الذهبي يرد على الأشاعرة في تحريفهم الصفات وخوضهم في معناها

قلت: قَدْ فَسَّرَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ المُهِمَّ مِنَ الأَلْفَاظِ وَغَيْرَ المُهِمِّ وَمَا أَبْقَوْا مُمْكِناً، وَآيَاتُ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيْثُهَا لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِتَأْوِيْلِهَا أَصْلاً، وَهِيَ أَهَمُّ الدِّيْنِ فَلَو كَانَ تَأْوِيْلُهَا سَائِغاً، أَوْ حَتْماً لَبَادَرُوا إِلَيْهِ فَعُلِمَ قَطْعاً أَنَّ قِرَاءتَهَا وَإِمرَارَهَا عَلَى مَا جَاءتْ هُوَ الحَقُّ لاَ تَفْسِيْرَ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ فَنُؤْمِنُ بِذَلِكَ، وَنَسْكُتُ اقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ مُعْتَقِدِيْنَ أَنَّهَا صِفَاتٌ للهِ تَعَالَى استأثر الله بعلم حقائقها، وأنهما لاَ تُشْبِهُ صِفَاتِ المَخْلُوْقِينَ كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ المُقَدَّسَةَ لاَ تُمَاثِلُ ذَوَاتِ المَخْلُوْقِينَ، فَالكِتَابُ وَالسُّنَّةُ نَطَقَ بِهَا وَالرَّسُوْلُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَلَّغَ وَمَا تَعَرَّضَ لِتَأْوِيْلٍ مَعَ كَوْنِ البَارِي قَالَ: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم} [النَّحْلُ: 44] ، فَعَلَيْنَا الإِيْمَانُ وَالتَّسْلِيْمُ لِلنُّصُوْصِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ.

 

سير أعلام النبلاء ج8ص509

عبدالباقي البعلي الحنبلي يبين خلل الأشاعرة ومخالفتهم لاهل السنة

قال في كتابه العين والأثر في عقائد أهل الأثر ص59

[QUOTE]المقصد الثاني: في مسائل وقع فيها الخلاف بين الحنابلة والأشاعرة:

اولا: الاستواء

منها: أننا نؤمن بأن الله تعالى مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، من غير تأويل؛ فعن أم سلمة، رضي الله عنها، جواب في الاستواء.
كما اشتهر من جواب أبي علي الحسين بن الفضل البجلي، عن الاستواء، فقال: “لا نعرف أنباء الغيب إلا ما كشف لنا، وقد علمنا جل ذكره: أنه استوى على عرشه، لم يخبر كيف استوى، ومن اعتقد أن الله مفتقر للعرش، أو لغيره من المخلوقات، أو أن استواءه على العرش, كاستواء المخلوقات على كرسيه، فهو ضالٌّ مبتدع، فكان الله ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان”.
ومنها: نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه بنزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف، بل يثبت5 الحنابلة ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُمِرُّون الخبر الصحيح الوراد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله تعالى

ثانياً: النزول والمحيء والإتيان

وكذلك ما أنزل الله عز اسمه في كتابه، من ذكر المجيء2 والإتيان3, المذكورين في قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} 4الآية، وفي قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ} 5 الآية.
ونؤمن بذلك بلا كيف، فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك لفعل، فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه.

 

وقال:

 

أقوال السلف في علم الكلام والأهواء

وقال مالك رضي الله عنه: “إياكم والبدع, قيل: وما البدع؟ قال: أهل البدع: الذين يتكلمون في أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، لا يسكتون عما سكن عنه الصحابة والتابعون“.
وفي صحف إدريس: “لا تروموا أن تحيطوا بالله خبرة، فإنه أعظم وأعلى أن تدركه فطن المخلوقين”.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: “أن يلقَ الله العبد بكل ذنب ما عدا الشرك، أحب إليَّ من أن يلقاه بشيء من الأهواء”.
وقال عمر بن العزيز، لرجل سأله عن شيء من الأهواء، فقال: “الزم دين الصبيان في الكُتَّاب؛ والأعراب، والْهَ عما سوى ذلك”.
قال ابن عيينة: “كل ما وصف الله به نفسه في كتابه, فتفسيره تلاوته, والسكوت عنه”.
قال بعض السلف: “قدم الإسلام لا يثبت إلا على قنطرة التسليم”.
فقد قال الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى: “آمنت بالله، وبما جاء عن الله، وعلى مراد الله، وآمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبماء جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم”، نقله عنه الإمام أبو الحسن اللبوذي الحنبلي في كتابه: اللمع في السنن والبدع، قال بعد: وعلى هذا درج أئمة السلف.

صلاح الدين الأيوبي ليس أشعريا

وكان قائد نور الدين المجاهد “صلاح الدين الأيوبي” محبا للعلم
والعلماء، وذكر المؤرخون أنه كان على ميمنة جيشه “ابن قدامة المقدسي”صاحب “المغني”، وكان صلاح الدين عابدا زاهدا في الدنيا مثل نور الدين،ولم يخلف سوى بضعة عشر دينارا صوريا على قول بعض المؤرخين، وبعض المؤرخين يقولون إنه لم يخلِّف شيئا وإن كفنه كان قرضا، وإنه أمر أن تدفن معه لبنة جمعها من التراب الذي يصيبه في الجهاد.وكان هذا القائد العظيم “صلاح الدين” رحمه الله حسن العقيدة، محباللحديث يتردد إلى الحافظ السلفي المعروف، وما نقله المقريزي عن عقيدته وأنه أشعري غير صحيح.
(المسلمون والحضارة الغربية)

هل كل من وافق الأشاعرة في مسألة كان أشعريا

قال شيخ الإسلام في شرح الأصبهانية ص60 عن شخص:

 (كما أن كلامه في التوحيد ليس مبنيا على أصول الأشعرية ولا أصول المعتزلة بل على أصول المتفلسفة فهو متردد بين الفلسفة والاعتزال وأخذ من بحوث المنتسبين إلى الأشعرية كالرازي ونحوه ما قد يقوله هؤلاء وهؤلاء).

