الأشاعرة يتهورون ويزعمون أن ابن كثير أشعري

الإمام الحافظ المفسر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير “774هـ”:
ادعى المؤلفان  (56) أن الحافظ ابن كثير كان أشعرياً، واستدلا على ذلك بما ورد في (الدرر الكامنة) في ترجمته إبراهيم بن محمد بن قيم الجوزية ما نصه: “ومن نوادره أنه وقع بينه وبين عماد الدين ابن كثير منازعة في تدريس الناس، فقال له ابن كثير: أنت تكرهني لأنني أشعري، فقال له: لو كان من رأسك إلى قدمك شعر ما صدقك الناس في قولك أنك أشعري وشيخك ابن تيمية”  (57) ا هـ.
وهذه الحكاية لم يذكر ابن حجر من حدثه بها، هذا أولاً.
وثانياً: أنه على فرض صحتها فإن ظاهرها يبطل هذه الدعوى، لأن إبراهيم بن قيم الجوزية لم يصدقه في ما ذكر من الدعوى، لكون شيخه هو ابن تيمية، وهو المعروف بالرد على الأشاعرة وإبطال معتقداتهم التي خالفوا فيها الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، وهذا أمر ظاهر، فكيف يكون تلميذ من طال كلامه في الانتصار لمذهب السلف، وأوذي في ذلك حتى اجتمع عليه الأشاعرة وسجنوه مرات عدة، كيف يكون تلميذ هذا أشعرياً، هذا تأباه العادة.
ولذا فإنك تجد ابن كثير لا يذكر شيئاً من كلام ووقائع ابن تيمية في البداية والنهاية إلا ويقول: “قال شيخنا العلامة”، و”كان شيخنا العلامة”، وربما قال: “جهبذ الوقت شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية)، وقال مرة: “سمعت شيخنا تقي الدين ابن تيمية وشيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول كل منهما للآخر: هذا الرجل قرأ مسند الإمام أحمد، وهما يسمعان، فلم يضبط عليه لحنة متفقاً عليها، وناهيك بهذين ثناء على هذا وهما هما”. ونحو ذلك مما يدل على تعظيمه له. ومن المستبعد جداً، أن يصفه بهذا الوصف، وهو مخالف له في أعظم الأمور، كأمور المعتقد.
وقد ساق ابن كثير في تاريخه كثيراً من وقائع شيخ الإسلام ابن تيمية مع مخالفيه من الأشاعرة، ومن أشهر ذلك: المناظرات التي جرت بينه وبينهم في عقيدته المسماة بـ”الواسطية”.
وانتصر له في “تاريخه” فقال: “أول المجالس الثلاثة لشيخ الإسلام ابن تيمية: وفي يوم الاثنين ثامن رجب حضر القضاة والعلماء وفيهم الشيخ تقي الدين بن تيمية عند نائب السلطنة بالقصر،وقرئت عقيدة الشيخ تقي الدين “الواسطية”، وحصل بحث في أماكن منها، وأخرت مواضع على المجلس الثاني.
فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور وحضر الشيخ صفي الدين الهندي، وتكلم مع الشيخ تقي الدين كلاما كثيراً، ولكن ساقيته لاطمت بحراً،… ثم انفصل الحال على قبول العقيدة، وعاد الشيخ إلى منزله معظماً مكرماً…
وكان الحامل على هذه الاجتماعات كتاب ورد من السلطان في ذلك، كان الباعث على إرساله قاضي المالكية ابن مخلوف، والشيخ نصر المنبجي شيخ الجاشنكير وغيرهما من أعدائه… وكان للشيخ تقي الدين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له، ومحبتهم له، وكثرة أتباعه، وقيامه في الحق، وعلمه وعمله…
ثم عقد المجلس الثالث في يوم سابع شعبان بالقصر، واجتمع جماعة على الرضى بالعقيدة المذكورة… ثم جاء كتاب السلطان في السادس والعشرين من شعبان… وفي الكتاب: إنا كنا سمعنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدين بن تيمية، وقد بلغنا ما عقد له من المجالس، وأنه على مذهب السلف وإنما أردنا بذلك براءة ساحته مما نسب إليه”  (58) ا هـ.
