هل حقًا تأول أحمد بن حنبل قول الله تعالى {وجاء ربك} ؟

نص الشبهة

قال أبو يعلى الفراء (ت 458هـ): “وقد قال أحمد في رواية حنبل في قوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22]، قال: قدرته” [إبطال التأويلات (ص: 132)، ونقلها عنه ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه (ص: 141)].

ونقل ابن كثير (ت 774هـ) عن البيهقي (ت458 هـ)، عن الحاكم، عن أبي عمرو بن السَّمَّاك، عن حنبل، أن أحمد بن حنبل تأوَّل قول الله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} أنه: جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: “وهذا إسناد لا غبار عليه”[البداية والنهاية (14/ 386)، وينظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (2/ 132).]

الرد

أولًا: هذه الرواية لم تثبت

1- نقل ابن كثير عن البيهقي لم نجده في كتب البيهقي، وابن كثير لم يذكر الواسطة بينه وبين البيهقي، فبينهما ثلاثمئة سنة.

2- أبو يعلى نسب الكلام إلى حنبل بن إسخاق (ت 273 هـ )، ولم يذكر الواسطة بينهما، وبينهما قرابة المئتي سنة، ولم يذكر من الذي نقل هذا الكلام خلالها.

ولو ثبتت فهي محل نظر فقد انفرد بها حنبل، ولم ينقلها كبار النقلة عن أحمد، كابنه عبد الله، وابن هانئ، والخلال، وحرب الكرماني.

  • يقول أبو بكر الخلال: “قد جاء حنبل عن أحمد بمسائل أجاد فيها الرواية، وأغرب بغير شيء [طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/ 143)].
  • ويقول الحافظ الذهبي: “له مسائل كثيرة عن أحمد، ويتفرد، ويغرب“[سير أعلام النبلاء (13/ 52)]

 

كما أنها مخالفة للمنقول الصحيح المشهور عن أحمد

  • قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: “{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 210]، {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}: فمن قال: إن الله لا يُرى فقد كفر” [إبطال التأويلات (ص: 132)] . قال أبو يعلى الفراء: “وظاهر هذا أن أحمد أثبت مجيء ذاته؛ لأنه احتج بذلك على جواز رؤيته، وإنما يحتج بذلك على جواز رؤيته إذا كان الإتيان والمجيء مضافًا إلى الذات” [إبطال التأويلات (ص: 132)].
  • وقال أبو بكر المرُّوذِي: سمعت أبا عبد اللَّه وقيل له: روى علي بن الحسن بن شقيق، عن ابن المبارك أنه قيل له: كيف نعرف اللَّه؟ قال: على العرش بحدٍّ، فقال: بلغني ذلك عنه وأعجبه، ثم قال أبو عبد اللَّه: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ}، ثم قال: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}”[الإبانة الكبرى لابن بطة (7/ 158- 159)] .

 

ثانيًا: لو ثبتت

فهذه الرواية كما قالوا جاءت في معرض الرد والمناظرة للمعتزلة يوم المحنة، وقد يقول المناظِر -في أثناء مناظرته- كلامًا لا يعتقده؛ إلزامًا للخصم، لما احتجوا عليه بقوله: ((تجيء البقرة وآل عمران))، قالوا: والمجيء لا يكون إلا لمخلوق، فعارضهم أحمد بقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ}، {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [الأنعام: 158]، وقال: المراد بقوله: ((تجيء البقرة وآل عمران)): ثوابهما، كما في قوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ}: أمره وقدرته”  على تأويلهم لا أنه يقول بذلك؛ فإن مذهبه ترك التأويل” [مجموع الفتاوى (16/ 404- 405)].

فلو قلنا للأشعري: “قال تعالى {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} فإن معناها أننا يجب أن نعبد رحمة الله أو ثواب الله” من باب الإلزام لهم أن لو كان {وَجَاءَ رَبُّكَ} معناها جاء ثواب ربك، ف{وَاعْبُدْ رَبَّكَ} أي واعبد ثواب ربك. فهل يقول عاقل أن هذا الإلزام هو مذهب لقائله؟! لا

فكذلك إذا ثبتت هذه الرواية عن أحمد

(Visited 26 times, 2 visits today)