ابن حجر يبطل قول الأشاعرة بالكلام النفسي

قال ابن حجر:

وَقَالَتِ الْأَشْعَرِيَّةُ كَلَامُ اللَّهِ صِفَةُ ذَاتٍ لَمْ يَزَلْ وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَهُوَ غَيْرُ عِلْمِ اللَّهِ وَلَيْسَ لِلَّهِ إِلَّا كَلَامٌ وَاحِدٌ وَاحْتُجَّ لِأَحْمَدَ بِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْقَاطِعَةَ قَامَتْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَلَمَّا كَانَ كَلَامُنَا غَيْرَنَا وَكَانَ مَخْلُوقًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ غَيْرَهُ وَلَيْسَ مَخْلُوقًا وَأَطَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِينَ لِذَلِكَ وَقَالَ غَيْرُهُ اخْتَلَفُوا فَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَبَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةُ وَبَعْضُ الْخَوَارِجِ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ كَالشَّجَرَةِ حِينَ كَلَّمَ مُوسَى وَحَقِيقَتُهُ قَوْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ وَإِنْ نُسِبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ فَبِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ يَتَكَلَّمُ حَقِيقَةً لَكِنْ يَخْلُقُ ذَلِكَ الْكَلَامَ فِي غَيْرِهِ وَقَالَتِ الْكِلَابِيَّةُ الْكَلَامُ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ قَدِيمَةُ الْعَيْنِ لَازِمَةٌ لِذَاتِ اللَّهِ كَالْحَيَاةِ وَأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَتَكْلِيمِهِ لِمَنْ كَلَّمَهُ إِنَّمَا هُوَ خَلْقُ إِدْرَاكٍ لَهُ يَسْمَعُ بِهِ الْكَلَامَ وَنِدَاؤُهُ لِمُوسَى لَمْ يَزَلْ لَكِنَّهُ أَسْمَعَهُ ذَلِكَ النِّدَاءَ حِينَ نَاجَاهُ وَيُحْكَى عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ نَحْوُهُ لَكِنْ قَالَ خَلَقَ صَوْتًا حِينَ نَادَاهُ فَأَسْمَعَهُ كَلَامَهُ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ السَّلَفِ الَّذِينَ قَالُوا ان الْقُرْآن لَيْسَ بمخلوق وَأخذ بقول بن كِلَابٍ الْقَابِسِيِّ وَالْأَشْعَرِيِّ وَأَتْبَاعِهِمَا وَقَالُوا إِذَا كَانَ الْكَلَامُ قَدِيمًا لِعَيْنِهِ لَازِمًا لِذَاتِ الرَّبِّ وَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ فَالْحُرُوفُ لَيْسَتْ قَدِيمَةً لِأَنَّهَا مُتَعَاقِبَةٌ وَمَا كَانَ مَسْبُوقًا بِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا وَالْكَلَامُ الْقَدِيمُ مَعْنًى قَائِمٌ بِالذَّاتِ لَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَجَزَّأُ بَلْ هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ إِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ قُرْآنٌ أَوْ بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَهُوَ تَوْرَاةٌ مَثَلًا وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَلَامُ اللَّهِ وَكَذَا التَّوْرَاةُ وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِحُرُوفِ الْقُرْآنِ وَأَسْمَعَ مَنْ شَاءَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ صَوْتَهُ وَقَالُوا إِنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ قَدِيمَةُ الْعَيْنِ لَازِمَةُ الذَّات لَيْسَ مُتَعَاقِبَةً بَلْ لَمْ تَزَلْ قَائِمَةً بِذَاتِهِ مُقْتَرِنَةً لَا تُسْبَقُ وَالتَّعَاقُبُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ بِخِلَافِ الْخَالِقِ وَذَهَبَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ إِلَى أَنَّ الْأَصْوَاتَ وَالْحُرُوفَ هِيَ الْمَسْمُوعَةُ مِنَ الْقَارِئِينَ وَأَبَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَقَالُوا لَيْسَتْ هِيَ الْمَسْمُوعَةُ مِنَ الْقَارِئِينَ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بِالْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لَكِنَّهُ فِي الْأَزَلِ لَمْ يَتَكَلَّمْ لِامْتِنَاعِ وُجُودِ الْحَادِثِ فِي الْأَزَلِ فَكَلَامُهُ حَادِثٌ فِي ذَاتِهِ لَا مُحْدَثٌ وَذَهَبَ الْكَرَّامِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ حَادِثٌ فِي ذَاتِهِ وَمُحْدَثٌ وَذَكَرَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ يَقُومُ بِذَاتِهِ وَبِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ هُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ نَقْلًا وَعَقْلًا وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ تَرْكُ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ وَالتَّعَمُّقِ فِيهِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ثُمَّ السُّكُوتُ عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى 

فتح الباري ج13 ص455

 

وقال:

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْكَلَامِ فِي أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ هَلْ هُوَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ أَوْ لَا فَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لَا يَكُونُ الْكَلَامُ إِلَّا بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ وَالْكَلَامُ الْمَنْسُوبُ إِلَى اللَّهِ قَائِمٌ بِالشَّجَرَةِ وَقَالَتِ الْأَشَاعِرَةُ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ وَأَثْبَتَتِ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَحَقِيقَتُهُ مَعْنًى قَائِمٌ بِالنَّفْسِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عَنْهُ الْعِبَارَةُ كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْعَجَمِيَّةِ وَاخْتِلَافُهَا لَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ هُوَ ذَلِكَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ وَأَثْبَتَتِ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ اللَّهَ مُتَكَلِّمٌ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ أَمَّا الْحُرُوفُ فَلِلتَّصْرِيحِ بِهَا فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَأَمَّا الصَّوْتُ فَمَنْ مَنَعَ قَالَ إِنَّ الصَّوْتَ هُوَ الْهَوَاءُ الْمُنْقَطِعُ الْمَسْمُوعُ مِنَ الْحَنْجَرَةِ وَأَجَابَ مَنْ أَثْبَتَهُ بِأَنَّ الصَّوْتَ الْمَوْصُوفَ بِذَلِكَ هُوَ الْمَعْهُودُ مِنَ الْآدَمِيِّينَ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَصِفَاتُ الرَّبِّ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ وَعَدَمِ التَّشْبِيهِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْحَنْجَرَةِ فَلَا يَلْزَمُ التَّشْبِيهَ وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ سَأَلْتُ أَبِي عَنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى لَمْ يَتَكَلَّمْ بِصَوْتٍ فَقَالَ لِي أَبِي بَلْ تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُرْوَى كَمَا جَاءَتْ وَذَكَرَ حَدِيثَ بن مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ

