الاشاعرة يتهورون ويزعمون أن البخاري أشعري

زعموا أن البخاري كان موافقاً لابن كلاب في معتقده!! وهي دعوى مردودة، يأباها التحقيق العلمي، والاستقراء التاريخي.
فإن البخاري رحمه الله رأس في الحديث، بل هو إمام الدنيا في عصره وحامل لواء أهل الحديث، وليس هذا بعجب منه، إذ أنه كان تلميذ أئمة السنة، وعلى رأسهم إمام أهل السنة بلا منازع أحمد بن حنبل، وكذا إسحاق بن راهوية، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وغيرهم من أكابر أئمة السنة وبقية السلف.
ومن تأويل ما سطره في صحيحه، وفي غيرها من كتبه يعلم تمام العلم، أنه كان على عقيدة أهل الأثر، لا أهل الكلام، وأنه يثبت صفات الله تعالى على الوجه اللائق به، بلا تشبيه ولا تكييف، وبلا تنزيه ينفي حقائقها.
وقد عقد كتاباً في صحيحه أسماه كتاب (التوحيد)، أثبت فيه الصفات لله تعالى على منوال السلف والأئمة، لا على منوال أهل الكلام، فعقد فيه ثمانية وخمسين باباً في إثبات صفات الله، منها:
– باب: “قول الله تعالى: وَيُحَذركمُ اللّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: 28]”، لإثبات النفس لله تعالى.
– وباب: “قول الله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: 88]”، لإثبات الوجه لله تعالى.
– وباب: “قول الله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: 39]”، لإثبات العين لله تعالى.
– وباب: “قول الله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75]”، لإثبات اليد لله تعالى.
– وباب: “قول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا شخص أغير من الله))  (2) ، لإثبات الشخص لله تعالى.
– وباب: “قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً [الأنعام: 19]، فسمى الله تعالى نفسه شيئاً. وسمى النبي صلى الله عليه وسلم القرآن شيئاً. وهو صفة من صفات الله. وقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: 88]؛ لإثبات أن الله تعالى يسمى شيئاً.
– وباب: “وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء [هود: 7]، رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: 129]”، لإثبات علو الله تعالى على خلقه، واستوائه وارتفاعه على عرشه، وأورد فيه قول أبي العالية ومجاهد: استوى: علا وارتفع، ثم ساق الأحاديث الدالة على علو الله تعالى، وأنه في السماء فوق كل شيء.
– وباب: “قول الله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29]… وقوله تعالى: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق: 1]، وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين”، ففيه إثبات أن الله يوصف بأنه يحدث ما شاء.
– وأبواب في إثبات كلام الله تعالى، منها: باب لإثبات الحرف والصوت لله تعالى فقال: “باب كلام الرب مع جبريل، ونداء الله الملائكة”.
– وباب: “ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرها من الخلائق، وهو فعل الرب تبارك وتعالى وأمره، فالرب بصفاته وفعله وأمره، وهو الخالق المكون غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون”  (3) .
قال ابن القيم: “وهذه الترجمة فصل في مسألة الفعل والمفعول، وقيام أفعال الرب عز وجل به وأنها غير مخلوقة، وأن المخلوق هو المنفصل عنه الكائن بفعله وأمره وتكوينه، ففصل النزاع بهذه الترجمة أحسن فصل، وأبينه، وأوضحه، إذ فرق بين الفعل والمفعول، وما يقوم بالرب سبحانه، وما لا يقوم به، وبين أن أفعاله تعالى كصفاته، داخلة في مسمى اسمه، ليست منفصلة خارجة مكونة، بل بها يقع التكوين”  (4) ا هـ.
وهذا التقرير يخالف ما عليه الأشعرية من امتناع قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى لأنها حوادث، والحوادث عندهم لا تقوم إلا بحادث، فيمنعون ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال، فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.
وزاد البخاري هذا تأكيداً في (خلق أفعال العباد) في باب: “الرد على الجهمية وأصحاب التعطيل”، فقال: “ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة، فضيق عليه حتى مضى لسبيله، وتوجع أهل العلم لما نزل به، وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيماً ومن نحا نحوه ليس بمفارق ولا مبتدع بل البدع والرئيس بالجهل بغيرهم أولى؛ إذ يفتون بالآراء المختلفة مما لم يأذن به الله”  (5) ا هـ.
