اختلاف الأشاعرة في طريقة الاستدلال بحدوث الأجسام

اختلاف الأشاعرة في طريقة الاستدلال بحدوث الأجسام
وقع بين الجويني والرازي وغيرهما اختلاف ظاهر في دليل حدوث الأجسام ..
وأصل هذا الدليل ما ابتدعته الجهمية والمعتزلة وأسموه دليل حدوث الأجسام ، تم تبعهم على ذلك الكلابية والأشعرية والماتريدية وغيرهم ، بل بالغوا في الأمر وغلوا فيه حتى قالوا إن من لا يعتقد حدوث الأجسام لا أصل لاعتقاده في الصانع .
ودليل حدوث الأجسام هو المسمى بدليل الأعراض ، أو دليل حدوث العالم ، أو دليل حدوث الأجسام والأعراض ، وكلها أسماء لمعنى واحد هو الدليل على وجود الله عند الأشعرية ..
وقد عقد الجويني في كتابه الشامل فصلاً حول تبني المعتزلة لحدوث الأجسام وبيّن فيه عجزهم عن نصب الأدلة على استحالة كون القديم جسماً . [ الشامل للجويني ص218 ط الكتب العلمية ]
والرازي بين فساد هذا الدليل في كتابيه : المباحث الشرقية والمطالب العالية .
والآمدي ضعف استدلالات الرازي ووافقه على كثير منها الأرموي وقدح الغزالي فيها وكتب الأثير الأبهري كتابه المعروف ” تحرير الدلائل بتقرير المسائل ” وبين فساد أدلة الأشاعرة في مسألة حدوث العالم وأن الأعراض لا تبقى زمانيين الخ … “
فهل بعد هذا من تناقض بين هذه الفئة السبعية ؟ وهو الدليل عندهم على وجود الله ؟
ورحم الله شيخ الإسلام عندما قال مقررا عقيدتهم في هذا الدليل :
وأصل كلامهم أنهم قالوا لا يعرف صدق الرسول حتى يعرف إثبات الصانع، ولا يعرف إثبات الصانع حتى يعرف حدوث العالم ، ولا يعلم حدوث العالم إلا بما به يعلم حدوث الأجسام .
انظر : شرح الأصبهانية 2/ 631 ، الدرء 5/286 ، 7/71 ، ومنهاج السنة 2/268 ، 5/94 ، وشرح حديث النزول من مجموع الفتاوى 5/540 .
وقد سبق لنا نقل كلام من سفه أصحاب هذا القول من فتح الباري لابن حجر ..

قضية اثبات الحال ورد الباقلاني على شيخه الأشعري فيها
قال الشهرستاني في نهاية الإقدام في علم الكلام (1/44) :
اعلم أن المتكلمين قد اختلفوا في الأحوال نفياً وإثباتاً بعد أن أحدث أبو هاشم بن الجبائي رأيه فيها وما كانت المسألة مذكورة قبله أصلاً فأثبتها أبو هاشم ونفاها أبوه الجبائي وأثبتها القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله بعد ترديد الرأي فيها على قاعدة غير ما ذهب إليه ونفاها صاحب مذهبه الشيخ أبو الحسن الأشعري وأصحابه رضي الله عنهم وكان إمام الحرمين من المثبتين في الأول والنافين في الآخر والأحرى بنا أن نبين أولاً ما الحال التي توارد عليها النفي والإثبات وما مذهب المثبتين فيها وما مذهب النافين ثم نتكلم في أدلة الفريقين ونشير إلى مصدر القولين وصوابهما من وجه وخطأيهما من وجه.
أما بيان الحال وما هو أعلم أنه ليس للحال حد حقيقي يذكر حتى نعرفها بحدها وحقيقتها على وجه يشمل جميع الأحوال فإنه يودي إلى إثبات الحال للحال بل لها ضابط وحاصر بالقسمة وهي تنقسم إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل وما يعلل فهي أحكام لمعان قائمة بذوات وما لا يعلل فهو صفات ليس أحكاماً للمعاني. اهـ
فخلاصة كلامه أن الباقلاني أثبت الحال مع أن شيخه الأشعري وأصحابه نفوها ثم كان إمام الحرمين الجويني مثبت للحال أولا ونفى آخرا ..
وإن أردت أن تعرف ما هو الحال ؟ فلن تجد عندهم تعريف معقول عندهم وإذا رمت التعرف عليه فارجع إلى كلام الجويني في الشامل [ من ص 371 – 435 ] فستجد تخبيط وخربطة فلسفية كلامية ليس لها أي فائدة مع خطورة هذا الأمر عندهم ..
وانظر تخبطهم الكبير من كلام الشهرستاني في الملل والنحل [ 1/77] عند كلامه على الجبائية ثم في [ 1/93] عند كلامه على الأشعرية .