فتح الباري ج13 ص460

وعادته أنه إذا ختم بكلام فإنه يتبناه، وقد ختم بكلام أحمد

ابن حجر يُبطل قول الأشاعرة في مسألة التكوين وصفة الخلق الحوادث

قال ابن حجر:

ومسئلة التَّكْوِينِ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَصْلُهَا إِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ صِفَةُ الْفِعْلِ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ

فَقَالَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ قديمَة

وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم ابن كِلَابٍ وَالْأَشْعَرِيُّ هِيَ حَادِثَةٌ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ قَدِيمًا

وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْأَزَلِ صِفَةُ الْخَلْقِ وَلَا مَخْلُوقَ

وَأَجَابَ الْأَشْعَرِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ خَلْقٌ وَلَا مَخْلُوقٌ كَمَا لَا يَكُونُ ضَارِبٌ وَلَا مَضْرُوبٌ

فَأَلْزَمُوهُ بِحُدُوثِ صِفَاتٍ فَيَلْزَمُ حُلُولُ الْحَوَادِثِ بِاللَّهِ

فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تُحْدِثُ فِي الذَّاتِ شَيْئًا جَدِيدًا

فَتَعَقَّبُوهُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يُسَمَّى فِي الْأَزَلِ خَالِقًا وَلَا رَازِقًا وَكَلَامُ اللَّهِ قَدِيمٌ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ فِيهِ الْخَالِقُ الرَّزَّاقُ

فَانْفَصَلَ بَعْضُ الْأَشْعَرِيَّةِ بِأَنَّ إِطْلَاقَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ عَدَمُهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ. وَلَمْ يَرْتَضِ هَذَا بَعْضُهُمْ بَلْ قَالَ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ نَفْسِهِ إِنَّ الْأَسَامِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْأَعْلَامِ وَالْعَلَمُ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ فِي اللُّغَةِ وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَلَفْظُ الْخَالِقِ الرَّازِقِ صَادِقٌ عَلَيْهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْبَحْثُ إِنَّمَا هُوَ فِيهَا لَا فِي الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ

فَأَلْزَمُوهُ بِتَجْوِيزِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْفِعْلُ

فَأَجَابَ أَنَّ الْإِطْلَاقَ هُنَا شَرْعِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ انْتَهَى

وَتَصَرُّفُ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَقْتَضِي مُوَافَقَةَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالصَّائِرُ إِلَيْهِ يَسْلَمُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مَسْأَلَةِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ

فتح الباري ج13 ص440

ابن حجر والقرطبي يحذران من المتكلمين ويقولان أن مبحث الجوهر والعرض ضلال

نقل ابن حجر في فتح الباري ج13 ص350 مستشهدا بقول القرطبي:

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ … مَتَى ثَبَتَ النَّقْلُ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَوْصَافِهِ وَأَسْمَائِهِ قَبِلْنَاهُ وَاعْتَقَدْنَاهُ وَسَكَتْنَا عَمَّا عَدَاهُ كَمَا هُوَ طَرِيقُ السَّلَفِ وَمَا عَدَاهُ لَا يَأْمَنُ صَاحِبُهُ مِنَ الزَّلَلِ وَيَكْفِي فِي الرَّدْعِ عَنِ الْخَوْضِ فِي طُرُقِ الْمُتَكَلِّمِينَ مَا ثَبَتَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَقَدْ قَطَعَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَخُوضُوا فِي الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ مَبَاحِثِ الْمُتَكَلِّمِينَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ طَرِيقِهِمْ فَكَفَاهُ ضَلَالًا.

 

 

ابن حجر والقرطبي يطعنان بطريقة الأشاعرة في العقيدة

قال ابن حجر مستشهدا بكلام القرطبي:

