عذر من يلوك الأكاذيب اليومَ مع ظهورِ بطلانها؟!
وأمَّا تعميم الإمام أوقاف الإسلام بالبطلان، فهذا ذكره ابن فيروز هنا، كما تقدم نقله عنه فيما تقدم عن «الرسالة المرضية في الرد على الوهابية»، وليس له على ذلك شاهدٌ ولا برهان، بل هو محض افتراء.
وهذه الفرية مما يتردد على ألسنة الخصوم، لكنَّ معهودَ الخصوم نسبة ذلك إلى أتباع الإمام، لكن ابن فيروز لفرط تشهيه رَفَعَ سندَ إبطالِ الأوقاف إلى الإمام!
وكل ذلك من رخيص الأكاذيب .. قال الشيخ عبد اللطيف في رده على عثمان بن منصور لما نسب ذلك إلى أتباع الإمام:
(لما فرغ هذا من سب الشيخ وبهته، أخذ في سبِّ أتباعه وبهتهم، وبهذا تعلم أنه ذو غيظ عظيم، وحقد وخيم). إلى أن قال:
(وأتباع الشيخ من أعظم الناس احترامًا للأوقاف، ومن أكثر الناس تحبيسًا وتوقيفًا على المساجد والأضاحي والأقارب ووجوه البر، لكن الهوى يُعمِي ويُصِم).
وأما ما يتعلق بإحراق الإمام الكتبَ المصنفة في الصلاة على النبي ﷺ، فهذا مما يَلَذُّ للخصوم إشاعته يرومون التلبيس على الناس ببغض الإمام للنبي ﷺ وحاشاه!
قال الإمام رحمه الله:
(وأما دلائل الخيرات وما قيل عني: أني حرقتها = فله سبب، وذلك أني أشرت على من قَبِل نصيحتي من إخواني: أن لا يصير في قلبه أجل من كتاب الله، ولا يظن أن القراءة فيه أفضل من قراءة القرآن.
وأما إحراقها، والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ كان، فنسبة هذا إليَّ من الزور والبهتان) الدرر السنية (1: 80).
ولو أن الشيخ أمر بإحراقه لما فيه من العبارات الشركية والأحاديث الموضوعة لكان له في ذلك اجتهاد، ولكنَّ خصومه يوهمون أن إحراقه لأجل ما فيها من الصلاة على النبي ﷺ!
وهو القائل رحمه الله تعالى:
(مَن أنفق أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه -عليه الصلاة والسلام- الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدَّارين، وكُفِيَ همَّه وغمَّه، كما جاء الحديث عنه) الدرر السنية (1: 230).
*
لم يقتصر ابن فيروز على ما مضى من أكاذيبَ، بل ضمَّ إليها غيرها وملأ بها تقريظه المأفون، ومن مخترعاته أن الأمير عثمان بن معمر لما أراد أن يستقر الإمام عنده في بلده العيينة سأل عن طريقة ذلك، فأخبره مخبرٌ أن الإمام مُولَعٌ بعمَّة عثمان، فلو تزوج بها لثبت في البلد!
ونحن إذا طالعنا هذه الأباطيل التي يجترحها ابن فيروز بهواه، ثم نظرنا في قائمة أشياخه = نجد فيهم: ابنَ عفالق، فإن ذلك يدفع عنَّا كثيرًا من العجب، فابنُ عفالق من أكابر الجادِّين في اختلاق الأكاذيب على الإمامِ، وابن فيروز ربيبُه وخرِّيجُه، وانظر مصداق ذلك فيما تواطآ عليه من ذلك.
فأمَّا قضية استلهام حكايات مدَّعي النبوة فقد كتب ابن عفالق من قبل مخاطبًا الإمام متهكِّمًا به:
(هل أخذْتَهُ من بقايا صحف مسيلمة الكذاب عندكم في نواحي اليمامة؟).
وأما عن ادعاء النبوة فقال ابن عفالق عن الإمام:
(ادعى نزيله مسيلمة -أي: النبوة- بلسان مقاله، وابن عبد الوهاب حاله).
كما قال عنه:
(والله لقد ادعى النبوة بلسان حاله لا بلسان مقاله، بل زاد على دعوى النبوة).
وأما عن فرية جاهلية الستمئة عام -أو السبعمئة على إحدى روايات أكاذيب ابن فيروز- فقال ابن عفالق:
(أترى أن كل هؤلاء العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ضلوا وأضلوا من نحو ستمئة سنة إلى أن بعث الله متنبي العيينة داعيًا إلى دين الإسلام).
فانظر كيف تواطأت أكاذيب التلميذ مع شيخه، وكيف بلغتْ بهم الحال في مكايدة الإمام ودعوته.
******