الغزالي ينقض رأي الاشعرية في السمعيات
الغزالي ينقض قول الاشعرية في قبول السمعياتفيؤول الميزان والموت بأنهما أعراض .
وهذا من الأمثلة على توافق الغزالي مع المعتزلة في التأويلات وتصريحه
قال الغزالي في قانون التأويل [ص21-22 ] :
والوصية الثانية : أن لا يكذب برهان العقل أصلاً ، فإن العقل لا يكذب ، ولو كذب العقل فلعله كذب في إثبات الشرع ، إذ به عرفنا الشرع ، فكيف يعرف صدق الشاهد بتزكية المزكي الكاذب ؟ والشرع شاهد بالتفاصيل ، والعقل مزكي الشرع .
وإذا لم يكن بدٌّ من تصديق العقل لم يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ، ونفي الصورة .
وإذا قيل لك : إن الأعمال توزن ، علمتَ أن الأعمال عرض لا يوزن ، فلا بد من تأويل .
وإذا سمعت : ( أن الموت يؤتى به في صورة كبش أملح فيذبح ) علمت أنه مؤول ، إذ الموت عرض لا يؤتى به ، إذ الاتيان انتقالٌ ، ولا يجوز على العرض ، ولا يكون له صورة كصورة كبش أملح ، إذ الأعراض لا تنقلب أجساماً ، ولا يذبح الموت ، إذ الذبح فصل الرقبة عن البدن ، والموت ما له رقبة ولا بدن ، فإنه عرض أو عدم عرض عند من يرى أنه عدم الحياة ، فإذن لا بد من التأويل . اهـ

إذا هو نادى بضرورة تأويل الميزان لأنه عرض والأعراض لا توزن ، وبضرورة تأويل خبر الإتيان بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح بدعوى أن الموت عرض والعرض لا يؤتى به ولا ينقلب جسماً .
وقد وافق بذلك المعتزلة الذين أولوا الميزان بناء على مذهبهم أن الميزان عرض وأن الأعراض لا توزن .
وقد نقل ابن حجر في الفتح كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار اعتراض أبو بكر بن العربي والمازري والقرطبي .. مع أن مذهب الأشعرية تقديم النقل على العقل في باب السمعيات وهو أمور الآخرة ..
فلماذا هذا التناقض ؟ فالقوم ما تركوا باب التأويل حتى في أمور الآخرة التي ادعوا التسليم للنصوص فيها بلا تأويل .