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ. . وَأَشَدُّ ذَلِكَ لِأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُعْرِضِينَ عَنِ الطُّرُقِ الَّتِي أَرْشَدَ إِلَيْهَا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَفُ أُمَّتِهِ إِلَى طُرُقٍ مُبْتَدَعَةٍ وَاصْطِلَاحَاتٍ مُخْتَرَعَةٍ وَقَوَانِينَ جَدَلِيَّةٍ وَأُمُورٍ صِنَاعِيَّةٍ مَدَارُ أَكْثَرِهَا عَلَى آرَاءٍ سُوفِسْطَائِيَّةٍ أَوْ مُنَاقَضَاتٍ لَفْظِيَّةٍ يَنْشَأُ بِسَبَبِهَا عَلَى الْآخِذِ فِيهَا شُبَهٌ رُبَّمَا يَعْجِزُ عَنْهَا وَشُكُوكٌ يَذْهَبُ الْإِيمَانُ مَعَهَا وَأَحْسَنُهُمُ انْفِصَالًا عَنْهَا أَجَدْلُهُمْ لَا أَعْلَمُهُمْ فَكَمْ مِنْ عَالِمٍ بِفَسَادِ الشُّبْهَةِ لَا يَقْوَى عَلَى حَلِّهَا وَكَمْ مِنْ مُنْفَصِلٍ عَنْهَا لَا يُدْرِكُ حَقِيقَةَ عِلْمِهَا ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدِ ارْتَكَبُوا أَنْوَاعًا مِنَ الْمُحَالِ لَا يَرْتَضِيهَا الْبُلْهُ وَلَا الْأَطْفَالُ لَمَّا بَحَثُوا عَنْ تَحَيُّزِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَلْوَانِ وَالْأَحْوَالِ فَأَخَذُوا فِيمَا أَمْسَكَ عَنْهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ كَيْفِيَّاتِ تَعَلُّقَاتِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْدِيدِهَا وَاتِّحَادِهَا فِي نَفْسِهَا وَهَلْ هِيَ الذَّاتُ أَوْ غَيْرُهَا وَفِي الْكَلَامِ هَلْ هُوَ مُتَّحِدٌ أَوْ مُنْقَسِمٌ وَعَلَى الثَّانِي هَلْ يَنْقَسِمُ بِالنَّوْعِ أَوِ الْوَصْفِ وَكَيْفَ تَعَلَّقَ فِي الْأَزَلِ بِالْمَأْمُورِ مَعَ كَوْنِهِ حَادِثًا ثُمَّ إِذَا انْعَدَمَ الْمَأْمُورُ هَلْ يَبْقَى التَّعَلُّقُ وَهَلِ الْأَمْرُ لِزَيْدٍ بِالصَّلَاةِ مَثَلًا هُوَ نَفْسُ الْأَمْرِ لِعَمْرٍو بِالزَّكَاةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ مِمَّا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الشَّارِعُ وَسَكَتَ عَنْهُ الصَّحَابَةُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ بَلْ نَهَوْا عَنِ الْخَوْضِ فِيهَا لَعَلَّهُم بِأَنَّهُ بَحْثٌ عَنْ كَيْفِيَّةِ مَا لَا تُعْلَمُ كَيْفِيَّتُهُ بِالْعَقْلِ لِكَوْنِ الْعُقُولِ لَهَا حَدٌّ تَقِفُ عِنْدَهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَحْثِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الذَّاتِ وَكَيْفِيَّةِ الصِّفَاتِ وَمَنْ تَوَقَّفَ فِي هَذَا فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ حُجِبَ عَنْ كَيْفِيَّةِ نَفْسِهِ مَعَ وُجُودِهَا وَعَنْ كَيْفِيَّةِ إِدْرَاكِ مَا يُدْرِكُ بِهِ فَهُوَ عَنْ إِدْرَاكِ غَيْرِهِ أَعْجَزُ وَغَايَةُ عِلْمِ الْعَالِمِ أَنْ يَقْطَعَ بِوُجُودِ فَاعِلٍ لِهَذِهِ الْمَصْنُوعَاتِ مُنَزَّهٍ عَنِ الشَّبِيهِ مُقَدَّسٍ عَنِ النَّظِيرِ مُتَّصِفٍ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ ثُمَّ مَتَى ثَبَتَ النَّقْلُ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَوْصَافِهِ وَأَسْمَائِهِ قَبِلْنَاهُ وَاعْتَقَدْنَاهُ وَسَكَتْنَا عَمَّا عَدَاهُ كَمَا هُوَ طَرِيقُ السَّلَفِ وَمَا عَدَاهُ لَا يَأْمَنُ صَاحِبُهُ مِنَ الزَّلَلِ وَيَكْفِي فِي الرَّدْعِ عَنِ الْخَوْضِ فِي طُرُقِ الْمُتَكَلِّمِينَ مَا ثَبَتَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَقَدْ قَطَعَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَخُوضُوا فِي الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ مَبَاحِثِ الْمُتَكَلِّمِينَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ طَرِيقِهِمْ فَكَفَاهُ ضَلَالًا

فتح الباري ج13 ص349

ابن حجر والقرطبي: الكلام حقيق بالذم ، والقول بالنظر أو القصد إلى النظر كفر وفساد

نقل ابن حجر مستشهدا بقول القرطبي:

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَلَوْ لَمْ يكن فِي الْكَلَام الا مسئلتان هُمَا مِنْ مَبَادِئِهِ لَكَانَ حَقِيقًا بِالذَّمِّ

إِحْدَاهُمَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ الشَّكُّ إِذْ هُوَ اللَّازِمُ عَنْ وُجُوبِ النَّظَرِ أَوِ الْقَصْدِ إِلَى النَّظَرِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْإِمَامُ بِقَوْلِهِ رَكِبْتُ الْبَحْرَ

ثَانِيَتُهُمَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ إِنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ بِالطُّرُقِ الَّتِي رَتَّبُوهَا وَالْأَبْحَاثِ الَّتِي حَرَّرُوهَا لَمْ يَصِحَّ إِيمَانُهُ حَتَّى لَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْفِيرُ أَبِيكَ وَأَسْلَافَكَ وَجِيرَانَكَ فَقَالَ لَا تُشَنِّعُ عَلَيَّ بِكَثْرَةِ أَهْلِ النَّارِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَلَوْ لَمْ يكن فِي الْكَلَام الا مسئلتان هُمَا مِنْ مَبَادِئِهِ لَكَانَ حَقِيقًا بِالذَّمِّ إِحْدَاهُمَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ إِنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ الشَّكُّ إِذْ هُوَ اللَّازِمُ عَنْ وُجُوبِ النَّظَرِ أَوِ الْقَصْدِ إِلَى النَّظَرِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْإِمَامُ بِقَوْلِهِ رَكِبْتُ الْبَحْرَ ثَانِيَتُهُمَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ إِنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ بِالطُّرُقِ الَّتِي رَتَّبُوهَا وَالْأَبْحَاثِ الَّتِي حَرَّرُوهَا لَمْ يَصِحَّ إِيمَانُهُ حَتَّى لَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْفِيرُ أَبِيكَ وَأَسْلَافَكَ وَجِيرَانَكَ فَقَالَ لَا تُشَنِّعُ عَلَيَّ بِكَثْرَةِ أَهْلِ النَّارِ قَالَ وَقَدْ رَدَّ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِمَا عَلَى مَنْ قَالَ بِهِمَا بِطَرِيقٍ مِنَ الرَّدِّ النَّظَرِيِّ وَهُوَ خطا مِنْهُ فان الْقَائِل بالمسئلتين كَافِرٌ شَرْعًا لِجَعْلِهِ الشَّكَّ فِي اللَّهِ وَاجِبًا وَمُعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ كُفَّارًا حَتَّى يَدْخُلَ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَهَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ .

فتح الباري ج13 ص350

 

فمن هؤلاء الذين أتوا بهذا الكفر والفساد؟

 

قال ابن حجر في الصفحة السابقة: 

وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ أَوَّلُ وَاجِبٍ الْمَعْرِفَةُ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الْإِتْيَانُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ عَلَى قَصْدِ الِامْتِثَالِ وَلَا الِانْكِفَافُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ عَلَى قَصْدِ الِانْزِجَارِ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْآمِرِ وَالنَّاهِي وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَتَأَتَّى إِلَّا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَهُوَ مُقَدِّمَةُ الْوَاجِبِ فَيَجِبُ، فَيَكُونُ أَوَّلُ وَاجِبٍ النَّظَرُ وَذَهَبَ إِلَى هَذَا طَائِفَةٌ كَابْنِ فَوْرَكٍ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّظَرَ ذُو أَجْزَاءٍ يَتَرَتَّبُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَيَكُونُ أَوَّلُ وَاجِبٍ جزأ مِنَ النَّظَرِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَعَنِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الاسفرايني أَوَّلُ وَاجِبٍ الْقَصْدُ إِلَى النَّظَرِ

فتح الباري ج13 ص349

 

الطبري يقول ان الله فوق السماء

يقول شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري : في تفسير قوله تعالى ( وهو معكم أينما كنتم ) يقول : وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم ويعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم , وهو على عرشه فوق سماواته السبع . ( تفسير الطبري 27 / 216

الطبري يثبت صفة اليدين واليميين والقَدَم والوَجه اثباتا حقيقيًا

قال الطبري:

ولله تعالى ذكره أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه إلى أن قال:وذلك نحو إخبار الله تعالى ذكره إيانا أنه سميع بصير وأن له يدين لقوله تعالى(بل يداه مبسوطتان) وأن له يمينا لقوله تعالى (والسموات مطويات بيمينه) وأن له وجها لقوله (كل شيء هالك إلا وجهه) وقوله (ويبقى وجه ربك ذو الجلال) وأن له قدما لقول رسول الله (حتى يضع الرب قدمه فيها) يعني جهنم.. إلى أن قال: فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه

ابن كثير يثبت الصفات خلافا للاشعرية

يقول ابن كثير : (فإذا نطق الكتاب العزيز و وردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضى والسخط والحب والبغض والفرح والضحك؛ وجب اعتقاد حقيقته ، من غير تشبيه بشي من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين ، والانتهاء إلى ما قاله الله سبحانه وتعالى ورسوله من غير إضافة ولا زيادة عليه ، ولا تكييف له ، ولا تشبيه ، ولا تحريف ، ولا تبديل ، ولا تغيير ، ولا إزالة لفظه عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك)

[ من كتاب ” علاقة الإثبات والتفويض ” لمعطي رضا نعسان : ص : 51 ] .

انتقد ابن الجوزي أبا الحسن الأشعري لأنه فتح على الناس باباً أدى إلى النزاع على العقائد والاختلاف في القرآن

انتقد ابن الجوزي أبا الحسن الأشعري لأنه فتح على الناس باباً أدى إلى النزاع على العقائد والاختلاف في القرآن. فقال “لم يختلف الناس حتى جاء علي بن إسماعيل الأشعري، فقال مرة بقول المعتزلة، ثم عن له فادعى أن الكلام صفة قائمة بالنفس، فأوجبت دعواه هذه أنا ما عندنا مخلوق” (كتاب صيد الخطر) مع أنهم يصفون ابن الجوزي بأنه من منزهة الحنابلة.
كذلك
كذلك انتقد ابن الجوزي أبا حامد الغزالي كثيراً والقشيري صاحب الرسالة القشيرية والفتنة البغدادية – وكلاهما أشعريان – فقال “وجاء عبدالكريم بن هوازن القشيري وصنف لهم كتاب (الرسالة) فذكر فيها العجائب من الكلام في الفناء (أي في الله) والقبض والبسط والجمع والتفرقة والصحو والمحو والسكر والشرب والمكاشفة واللوائح والطوالع واللوامع والتكوين والتمكين والحقيقة والشريعة وغير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء” (تلبيس ابليس) .
واعتبر ابن الجوزي أن أساس البدع دخلت على الأمة من طريقين:
1) الفلسفة التي عكف عليها خلق من العلماء لم يقنعوا بما قنع به النبي صلى الله عليه وسلم حتى خاضوا في الكلام الذي حملهم على مذاهب ردية أفسدوا بها العقائد. ثم انتقد أبا الحسن الأشعري لأنه فتح على الناس باباً أدى إلى النزاع على العقائد والاختلاف في القرآن فتارة يقول بقول المعتزلة وتارة يزعم أن الكلام صفة قائمة بنفس الله فأوجبت دعواه أن القرآن مخلوق”.
2) الرهبنة حيث أخذ خلق من المتزهدين عن الرهبان طريق التقشف” (صيد الخاطر) . ويعني بهم الصوفية.

عبد القادر الجيلاني يشبه الأشاعرة بالمعتزلة، وينكر تأويل العلو والنزول

انتقد الشيخ عبدالقادر الجيلاني تأويل الأشاعرة إن وقرنهم بالمعتزلة. فقال:

“ينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، لا على معنى العلو أي علو المنزلة الرفعة كما قالت الأشعرية، ولا على معنى الاستيلاء كما قالت المعتزلة. وأنه تعالى ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه على ما ادعت المعتزلة والأشعرية”

(الغنية لطالبي الحق)

لا يصح أن يُنسب إلى مذهب الأشاعرة ، إلا من التزم منهجهم في العقيدة ، أما من وافقهم في بعض المسائل دون بعض ، فلا يُنسب إليهم .

اعلم بارك الله فيك ، أنه لا يصح أن يُنسب إلى مذهب الأشاعرة ، إلا من التزم منهجهم في العقيدة ، أما من وافقهم في بعض المسائل دون بعض ، فلا يُنسب إليهم .
قال الشيخ ابن عثيمين في معرض كلامه عن الحافظين النووي وابن حجر :
” وهل يصح أن ننسب هذين الرجلين وأمثالهما إلى الأشاعرة ، ونقول: هما من الأشاعرة ؟ الجواب : لا ، لأن الأشاعرة لهم مذهب مستقل ، له كيان في الأسماء والصفات والإيمان وأحوال الآخرة ، وما أحسن ما كتبه أخونا سفر الحوالي عما علم من مذهبهم ، لأن أكثر الناس لا يفهم عنهم إلا أنهم مخالفون للسلف في باب الأسماء والصفات ، ولكن لهم خلافات كثيرة .
فإذا قال قائل في مسألة من مسائل الصفات ، بما يوافق مذهبهم ، فلا نقول : إنه أشعري ، أرأيتم لو أن إنسانا من الحنابلة اختار قولا للشافعية ، فهل نقول إنه شافعي ؟ ” .
انتهى من ” شرح الأربعين النووية ” (ص 290) .
وقال أيضا : ” فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحدا قدم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثلما قدماه ، ويدلك على أن الله سبحانه وتعالى بحوله وقوته -ولا أتألى على الله- قد قبلها ، ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس ؛ لدى طلبة العلم ، بل حتى عند العامة ، فالآن كتاب رياض الصالحين يقرأ في كل مجلس , ويقرأ في كل مسجد ، وينتفع الناس به انتفاعا عظيما ، وأتمنى أن يجعل الله لي كتابا مثل هذا الكتاب ، كل ينتفع به في بيته وفي مسجده “
انتهى من ” لقاءات الباب المفتوح ” اللقاء رقم (43).

