ابن الجوزي يحكي فتنة الأشاعرة التي عملها ابن القشيري

وفي شوال: وقعت الفتنة بين الحنابلة والأشعرية، وكان السبب أنه ورد إلى بغداد أبو نصر ابن القشيري، وجلس في النظامية، وأخذ يذم الحنابلة وينسبهم إلى التجسيم، وكان المتعصب له أبو سعد الصوفي، ومال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي إلى نصرة القشيري، وكتب إلى النظام يشكو الحنابلة ويسأله المعونة، ويسأل الشريف أبا جعفر، وكان مقيما بالرصافة، فبلغه أن القشيري على نية الصلاة في جامع الرصافة يوم الجمعة، فمضى إلى باب المراتب فأقام أياما، ثم مضى إلى المسجد المعروف اليوم بابن شافع وهو المقابل لباب النوبي، فأقام فيه وكان يبذل لليهود مالا ليسلموا على يد ابن القشيري ليقوي الغوغاء، فكان العوام يقولون: هذا إسلام الرشى، لا إسلام التقى.
فأسلم يوما يهودي، وحمل على دابة، واتفقوا على الهجوم على الشريف أبي جعفر في مسجده والإيقاع به، فرتب الشريف جماعة أعدهم لرد خصومة إن وقعت فلما وصل أولئك إلى باب المسجد رماهم هؤلاء بالآجر، فوقعت الفتنة ووصل الآجر إلى حاجب الباب، وقتل من أولئك خياط من سوق الثلاثاء، وصاح أصحابها على باب النوبي المستنصر باللَّه: يا منصور، تهمة للديوان بمعرفة الحنابلة، وتشنيعا عليه، وغضب أبو إسحاق الشيرازي، ومضى إلى باب الطاق، وأخذ في إعداد أهبة السفر، فأنفذ إليه الخليفة من رده عن رأيه، فبعث الفقهاء أبا بكر الشاشي وغيره من النظام يشرح له الحال، فجاء كتاب النظام إلى الوزير فخر الدولة بالامتعاض مما جرى، والغضب 91/ ألتسلط الحنابلة على الطائفة الأخرى، وإني/ أرى حسم القول في ما يتعلق بالمدرسة التي بنيتها في أشياء من هذا الجنس.
وحكى الشيخ أبو المعالي صالح بن شافع عن شيخه أبي الفتح الحلواني وغيره ممن شاهد الحال: أن الخليفة لما خاف من تشنيع الشافعية عليه عند النظام أمر الوزير أن يجيل الفكر فيما تنحسم به الفتنة، فاستدعى الشريف أبا جعفر، وكان فيمن نفذه إليه ابن جردة فتلطف به ابن جردة حتى حضر في الليل، وحضر أبو إسحاق، وأبو سعد الصوفي، وأبو نصر ابن القشيري، فلما حضر الشريف عظمه الوزير ورفعه، وقال: إن أمير المؤمنين ساءه ما جرى من اختلاف المسلمين في عقائدهم وهؤلاء يصالحونك على ما تريد.
وأمرهم بالدنو من الشريف، فقام إليه أبو إسحاق، وقد كان يتردد في أيام المناظرة إلى مسجده بدرب المطبخ، فقال له: أنا ذاك الذي تعرف، وهذه كتبي في أصول الفقه، أقول فيها خلافا للأشعرية، ثم قبل رأسه فقال الشريف: قد كان ما تقول، إلا أنك لما كنت فقيرا لم يظهر لنا ما في نفسك فلما جاءك الأعوان والسلطان وخواجا بزرك أبديت ما كان مخفيا.
ثم قام أبو سعد الصوفي فقبل يد الشريف وتلطف [به فالتفت] الشريف مغضبا وقال: أيها الشيخ، أما الفقهاء فإذا تكلموا في مسائل الأصول فلهم فيها مدخل، فأما أنت فصاحب لهو سماع وبغته، فمن زاحمك على ذلك وعلى ما نلته من قبول عند أمثالك حتى داخلت المتكلمين والفقهاء، فأقمت سوق التعصب.
ثم قام القشيري وكان أقلهم للشريف أبي جعفر لجروانه معه، فقال الشريف: من هذا؟ فقيل: أبو نصر القشيري. فقال: لو جاز أن يشكر أحد على بدعته لكان هذا الشاب، لأنه بادهنا بما في نفسه، ولم ينافقنا كما فعل هذان، ثم التفت إلى الوزير وقال: أي صلح بيننا، إنما يكون الصلح بين مختصمين على ولاية أو دنيا، أو قسمة ميراث، أو تنازع في ملك، فأما هؤلاء القوم فهم يزعمون أننا كفار، ونحن نزعم أن من لا يعتقد ما نعتقده كافر، فأي صلح بيننا وهذا الإمام مفزع المسلمين، وقد كان جده القائم والفادر أخرجا اعتقادهما للناس، وقرئ عليهم في دواوينهم، وحمله عنهما الخراسانيون والحجيج إلى أطراف الأرض، ونحن على اعتقادهما.
وأنهى الوزير ما جرى، فخرج في الجواب: عرفنا ما أنهيته في حضور ابن العم ، كثر الله في الأولياء مثله، وحضور من حضر من أهل العلم، والحمد للَّه الذي جمع الكلمة، وضم الألفة، فليؤذن الجماعة في الانصراف، وليقل لابن أبي موسى أنه قد أفرد له موضع قريب من الخدمة ليراجع في كثير من الأمور الدينية، وليتبرك بمكانه.
فلما سمع الشريف هذا قَالَ: فعلتموها، فحمل إلى موضع أفرد له وكان الناس يدخلون عليه مديدة ثم قيل له: قد كثر استطراق الناس دار الخلافة فاقتصر على من يعين دخوله. فقال: ما لي غرض في دخول أحد علي. فامتنع الناس، ثم مرض الشريف مرضا أثر في رجليه فانتفختا، فيقال: إن بعض المتفقهة من الأعداء نزل له في مداسه ب سما، والله أعلم.

(Visited 2 times, 1 visits today)