القول بالمجاز ورده
الأشعري يرد على المتأخرين في موضوع المجاز
ذكر الإمام السيوطي في كتابه المزهر (1/24) قوله : إذا قلنا بقول الأشعري إن اللغات توقيفيَّة ففي الطريق إلى علمها مذاهب حكاها ابنُ الحاجب وغيره : أحدُها بالوَحْي إلى بعض الأنبياء والثاني بخَلق الأصوات في بعض الأجسام والثالث بعلمٍ ضروري خلَقه في بعضهم حَصَل به إفادةُ اللَّفظ للمعنى . اهـ
إذا : فموقف الإمام الأشعري من اللغة أنها توقيفية ، وأن أصل صحة الاستعمال السماع ، وذلك خلافاً للمعتزلة الذين قالوا إنها اصطلاحية حتى جعلوا أكثرها مجازاً لا حقيقة !!
والمعتزلة ويمثلهم القاضي عبد الجبار والجاحظ والزمخشري وأضرابهم ، قالوا بهذا المجاز ونافحوا عنه ، وحملهم هذا على التوسع في تأويل النصوص ، بذريعة القول بالمجاز ..
فاتبع الأشعرية المتأخرين أصحابهم من المعتزلة وقالوا بقولهم بالمجاز حتى أصبح معولاً يهدمون به النصوص من الكتاب والسنة ..
والغريب أنهم يصفون أنفسهم بمحاربة المعتزلة وهم يسيرون وراءهم حذو القذة بالقذة .
والأدهى من ذلك أنهكم منسوبون للإمام الأشعري ويخالفونه جهارا !!
وحبذا لو قرأ طالب العلم كلام ابن القيم على طاغوت المجاز في تحفته الرائعة القالتة للمبتدعة الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة .
وقال الألوسي في تفسير سورة الفاتحة (1/27) :
ولو أوجب كون الرحمة فينا رقة القلب ارتكاب المجاز في الرحمة الثابتة له تعالى لاستحالة اتصافه بما نتصف به فليوجب كون الحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر ما نعلمه منها فينا ارتكاب المجاز أيضاً فيها إذا أثبتت لله تعالى وما سمعنا أحداً قال بذلك وما ندري ما الفرق بين هذه وتلك وكلها بمعانيها القائمة فينا يستحيل وصف الله تعالى بها فأما أن يقال بارتكاب المجاز فيها كلها إذا نسبت إليه عز شأنه أو بتركه كذلك وإثباتها له حقيقة بالمعنى اللائق بشأنه تعالى شأنه . والجهل بحقيقة تلك الحقيقة كالجهل بحقيقة ذاته مما لا يعود منه نقص إليه سبحانه بل ذلك من عزة كماله وكمال عزته والعجز عن درك الإدراك إدراك فالقول بالمجاز في بعض والحقيقة في آخر لا أراه في الحقيقة إلا تحكماً بحتاً . اهـ