بيان سلامة الحافظين النووي والعسقلاني من عقائد المتكلمين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد، فإن من العلماء الذين اشتهروا بالعلم وكثرت تصانيفهم فيه وذاع صيتهم واستفاد طلاب العلم بعدهم من تراثهم، الحافظين أبا زكريا يحيى بن شرف الدين النووي المتوفى سنة 676هـ، وأبا الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ، وقد اشتملت بعض مؤلفاتهما المشهورة على ذكر اعتقادات المتكلمين وتأويلات المؤولين من الأشاعرة وغيرهم، وقد كنت حريصاً على أن أجد ما يدل على سلامتهما من عقائد المتكلمين واتباعهما في العقيدة ما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة رضي الله عنهم ومن سلك سبيلهم في إثبات أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق بكماله وجلاله إثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل؛ كما قال الله عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، فقد أثبت لنفسه السمع والبصر في قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، ونزه نفسه عن مشابهة غيره له في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وقد وجدت بحمد الله الضالة المنشودة والبغية المطلوبة.

أما الحافظ النووي فقد وجدت له مؤلفا اسمه «جزء فيه ذكر اعتقاد السلف في الحروف والأصوات» طبع في عام 1429هـ بتحقيق محمد بن عبداللطيف محمد الجمل، وقد جاء في ختام هذا الجزء (ص91): «اللهم اجعله شاهدا لنا لا علينا، ووفقنا وسائر أحبابنا لمرضاتك، وأمتنا على هذا المعتقد معتقد الصحابة والتابعين والمشايخ والصالحين، إنك على ما تشاء قدير، واجمع بيننا وبين مشايخنا ومن أحببناه وأحبنا في دار كرامتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، ثم قال المصنف رحمه الله: فرغنا من نسخه الخميس الثالث من شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين وستمائة»، وكانت وفاة النووي رحمه الله كما في العبر للذهبي في الرابع والعشرين من شهر رجب سنة 676هـ، أي أن المدة بين الانتهاء من تأليف الكتاب ووفاته تقل عن خمسة أشهر.

قال النووي رحمه الله في مطلع كتابه «جزء فيه ذكر اعتقاد السلف في الحروف والأصوات» (ص27): «أما بعد، فلما ظهرت الشكوك والشبهات، وكثرت المطاعن والتمويهات، وانتشرت مقالة ذوي الأهواء والتعصبات، وعمت بها البلوى في جميع الأقطار والجهات، سألني من إجابته من الواجبات، وإسعافه من أعظم المثوبات، أن أجمع له زبد أقوال المتقدمين وغاية ما عولوا عليه من الاعتقاد في الحروف والأصوات، وما نقل عنهم في ذلك من الاختلافات، والتنصيص على ما ذهب إليه علماء الشرع ونقلة الأحاديث الثقات»، وقال في (28): «ويشمل هذا المختصر على قسمين:

القسم الأول: في ذكر ما ننقله عن الشيخ الجليل الإمام المتقن الحافظ الأوحد فخر الدين أبي العباس أحمد بن الحسن بن عثمان بن الأرموي الشافعي رضي الله عنه فيما صنفه في كتابه الموسوم بـ«غاية المرام في مسألة الكلام».

والقسم الثاني: فيما وضعته في كتابنا الموسوم بكتاب التبيان».

قال أبو العباس بن الأرموي في (ص38): «مسألة كلام الله ليس إلا الحروف والأصوات المفيدة لأمور الشرع المنزلة على النبي صلى الله عليه وسلم بنظم القرآن، وهو الموجود بين أظهرنا الذي نتلوه بألسنتنا ونحفظه أولادنا ونكتبه في مصاحفنا، وليس لله كلام سواه»، أقول: يريد بقوله: «وليس لله كلام سواه» الرد على الأشاعرة القائلين بأن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه.

وذكر (ص39) أن هذا هو الذي عليه العلماء كالشافعي وأحمد وحماد بن زيد وحماد بن سلمة ويزيد بن هارون وعبدالرحمن بن مهدي وإسماعيل بن علية وسفيان بن عيينة ويوسف بن الماجشون وغير هؤلاء من الأئمة والسادات من كبار العلماء والمحدثين، ممن يضيق هذا المختصر عن ذكرهم وتعدادهم.

ثم قال: (ص39): «وذهب أبو الحسن الأشعري وأتباعه كأبي إسحاق الإسفراييني وأبي بكر بن فورك، وأبي بكر الباقلاني، وأبي القاسم القشيري، وأبي القاسم الإسفراييني، وأبي محمد الجويني وأبي سهل الصعلوكي وغيرهم إلى أن هذه الحروف والأصوات التي نتلوها ويحفظها أولادنا ونرجع إليها في حلالنا وحرامنا المنزلة على النبي صلى الله عليه وسلم بنظم القرآن محدثة وإنها عبارة ودلالة على الكلام القديم ولم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم كلام قديم»، أقول: انتهى أمر أبي محمد الجويني والد إمام الحرمين إلى الرجوع إلى اعتقاد أهل السنة والجماعة كما هو مثبت في رسالة له في ذلك ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، وهي الرسالة الثامنة من الجزء الأول من هذا المجموع.

