الأشاعرة يتهورون ويزعمون أن البغوي المفسر أشعري

الإمام محيى السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي “516”:
عد المؤلفان  (45) الإمام البغوي من الأشاعرة، بلا تمحيص ولا تحقيق، ولا نقل من كتبه ومؤلفاته كعادتهم. وهي دعوى يكذبها ما سطره الإمام البغوي في كتبه، كتفسيره المسمى بـ”معالم التنزيل”، وكتابه الماتع العظيم (شرح السنة) والذي قرر فيه معتقد أهل السنة والجماعة، حيث عقد فيه فصلاً للرد على الجهمية الذين تأولون الصفات.
وقد ذكره ابن المبرد في ضمن من كان مجانباً للأشاعرة فقال: “ومنهم الإمام محيى السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن الفراء البغوي، كان مجانباً لهم”  (46) .
وأنا أنقل بعض كلامه في المعتقد لتتبين لنا حقيقة دعوى أشعريته:
قال في (شرح السنة): “باب بيان أن الأعمال من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، والرد على المرجئة…” – ثم ساق الآيات والأحاديث الدالة على ذلك ثم قال: “اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان…” – ثم قال: “وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء الحديث بالنقصان في وصف النساء….” – إلى أن قال: “واتفقوا على تفاضل أهل الإيمان في الإيمان وتباينهم في درجاته”  (47) ا هـ.
وهذا يخالف كما هو معلوم معتقد الأشاعرة من أن الإيمان هو التصديق، وأنه لا يزيد ولا ينقص.
وساق أحاديث الأصابع لله عز وجل ثم قال: “والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، واليدين، والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح…”  – ثم ساق الأدلة عليها ثم قال: “فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع، ويجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضاً عن التأويل، مجتنباً عن التشبيه، معتقداً أن الباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11]، وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعاً بالقبول والتسليم، وتجنبوا فيها التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله عز وجل…” – ثم ساق آثار السلف  (48) ا هـ.
وفي باب الرد على الجهمية: ذكر حديث “إنه لفوق سماواته على عرشه، وإنه عليه لهكذا – وأشار وهب بيده – مثل القبة عليه”، وأشار أبو الأزهر أيضاً” “إنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب”، ثم نقل كلام الخطابي وتأويله للحديث الصفة، ثم قال معلقاً: “والواجب فيه وفي أمثاله: الإيمان بما جاء في الحديث، والتسليم، وترك التصرف فيه بالعقل، والله الموفق”  (49) ا هـ.
فتأمل إثباته لصفات الله تعالى، وأن الواجب إجراؤها على ظاهرها، مع نفي التشبيه عنها، ومنع التأويل فيها، وتقريره أن إثباتها لله لا يستلزم التشبيه، كإثبات الذات.
وتأمل منعه من الخوض فيها بالعقول تأويلاً، وتحريفاً، بعد أن نقل كلام الخطابي.
وأما قوله: “ووكلوا العلم فيها إلى الله عز وجل”، فالمراد به علم حقيقة ما هي عليه، وكنهها، وكيفيتها، وإلا لم يكن لقوله “وإمرارها على ظاهرها” معنى، فإن الإمرار على الظاهر، هو حملها على ما دل عليه لفظها من المعنى المعروف لغة مع نفي التشبيه، وليس المراد بالظاهر: تنزيلها وكونها في القرآن، إذ لا ينكر هذا أحد ولا يمتري فيه.
ويقال أيضاً: لو كان كذلك لم يقل “إمرارها على ظاهرها” إذ يكون ظاهرها مجهولاً غير معلوم، فكيف يأمر بإمراره.
وقال في تفسيره “معالم التنزيل” في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [البقرة: 29]: “ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء، قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء”  (50) ا هـ.
وقال في قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ [البقرة: 210]، “والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها، ويكل علمها إلى الله تعالى، ويعتقد أن الله عز اسمه منزه عن سمات الحدث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة”  (51) ا هـ.
وقال في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54]: “قال الكلبي ومقاتل: استقر. وقال أبو عبيدة: صعد وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة لله تعالى، بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله عز وجل. وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]، كيف استوى؟ فأطرق رأسه ملياً، وعلاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالاً. ثم أمر به فأخرج.
وروي عن سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن المبارك، وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة: “أمروها كما جاءت بلا كيف”  (52) ا هـ.
وقال في قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: 158]: “أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ بلا كيف، لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة”  (53) ا هـ.
وقال في قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 64]: “ويد الله صفة من صفاته كالسمع، والبصر، والوجه، وقال جل ذكره: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلتا يديه يمين))  (54) ، والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم. وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: “أمروها كما جاءت بلا كيف”  (55) ا هـ.
هذا بعض كلامه في تقرير المعتقد، فوازن بينه وبين معتقد الأشاعرة، لترى البون الشاسع بينهما.

(Visited 132 times, 1 visits today)