هل توقَّف أمر التقريظ وما تضمَّنه عند هذا الحد؟
لا .. بل قد ضمَّنه ابنُ فيروز وصدَّره بقبيحةٍ يندى له جبينُ الحُر، بها يدرك الناظر حجمَ الحنق الذي اسودَّ به قلبُ ابنِ فيروز تجاه الإمام محمد بن عبد الوهاب.
وإذا بلغت بابن فيروز الحالُ حتى يفوهَ بما ستطالعه بعد قليلٍ فإنه لخليقٌ ألا يؤتَمَنَ على نقلٍ فضلًا عن أيِّ تقريرٍ وفصلٍ فيما يتعلق بخصومتِه للإمام ودعوته.
وأنا أستميح القارئ عذرًا في إيراد ما قاله، على كُرهٍ مني لذلك.
وقد كنت قرأتها في كتاب «دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب»، وأحال فيه المؤلفُ الكلامَ لمسعود الندوي والذي نقل عن ذلك التقريظ ما سترى، إلا أنه قال قبل ذلك:
(في بداية هذا التقريظ يبصر القارئ العبارة التالية، ولعله يذوب حياءً لمجرد رؤيتها، ولكنَّ نَقْلَ الكفر ليس بكفرٍ، فاضغط على قلبك واقرأ).
فذكرها، ثم قال:
(إنا لله وإنا إليه راجعون، وهل يستطيع كبار المقذعين أن ينحطُّوا إلى هذا المستوى من الإقذاع؟).
ثم إني ترددتُ في نقل هذه العبارة بوساطة مصدرٍ متأخرٍ، لا سيما مع بشاعتها، غيرَ أنِّي وقفت بعد ذلك على تقريظِ ابن فيروز مخطوطًا، فوجدت العبارةَ وسياقَها بأبشعَ مما نقله الندوي.
وتلك العبارة البذيئة هي قول ابن فيروز في مطلع تقريظه:
(… أمَّا بعد:
فإني أذكر في هذه الأوراق شيئًا من نشأةِ الطاغية المرتاب، المحيي ما اندرس من أباطيل مسيلمة الكذاب، أي المنسوب إلى المرحوم الشيخ [= عبد الوهاب]، وأرجو أنه ليس له، بل لعل الشيخ [= عبد الوهاب] غفل عند مواقعة أمِّه عن الوارد، فسبقه الشيطانُ إليها فكان أبًا لهذا المارد، إذْ هو لعدو الله إبليس أشد الخلق شبهًا له في إبراز الباطل في قالب الحق بأعظم تلبيس).
فانظر سُفُولَ قاع أخلاق القوم، وبذاءَةَ كبرائهم ومُقَدَّميهم.

[في التعليقات سأضع صورة هذه العبارة من المخطوط الذي أملاه ابنُ فيروز]******

ثُمَّ ..
فهذه ورقةٌ من تاريخِ ابن فيروز ..
ومع ما رأيتَ وما خفيَ عليك مما لم يبلُغْك = ترى المعترضَ وأشباهَه متباكين على أطلال ابن فيروز، وكيف أن الإمام كفَّره، ولا تَطرِفُ لهم عينٌ إذا رأوا تلك المخازي والأباطيل، ولا يتقوَّسُ لهم حاجبٌ إذا رأوا تكفيره لعلماء نجد، فهو في نظرهم مظلومٌ مغبون، حقيقٌ بالشفقة، بخلاف الإمام وأتباعه.
وهذا الذي تلوتُه عليك ليس كلَّ الذي جرى، بل هو بعضُ ما وقفتُ عليه مما قُيِّدَ ودُوِّنَ، والله أعلمُ بما لم يُقيَّدْ ممَّا طوتْهُ السنون ووسَّدتْهُ ترابَها.
وقد قدَّمتُ في صدر هذه الكتابة الغرضَ منها، وأعيده هنا لتثبيته، وهو أني أردت من خلالها أن يدرك القارئُ أنموذجًا لحالِ خصوم الدعوة، حتى إذا ما تهادى إلى سمعه كلامٌ للإمام أو أحد أتباعه وتضمن تكفيرًا أو تفسيقًا أو نكيرًا شديدًا فعليه ألَّا يعجل بالدَّفْع ولا يستوحشَ مما سمع، بل يطلب الحقَّ ويتحرَّاه.
والشأن في هذا ليس خاصًّا بإمام الدعوة وأتباعه، بل ذلك منهجٌ ينبغي تحرِّيه في التعامل مع كافَّة علماء الإسلام، فأمرٌ متعلِّقٌ بالكفر والتكفير في قضايًا علميَّةٍ لها معطياتُها التاريخيَّةُ الظرفيَّةُ = لَجديرٌ بألا يُتناوَلَ بطريقةٍ طفوليَّةٍ لا تعدو أن تكون تظليلًا وتلوينًا لأسطرٍ من بطون الكتب لمجرد ورود لفظ الكفر فيها!