ثم قال في نصرة القول الحق ورد الباطل: «ووجه البرهان على ما ادعيناه أن نقول كلام الله تعالى منزل، والمنزل ليس إلا الحرف والصوت ينتج أن كلام الله هو الحرف والصوت، فإذا أثبتنا أن كلام الله هو الحرف والصوت وذكرنا الدليل على المقدمات ثبت كونه قديماً بالإجماع»، أقول: لا يقال إن كلام الله الذي لا ينحصر كله قديم، والحق أن كلامه قديم النوع حادث الآحاد، فهو سبحانه متكلم بلا ابتداء ويتكلم بلا انتهاء؛ لأنه سبحانه وتعالى لا بداية له فلا بداية لكلامه ولا نهاية له فلانهاية لكلامه؛ ونتيجة ذلك أنه لا حصر لكلامه، وقد كلم موسى فسمع موسى كلامه، ويكلم أهل الجنة إذا دخلوا الجنة فيسمعون كلامه، وقد جاء في القرآن آيتان تدلان على أن كلام الله لا ينحصر؛ وهما قول الله عز وجل في سورة الكهف: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}، وقوله في سورة لقمان: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، ثم ذكر أدلة من القرآن والسنة والإجماع على كون القرآن منزلا (ص40ــ51).

ثم قال (ص51): «والعجب أن كتب الأشاعرة مشحونة بأن كلام الله منزل على نبيه، ومكتوب في المصاحف، ومتلو بالألسنة على الحقيقة، ثم يقولون: المنزل هو العبارة، والمكتوب غير الكتابة، والمتلو غير التلاوة، ويشرعون في مناقضات ظاهرة وتعقبات باردة ركيكة»، إلى أن قال: «وسنبين في خاتمة الكتاب حقيقة الكلام في هذه المباحثات إن شاء الله تعالى، يُعلم بما ذكرنا في الآيات والأخبار المتضمنة إجماع الصحابة وإجماع غيرهم من العلماء والعقلاء أن كلام الله القديم منزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم حقيقة لا مجازاً، والمنزل ليس إلا الحرف والصوت إما بالإجماع أو لاستحالة نزول المعنى القائم، فتعين أن يكون الحرف والصوت هو كلام الله ضرورة انعقاد الإجماع على تحققه ونزوله، ويلزم من ذلك قدمه في الإجماع»، أقول: جاء في اثناء كلامه الإشارة إلى أن الكتابة هي المكتوب والتلاوة هي المتلو، وهذا صحيح إذا أريد به أن لفظ القرآن قد يأتي مرادا به القراءة؛ كما في قوله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} أي القراءة، وقوله: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} أي قراءته، وقال صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم» رواه النسائي (1015) بإسناد صحيح، والمعنى زينوا القراءة بأصواتكم، ولا يقال: إن تلاوة القارئ وما يتلوه شيء واحد؛ لأن المتلو كلام الله، والتلاوة فعل القارئ، ولهذا يأتي في كلام بعض السلف: (الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري)، ويقال مثل ذلك في الفصل الذي عقده في (ص72) فقال في أوله: «فصل في أن القراءة هي المقروء وأن الكتابة هي المكتوب»، ثم ذكر اعتراضات كثيرة من الأشاعرة على مذهب أهل السنة من (ص51ــ57)، ثم ذكر عشرين وجها لبيان أن المنزل هو الحروف وليس المعنى القائم بالنفس إلى (ص64)، ثم أجاب على اعتراضات الأشاعرة إلى (ص67)، ثم ذكر فصلا في (ص68) في إثبات الحرف لله عز وجل استدل له من القرآن، وقال: «والكلمات هي الحروف المتآلفة المفيدة، وقال تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً}، قال الأصمعي والفراء وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهم من أهل اللغة: التأكيد بالمصدر يدل على ارتفاع الواسطة، فثبت أنه يقال: كلم موسى بكلام سمعه بحاسة أذنه، ولذلك امتن الله عليه في قوله: {إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي}، فلولا أنه سمع كلامه وإلا لم يكن للتخصيص فائدة»، ثم ذكر فصلا (ص69) في إثبات الصوت لله تعالى، قال في أوله: «ينطق الكتاب العزيز بذلك في مواضع: منها في سورة القصص {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ}، وفي سورة النمل {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ}، وفي طه {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ}، والنداء لا يكون إلا بصوت عند جميع أهل اللغة، وكذلك قوله تعالى: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى}، والاستماع لا يكون إلا لصوت مسموع، وكذلك قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}، {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا}، والنداء بالإجماع لا يكون إلا بصوت»، إلى أن ذكر في (ص70) حديث عبدالله بن أنيس مرفوعا: «يحشر العباد يوم القيامة فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان»، أقول: أخرجه الحاكم في المستدرك في موضعين (2/438) (4/574) وصححه وأقره الذهبي وحسَّنة الحافظ في الفتح (1/174) والألباني في صحيح الأدب المفرد (746)، ثم ذكر فصلا (ص79) في أن كلام الله مسموع، والمسموع ليس إلا هذه الحروف والأصوات، فتكون هي كلام الله حقيقة، وإذا كانت هي كلام الله حقيقة لا يكون غيرها كلام الله ضرورة؛ لأن كلام الله أحد الشيئين، وليس هو ذلك الذي هو غيره، فينبغي المصير إلى هذا في الصفات.