وقد أطال ابن كثير في ذكر هذه الأحداث منتصراً لشيخه ابن تيمية.
ومعلوم ما في “العقيدة الواسطية” مما يخالف مذهب الأشاعرة في الصفات، والقدر، والقرآن والإيمان، والنبوات، والكرامات، وغير ذلك من أبواب الاعتقاد.
أما التحقيق العلمي في معتقدات الأئمة، فليس بالقصص والحكايات، كما سبق أن ذكرنا، وإنما بالنصوص البينة التي سطروها في كتبهم.
ومن المعلوم أن من أشهر مؤلفات ابن كثير هو “تفسيره”، وقد سطر فيه معتقده واضحاً جليا، ولذلك أعرض المؤلفان عن ذكره إلا في موضع واحد، ولعل ذلك لما علما من إبطاله لدعواهما في أشعريته.
وله رحمه الله باسم “الاعتقاد” أبان فيها عن معتقده فقال ما لفظه: “فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضا والسخط والحب والبغض والفرح والضحك، وجب اعتقاد حقيقة ذلك من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من غير إضافة، ولا زيادة عليه، ولا تكييف، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا إزالة لفظ عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك”  (59) ا هـ.
وهذا كلام صريح في إثباته لصفات الله تعالى على الحقيقة، ومنعه من تأويلها، أو تغييرها، أو تشبيهها بصفات خلقه. ولم يفرق بين صفة وأخرى.
وأنا أسوق بعض نصوصه في تقرير المعتقد، ليعلم أنه مباين للأشاعرة:
قال في تفسير قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54]: “وأما قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً، ليس هذا موضع بسطها، وإنما سلك في هذا المقام مذهب السلف الصلاح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهم،من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11]، بل الأمر كما قال الأئمة – منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري-: “من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله”، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى”  (60) ا هـ.
وهذا ظاهر في أنه موافق للسلف في إمرار الصفات كما جاءت من غير تعرض لها بتأويل، ولا تحريف، ومن غير اعتقاد تشبيه ولا تمثيل، وأن إثباتها على ظاهرها لا يستلزم التشبيه، كما نقله عن نعيم بن حماد.
وقال في آخر كلامه: أن سبيل الهدى هو وصف الله بها على الوجه اللائق به. وهذا صريح في بطلان دعوى أشعريته، إذ أن الأشاعرة يتسلطون عليها بالتأويل، ولا يثبتون ظاهرها اللائق بالله، بل يدعون أن ظاهرها يستلزم التشبيه. وقد بين أنها لا تستلزم التشبيه، وأن من فهم منها تشبيه الله بخلقه، وأنها كصفة المخلوق فهو مشبه، ولذلك قال: “والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه”. فخص هذا المفهوم السقيم بأنه لا يقع إلا من المشبهين، وهم الذين يفهمون من صفة الله ما هو صفة المخلوق.
ولما ذكر أئمة السنة والقدوة في مسائل الاعتقاد، لم يذكر منهم ابن كلاب والقلانسي والكرابيسي والحارث المحاسبي، ولا الأشعري، ولا أحداً من أصحابه. ويستحيل أن يكون أشعرياً ثم لا يعرج على أبي الحسن الأشعري فيمن يقتدي بهم.
وقال في قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: 39]: “قال أبو عمران الجويني: تربى بعين الله. وقال قتادة: تغذى على عيني. وقال معمر بن المثنى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي بحيث أرى”  (61) ا هـ.
وهذا إثبات العين لله تعالى، ولم يتعرض لها بتأويل ولا تعطيل.
وقال في قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 27]: “وهذه الآية كقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: 88]، وقد نعت الله تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف”  (62) ا هـ.
فتأمل إثباته لوجه الله تعالى، وأنه موصوف بالجلال والإكرام.
وقال في قوله تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]: “وَجَاء رَبُّكَ، يعني: لفصل القضاء بين خلقه… فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً”  (63) ا هـ.  (64)

(Visited 1 times, 1 visits today)