وأحبُّ التوكيد هنا على قضيةٍ مهمة:
وهي أنه لا ينبغي أن يُفهَمَ مما مضى أن تكفيرَ الإمام لابن فيروز كان من أجل عداوته فقط، فما أكثرَ خصومَ الإمام الذين حاربوا دعوته وصنفوا في الرد عليها في حياته، ومع ذلك لم يكفرهم، وإذًا فلم أُرِدْ بهذه الكتابة تقرير تلك النتيجة، بل كان تكفيرُ الإمام له مبنيًّا على اعتباراتٍ علميةٍ رآها متحقِّقَةً فيه، وقد سبق ذكرُ بعضِ ذلك وما ذكره الإمام من المصنَّف الذي بعث به ابنُ فيروز إليه .. وإنما غرضي من هذه الكتابة بيان حال ابن فيروز ليستدلَّ بذلك القارئ على عمقِ مناقضته وتجذُّرِ مناكدته للدعوةِ التي قام بها الإمام، القائمةِ على ترسيخ التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى، وإلا فلو لم تكن تلك المناقضة والمناكدة واقعةً منه لَمَا رأيتَ منه هذه الكوائنَ التي تفْسِرُ عن حقدٍ دفينٍ ورغبةٍ أكيدةٍ في استئصال الإمام وأتباعه وإخماد دعوتهم حتى أفتى بتكفيرهم واستباحة دمائهم.

وختامًا ..
فهذه ورقةٌ كنت أحبُّ طيَّها، ويعلم الله كم ترددتُ في رَقْمِها ثم نشرِها، ولكنَّ الشأنَ كما قال إمامنا: (اسكتوا نسكتْ).
فلو سالَمَنا المعترضون على الدعوةِ وإمامِها وأنصفوا .. وإلَّا فلا هوادةَ إن هم ظلموا وأسرفوا، بل ندفعُ قدَرَ اعتراضهم بقَدَرِ جوابهم، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

27/ 11/ 1439هـ

المنشورات السابقة:
(١) أن تكون حنبليًّا
https://www.facebook.com/meshari.alshathri.3/posts/230270454279826

(٢) ثرثرةٌ في ثياب فضفضة
https://www.facebook.com/meshari.alshathri.3/posts/231109397529265

(٣) من مسالك «الحنابلة الجدد» في الغضِّ من أئمة الدين [١] ‏https://www.facebook.com/meshari.alshathri.3/posts/233194043987467

(٤)أئمة الدعوة النجدية وفرية إبطالهم العملَ بالكتب الفقهية
https://www.facebook.com/meshari.alshathri.3/posts/234885087151696

(٥) قل كلمتك وامشِ .. وقصَّة المقلاع والمتيه!
https://www.facebook.com/meshari.alshathri.3/posts/235723830401155

(٦) على ضفاف أحدوثة «المقلاع» .. ورقةٌ من تاريخٍ سيُكتَب
https://www.facebook.com/meshari.alshathri.3/posts/236602636979941

(٧) كشفُ عورات الحنابلة الجدد .. والعوراتُ الثلاث!
https://www.facebook.com/meshari.alshathri.3/posts/239977756642429

(٨) ثقةٌ على غرر!
https://www.facebook.com/meshari.alshathr…/…/242549683051903

(٩) من مسالك «الحنابلة الجدد» في الغضِّ من أئمة الدين [٢] ‏https://www.facebook.com/meshari.alshathri.3/posts/244480246192180

(١٠) ماذا فعلتُم بنا يا آلَ فيروز؟!
https://www.facebook.com/100018906196159/posts/245982816041923

(11) التَّذْفِيف على ما بَقِيَ من جِرَاح المعترض الظريف!
https://www.facebook.com/meshari.alshathri.3/posts/246302959343242

(المصدر: صفحة الشيخ مشاري الشثري على الفيس بوك)
(Visited 20 times, 1 visits today)