الجويني وخبر الآحاد
خبر الآحاد مقبول في العقائد وفي غيرها ؛ لأن العبرة فيه بالصحة ، فإذا صح وعلمت صحته حصلت الثقة به ، وقد ذهب بعض المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم إلى أن أخبار الآحاد إنما يعمل بها في الجانب العملي لا في العقدي ، وهذا القول لا حجة عليه ، فإذا اتفقوا على صحتها وأنها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمكن الطعن فيها لا من ناحية الدلالة ولا من ناحية الإسناد.
والجويني مضطرب في هذا الباب ، ففي الورقات (ص25) قال :
والخبر ينقسم إلى قسمين آحاد ومتواتر ، فالمتواتر ما يوجب العلم … والآحاد هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم . اهـ
وقال في البرهان في أصول الفقه (1/388) : أطلق الفقهاء القول بأن خر الواحد لا يوجب العلم ويوجب العمل وهذا تساهل منهم والمقطوع به أنه لا يوجب العلم ولا العمل فإنه لو ثبت وجوب العمل مقطوعا به لثبت العلم بوجوب العمل وهذا يؤدي إلى إفضائه إلى نوع من العلم وذلك بعيد .اهـ
وهذا رد صريح منه لخبر الآحاد وأنه لا يفيد علما ولا عملا بخلاف قوله في الورقات ..
ومرة يرجح الوقف فيقول (1/388) :
ثم افترق نفاة العمل بخبر الواحد فذهب بعضهم إلى أن العقل يحيل التعبد بالعمل به وذهب الأكثرون إلى أنه لا يستحيل ورود الشرع به وهو من تجويزات العقل ثم افترق هؤلاء من وجه اخر فذهب ذاهبون إلى أن في الشرع ما يمنع التعلق به وقال اخرون لم تقم دلالة قاطعة على العمل به فتعين الوقف . اهـ
ثم يأتي لاإثبات حجيته والإجماع عليه فقال أبو المعالي الجويني في البرهان (1/388-389) :
والمختار عندنا مسلكان أحدهما يستند إلى أمر متواتر لا يتمارى فيه إلا جاحد ولا يدرؤه إلا معاند وذلك أنا نعلم باضطرار من عقولنا أن الرسول عليه السلام كان يرسل الرسل ويحملهم تبليغ الأحكام وتفاصيل الحلال والحرام وربما كان يصحبهم الكتب وكان نقلهم أوامر رسول الله عليه السلام على سبيل الآحاد ولم تكن العصمة لازمة لهم فكان خبرهم في مظنة الظنون وجرى هذا مقطوعا به متواترا لا اندفاع له إلا بدفع التواتر ولا يدفع المتواتر إلا مباهت فهذا أحد المسلكين .
والمسلك الثاني مستند إلى إجماع الصحابة وإجماعهم على العمل بأخبار الاحاد منقول متواترا فإنا لا نستريب أنهم في الوقائع كانوا يبغون الأحكام من كتاب الله تعالى فإن لم يجدوا للمطلوب ذكرا مالوا إلى البحث عن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم … اهـ
وبعد اعترافه بهذا يعود متخبطا سابا أهل السنة بالحشوية فقال (1/392) :
ذهبت الحشوية من الحنابلة وكتبة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم وهذا خزى لا يخفى مدركه على ذي لب . اهـ
فأي تخبط هذا ؟
قال أبو المظفر السمعاني الشافعي في رسالته الإنتصار لأصحاب الحديث (1/34):
إن الخبر إذا صح عن رسول الله ورواه الثقات والأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم ، هذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة ، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال ولابد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأخبار وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول .
ولو أنصفت الفرق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد .
ترى أصحاب القدر يستدلون بقول النبي كل مولود يولد على الفطرة وبقوله خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم .
وترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله من قال لا إله إلا الله دخل الجنة قالوا وإن زنى وإن سرق قال نعم وإن زنى وإن سرق . اهـ
فماذا ننتظر بعد ذلك إلا تسفيه الصحابة وتكذيبهم فيما نقلوه عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ؟
قال إمامهم الرازي في أساس التقديس [ص216 ] : إن أجلّ طبقات الرواة قدراً وهم الصحابة . ثم إنا نعلم أن رواياتهم لا تفيد القطع واليقين.
ولو أنصف الأشاعرة لاتبعوا إمامهم الشافعي الذي أكد : أن أهل السنة قد تلقوا خبر الواحد العدل بالقبول ، كما في الرسالة [ ص 453-457 تحقيق أحمد شاكر ].
وقد ناظر الشافعي إبراهيم بن إسماعيل بن عليَّة أحد كبار الجهمية في حجية خبر الآحاد وهزمه شر هزيمة ..
فيظهر تناقض الأشعرية من اتباعهم للمعتزلة الذين قالوا : إن أخبار الآحاد لا يجوز قبولها في توحيد الله وعدله ، ثم تأتي الأشعرية بتعديل متناقض حيث حرّموا الأخذ بخبر الواحد في العقائد وأحلّوه في الأحكام ومسائل الحلال والحرام .
قال عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق [ص 164] :
وكان الخياطي [ وهو أبو الحسين الخياط ] منكر الحجة في أخبار الآحاد ، وما أراد بإنكاره إلا إنكار أكثر أحكام الشريعة فإن أكثر فروض الفقه مبنية على أخبار من أخبار الآحاد .
والأغرب : أنهم أخذوا عقيدتهم في اليوم الآخر وهو غيب من السمعيات وكلها في هذا الباب أحاديث آحاد أو أغلبها .. فأي تناقض بعد هذا ؟