وقال في موضع آخر: “ففعل الله صفة الله، والمفعول غيره من الخلق”  (6) ا هـ.
وبوب في مسائل الإيمان:
– باب: “وسمى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عملاً”، لإثبات أن العمل من الإيمان.
– وقال في باب: “قول الله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: 96] وسمى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عملاً”.
وهو القائل: “كتبت عن ألف وثمانين رجلاً، ليس فيهم إلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص”  (7) ا هـ.
ومعلوم أن هذا مخالف لعقيدة الأشاعرة الذين يرون أن الإيمان هو التصديق، وأن العمل لا يسمى إيماناً.
وعقد في كتاب (التوحيد) من صحيحه غير ذلك من الأبواب الكثيرة التي يقرر فيه الصفات لله تعالى كما جاءت في الكتاب والسنة من غير تعرض لها بتأويل ولا تحريف.
قال الذهبي في (العلو): “قال الإمام أبو عبدالله بن إسماعيل في آخر الجامع الصحيح في كتاب (الرد على الجهمية)! باب قوله تعالى: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء [هود: 7]، قال أبو العالية: استوى إلى السماء، ارتفع. وقال مجاهد في اسْتَوَى: علا على العرش. وقالت زينب أم المؤمنين رضي الله عنها: “زوجني الله من فوق سبع سموات”.
ثم إنه بوب على أكثر ما تنكره الجهمية، من العلو، والكلام، واليدين، والعينين، محتجاً بالآيات والأحاديث، فمن ذلك قوله: “باب قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: 10]”، و”باب قوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75]”، “باب قوله: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: 39]، و”باب كلام الرب عز وجل مع الأنبياء”، ونحو ذلك مما إذا تعلقه اللبيب عرف من تبويبه أن الجهمية ترد ذلك وتحرف الكلم عن مواضعه، وله مصنف مفرد سماه (كتاب أفعال العباد) في مسألة القرآن”  (8) ا هـ.
وكتب البخاري أيضاً في تقرير بعض مسائل المعتقد كتاب (خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل)، والذي قرر فيه معتقد أهل السنة والجماعة، ونقل كثيراً من نصوص السلف والأئمة في الصفات، والتي سبق أن ذكرنا بعضها في ثنايا كتابنا هذا، ككلامهم في علو الله تعالى على خلقه، وفي كلام الله تعالى، وقرر أنه بصوت كما سبق نقل كلامه.
فقال: “وإن الله عز وجل ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله عز وجل ذكره. قال أبو عبدالله: وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله جل ذكره يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا، وقال عز وجل: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً [البقرة: 22]، فليس لصفة الله ند، ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين”  (9) ا هـ.
وهذه الصفة مما اتفق الأشاعرة على إنكارها، وتنزيه الله عن الاتصاف بها، بدعوى أنها تستلزم التشبيه، بناءاً على أصلهم في الكلام النفسي.
فإثبات البخاري لكلام الله تعالى وأنه بحرف وصوت، يبطل دعوى انتسابه أو تأثره بابن كلاب، لأن مسألة الكلام النفسي هي من أشهر المسائل التي خالف فيها ابن كلاب السلف، ولذلك اشتد نكير الإمام أحمد عليه كما سيأتي بيانه، وأمر بهجر الحارث المحاسبي بسببه.
فطريقة البخاري في صحيحه في كتاب (التوحيد)، وكذا في كتاب (خلق أفعال العباد) في تقرير المعتقد، ظاهرة في كونه على منهج السلف وطريقهم، الذين يجعلون الكتاب والسنة أصلاً، ثم يتبعونه بكلام السلف من الصحابة والتابعين والأئمة.
كما أن تبويبه لمسائل المعتقد يدل بشكل واضح على عدم كونه من المتكلمين، بل هو مباين لهم غاية التباين.
ومما يؤكد كون البخاري لم يكن موافقاً لابن كلاب، أنه لم يذكره في شيء من كتبه البتة، ولا عرج على كلامه، ولا على كلام أصحابه، كالحارث المحاسبي، والقلانسي، والكرابيسي، وغيرهم. لا في صحيحه، ولا في تواريخه، كالتاريخ الكبير، والأوسط، والصغير، ولا في كتبه الأخرى ككتاب (خلق أفعال العباد).

(Visited 41 times, 1 visits today)