أهم سمات المذهب الأشعري – الصفات الفعلية وحلول الحوادث

أهم سمات المذهب الأشعري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله الطاهرين وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين…. وبعد:
          إن من أهم سمات المذهب الأشعري إجماع متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم على مسألة الصفات الفعلية والتي يسميها الأشاعرة مسألة حلول الحوادث، وذلك بخلاف الصفات الخبرية فإن الخلاف قائم بين المتقدمين والمتأخرين.
          تعتقد الأشاعرة بأن أفعال الله عبارة عن تعليقات القدرة بالمقدورات، دون قيام فعل بذاته تعالى.
          فأثبتوا للقدرة تعليقين:
          الأول: تعلق صلوحي قديم؛ وهو صلاحيتها في الأزل لإيجاد كل ممكن فيما لا يزال أي حين وجوده.
          الثاني: تعلق تنجيزي حادث؛ وهو إبرازها بالفعل للممكنات التي أراد الله وجودها؟ 
             تعلقها في الأزل أعم؛ لأنها صالحة في الأزل لإيجاد ممكن على أي صفة كانت، بخلاف تعلقها التنجيزي فإنه تعلقها بالممكن الذي أراد الله وجوده على أي صفة كانت.
[انظر: حاشية الدسوقي على شرح أم البراهين (ص98)، وحاشية إبراهيم البيجوري على متن السنوسية (ص19).]
          قد قابلت الماتريدية هذا الرأي وقالت برجوع جميع صفات الأفعال إلى صفة التكوين القديمة عندهم، ومغايرة لصفة القدرة، وهذا ما ذهب إليه الغزالي.
[انظر: تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي (1/339)]
          ووجه الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية، إن الأشاعرة تعتقد بحدوث صفات الفعل ـ مع إنكارهم بحلول الحوادث بذات الله ـ، أما الماتريدية فإنها تعتقد بقدم جميع الصفات.
          فزعمت الأشاعرة بأن الاعتقاد قدم الصفات يفضي إلى القول بتسلسل الحوادث وهو ممنوع، ولم تلتزم الماتريدية بهذا الإلزام فرأت بأن القول بقدم الصفات لا يؤدي إلى القول بتسلسل الحوادث لأن التكوين غير المكون.
          في حين تعتقد أهل السنة والجماعة من أتباع السلف الصالح بأن تسلسل الحوادث ممكن في الماضي والمستقبل؛ فإن الله لم يزل حياً، والفعل من لوازم الحياة، فلم يزل فاعلاً لما يريد، والفعل غير المفعول، وصفات الفعل قائمة بالله متعلقة بمشيئته، والمفعول منفصل عن الله تعالى.
          وأصل هذا الخلاف ومنشأة: الفعل هل هو المفعول أو غيره؟ وهذه المسألة مرتبطة بمسألة حلول الحوادث.
          فالذين ينفون حلول الحوادث زعموا بأن الفعل هو المفعول؛ ومعنى ذلك: أن الفعل لا يقوم بالله تعالى، فعل سبيل المثال: يفسرون أفعاله المتعدية كقوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} أن ذلك وجد بقدرته من غير أن يكون منه فعل قام بذاته، فحاله قبل أن يخلق وبعد ما خلق سواء، لم يتجدد عندهم إلا إضافة نسبة وهي أمر عدمي لا وجودي، كما يقولون في كلامه واستواءه. وهذا قول الأشاعرة.
[انظر: مجموع الفتاوى (5/378)وما بعدها]
          والمقدمة التي بنت عليها الأشاعرة مذهبهم أنه لو كان الفعل غير المفعول: لكان إما قديماً أو حادثاً: فإن كان قديماً لزم قدم المفعول، وهو محال، وإن كان حادثاً لزم أن تقوم به الحوادث، وثم ذلك الحادث يفتقر إلى حادث آخر ويلزم التسلسل وهذا باطل.
          قلنا: لو سلمنا جدلاً بأن الفعل يفتقر إلى فعل قبله، فذاك غير ممتنع، وليس هذا تسلسلاً في الفاعلين والعلل الفاعلة، بل هو تسلسل في الآثار، وهو حصول الشيء بعد شيء، ودليله قوله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} فكلمات الله لا نهاية لها، وهذا تسلسل جائز كالتسلسل في المستقبل؛ لأن نعيم الجنة لا ينفذ، فإذا كان هذا التسلسل جائز في المستقبل فما الذي يمنع أن يكون في الماضي.
[للمزيد انظر: مجموع الفتاوى (6/231-232)، ومنهاج السنة (2/306-307)]
          فإن مذهب الأشاعرة في الأفعال التي هي المفعولات المنفصلة باطل، وقد فتحت على نفسها باباً تسلط من خلاله الفلاسفة القائلين بقدم العالم، فقالت لهم: إن الفعل لو كان صفة كمال لزم عدم الكمال في الأزل، وإن كان صفة نقص لزم اتصافه بالنقائص. فلم تجد الأشاعرة من هذا الإلزام مفراً إلا أن تقر بأنه ليس صفة نقص ولا كمال.
[انظر: مجموع الفتاوى (6/241)]
          وكما تسلط المعتزلة على الأشاعرة وضعضعوا حجتهم، وألزمت الأشاعرة أن يجعلوا الله موصوفاً بمفعولاته القائمة بغيره، حتى قالوا: من فعل الظلم فهو ظالم، ونحو ذلك، فعجزت الأشاعرة عن مناظرتهم في هذا المقام، في مسألة القرآن ومسائل القدر بكونهم سلموا لهم بأن الرب لا تقوم به صفة فعليه، فلا يقوم به، لزمهم أن يقولوا: هو موصوف بمفعولاته، فلا يجب أن يكون القرآن قائماً به، ويكون مسمى بأسماء القبائح التي خلقها.
[انظر: التسعينية (2/487)وما بعدها]
          وهذا باطل بل أن الموصوف بهذه الأسماء من قامت به هذه الأفعال لا من جعلها فعلاً لغيره أو قائمة بغيره.
          وليتدبر السالك لطريق أهل السنة والجماعة من أتباع السلف الصالح ما وقعت فيه الأشاعرة في أصولهم من اضطراب، وليحمد الله على الهداية، وليقل: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا للإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.
          وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
بقلم : أبو إبراهيم أحمد الرئيسي البلوشي الحنفي
(Visited 52 times, 1 visits today)