ابن عساكر والسبكي يثبتان معتقد الاشعري من الابانة جملة
من راجع كتاب الحافظ ابن عساكر تبيين كذب المفتري يراه قد نقل جملة صالحة عن مذهب إمامه أبي الحسن الأشعري من كتاب الإبانة .
ومن طالع كتاب طبقات الشافعية للسبكي تراه ينقل صحة نسبة كتاب الإبانة للأشعري وينقل منه أهم فقرة وهي قوله في طبقات الشافعية الكبرى (4/127) :
وأطالوا ألسنتهم في سب الشيخ أبي الحسن الأشعري وهو كبيرهم أهل السنة بعده وعقيدته وعقيدة الإمام أحمد رحمه الله واحدة لا شك في ذلك ولا ارتياب وبه صرح الأشعري في تصانيفه وكرر غير ما مرة أن عقيدتي هي عقيدة الإمام المبجل أحمد بن حنبل هذه عبارة الشيخ أبي الحسن في غير موضع من كلامه . اهـ
فإن صح عندهم ما في الإبانة فليقولوا بها ويثبتوا الصفات كما أثبتها إمامهم مختارا مذهب السلف .
قضية حلول الحوادث في الله
موضوع قيام الحوادث بالله موضوع شائك وله وجه صحيح شرعا ..
فقد نص البخاري في باب قول الله تعالى { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } وقوله { لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } بأن حدَثه سبحانه لا يشبه حدَث المخلوقين لقوله تعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل يُحدث من أمره ما يشاء . الحديث .
فالمتكلم إذا تكلم بعد سكوت لا يقال إنه حدَث له كلام ولكن يقال للأبكم إنه حدث له الكلام بعد أن لم يكن الكلام صفة له .
فمن شبه هذا الحدث مثل حدث المخلوقات فهذا يُنزّه الله عنه لأنه تشبيه وأبعد خلق الله عنه هم أهل السنة .
ومسألة قيام الحدث فى الله محل خلاف بين الأشعرية والماتريدية قبل أن تكون خلافاً مع ابن تيمية .
وقد اعترف ابن حجر المكي الهيتمي في فتح المبين شرح الأربعين (78 ) فقال : صفات الأفعال حادثة عند الأشاعرة قديمة عند الماتريدية .
وصرح ابن حجر في فتح الباري (13/439) بهذا الخلاف بين الفرقتين .
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري ايضا [13/455] اعتراف الفخر الرازي في المطالب العالية بأن قول من قال : إنه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال نقلاً وعقلاً .
وصرّح الرازي بنفسه في الأربعين في أصول الدين [ص118] بأن مذهب ابو البركات البغدادي إثبات إرادات محدثة وعلوم محدثة في ذات الباري.. وأن هذا المذهب قال به أكثر فرق العقلاء وإن كانوا ينكرونه باللسان . اهـ
وذكر شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل [4/27] أن الآمدي ذكر أن المحتجين بنفي الحوادث احتجوا بحجج ضعيفة .
وإن كان ابن تيمية كافراً لقوله بقيام الحدث في صفات الله فليكن أبو الحسن الأشعري والبيهقي والبخاري والحافظ ابن عساكر والكرماني كفاراً أيضاً لأنهم موافقون لابن تيمية قائلون بقوله لا سيما أبو الحسن الأشعري كما نص عليه الحافظ في الفتح .

وأخيرا : الشافعي يرد على أتباعه من الأشاعرة
نقل الامام الذهبي في سير أعلام النبلاء 10 / 28 عن الامام الشافعي قوله :
” إني قد اطلعت من أهل الكلام على التعطيل ” .
ونقل عنه ابن حجر في فتح الباري 13 / 407 قوله :
” لله أسماءٌ وصفات جاء بها كتابه ، وأخبر بها نبيه – صلى الله عليه وسلم – أمّتَه لا يسع أحداً ردها . فمن خالف في ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة فمعذور بالجهل ، لأن عِلْمَ ذلك لا يُدرك بالعقل، ونثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه ، كما نفاه عن نفسه فقال { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }
ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء 10 / 80 .
وروى ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة بإسناده المتصل إلى الشافعي 1/ 283 قوله : ” السنّة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا أهل الحديث الذين رأيتهم عليها فأحلف عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما : الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وأن الله على عرشه في سمائه ، يقرب من خلقه كيف يشاء، وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كيف يشاء ” .

(Visited 1 times, 1 visits today)