ثم ختم النووي رحمه الله ما نقله عن أبي العباس الأرموي رحمه الله بفصل نفيس (ص80ــ82) ذكر فيه عقيدة السلف في الصفات فقال: «فصل في أحاديث تؤكد القول بهذا المعتقد وتؤيده على هذا التنزيه الذي عليه أئمة الإسلام حشرنا الله على معتقدهم وأماتنا على محبة السلف الصالحين والأئمة المهديين رضي الله عنهم أجمعين»، إلى أن قال: «ونؤمن بجميع أحاديث الصفات لا نزيد على ذلك شيئاً ولا ننقص منه شيئاً كحديث قصة الدجال وقوله فيه: «وإن ربكم ليس بأعور»، وكحديث النزول إلى السماء الدنيا، وكحديث الاستواء على العرش، وإن القلوب بين أصبعين من أصابعه، وإنه يضع السماوات على إصبع و الأرضين على إصبع، ونقول بتصديق حديث المعراج وبصحيح ما فيه من الروايات وندين أن الله مقلب القلوب، وما أشبه هذه الأحاديث جميعها كما جاءت بها الرواية من غير كشف عن تأويلها، وأن نمرها كما جاءت، وأن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ونقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}، وأن الله يقرب من عباده كيف شاء لقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}، وقوله: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}، وأشباه ذلك من آيات الصفات، ولا نتأولها ولا نكشف عنها بل نكف عن ذلك كما كف عنه السلف الصالح، ونؤمن بأن الله على عرشه كما أخبر في كتابه العزيز ولا نقول هو في كل مكان، بل هو في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه مكان كما قال: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}، وكما قال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، وكما جاء في حديث الإسراء إلى السماء السابعة: «ثم دنا من ربه» وكما في حديث سوداء أريدت أن تعتق فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أين ربك؟» فقالت: في السماء فقال : «أعتقها فإنها مؤمنة» وأمثال ذلك كثير في الكتاب والسنة، نؤمن بذلك ولا نجحد شيئا من ذلك، وقد روت الثقات عن مالك بن أنس أن سائلاً سأله عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، فقال: الاستواء غير مجهول، و الكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»، أقول: وما جاء في أثناء كلامه من ذكر دنو الرب وتدليه الصحيح خلافه وأن المراد به جبريل، ففي صحيح البخاري (3235) ومسلم (442) عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَأَيْنَ قَوْلُهُ {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}؟ قَالَتْ: «ذَاكَ جِبْرِيلُ» الحديث، قال ابن كثير في أول تفسير سورة الإسراء (8/376): «وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ الْبَيْهَقِيُّ فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ ــ يعني ابن أبي نمر ــ زِيَادَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم رأى الله عز وجل يَعْنِي قَوْلَهُ: «ثُمَّ دَنا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى» قَالَ وَقَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَمْلِهِمْ هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى رُؤْيَتِهِ جِبْرِيلَ أصح، وهذا الذي قاله البيهقي رحمه الله في هذه المسألة هو الحق، فَإِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» وَفِي رِوَايَةٍ: «رَأَيْتُ نُورًا» أخرجه مسلم، وقوله: {ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى} إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي صَحِيحِ مسلم عن أبي هريرة، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ بِهَذَا».

وقد تقدم أن فراغ النووي رحمه الله من نسخ الكتاب حصل قبل وفاته بأقل من خمسة أشهر، وذلك يوضح أن معتقده في آخر حياته هو ما عليه السلف من إثبات الصفات من غير تشبيه أو تأويل أو تعطيل، وأن ما جاء في كتبه من التأويل قد رجع عنه، رحمه الله وغفر له.

وأما الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله فيدل على سلامته في العقيدة ما جاء في أواخر شرحه فتح الباري من نقول عن السلف في صفات الله عز وجل فيها إثبات الصفات بدون تكييف أو تشبيه وتنزيه بلا تأويل أو تعطيل، وقد نقل في الفتح (13/507) في آخر شرحه لباب قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} كلاما نفيسا لأبي المظفر بن السمعاني قال فيه: «واستدلَّ أبو المظفر بن السمعاني بآيات الباب وأحاديثه على فساد طريقة المتكلِّمين في تقسيم الأشياء إلى جسم وجَوهر وعرض، قالوا فالجسمُ ما اجتمع من الافتراق والجوهر ما حمل العرض، والعرض ما لا يَقوم بنفسه، وجعلوا الرُّوح من الأعراض، وردُّوا الأخبارَ في خَلق الرُّوح قبل الجسد والعقل قبل الخلق، واعتمدوا على حَدْسهم وما يؤدِّي إليه نظرُهم، ثم يَعرضون عليه النصوصَ فما وافقه قبلوه وما خالفه ردُّوه، ثمَّ ساق هذه الآيات ونظائرَها من الأمر بالتبليغ، قال: وكان مِمَّا أمر بتبليغه التوحيد، بل هو أصلُ ما أمرَ به فلم يترك شيئاً من أمور الدِّين أصولَه وقواعدَه وشرائعَه إلَّا بلَّغه، ثمَّ لَم يَدْعُ إلى الاستدلال بما تَمسَّكوا به من الجوهر والعرض، ولا يوجد عنه ولا عن أحد من أصحابه من ذلك حرفٌ واحدٌ فما فوقه، فعُرف بذلك أنَّهم ذهبوا خلافَ مذهبهم وسلكوا غيرَ سبيلهم بطريق مُحدَث مُخترَع لم يكن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابُه رضي الله عنهم، ويلزم من سلوكه العودُ على السلف بالطعن والقَدْح، ونسبتهم إلى قلَّة المعرفة واشتباه الطرق، فالحذر من الاشتغال بكلامهم والاكتراث بمقالاتهم؛ فإنَّها سريعةُ التهافت كثيرةُ التناقض، وما من كلام تَسمعه لفرقة منهم إلَّا وتَجدُ لخصومهم عليه كلاماً يوازنه أو يقاربه، فكلٌّ بكلٍّ مقابل، وبعضٌ ببعضٍ مُعارَض، وحسبُك من قبيح ما يلزم من طريقتهم أنَّا إذا جَرينا على ما قالوه وألزمنا الناسَ بما ذكروه لزِم مِن ذلك تكفيرُ العوَام جميعاً؛ لأنَّهم لا يعرفون إلَّا الاتِّباعَ المجرَّد، ولو عُرض عليهم هذا الطريق ما فهمه أكثرُهم فضلاً عن أن يصير منهم صاحب نظر، وإنَّما غاية توحيدهم التزامُ ما وجدوا عليه أئمَّتَهم في عقائد الدِّين والعضُّ عليها بالنواجذ، والمواظبة على وظائف العبادات وملازمة الأذكار بقلوبٍ سليمة طاهرة عن الشُّبَه والشكوك، فتراهم لا يَحيدون عما اعتقدوه ولو قُطِّعوا إرَباً إرَباً، فهنيئاً لهم هذا اليقين، وطوبى لهم هذه السلامة، فإذا كُفِّر هؤلاء وهم السواد الأعظم وجمهور الأمَّة، فما هذا إلَّا طَيُّ بِساط الإسلام وهدمُ مَنَار الدِّين، والله المستعان».

أقول: وما جاء في كلام أبي المظفر من ذِكر خلق العقل قبل الخلق فيه نظر؛ قال ابن القيم في كتابه المنار المنيف (ص:50): «ونحن ننبِّه على أمور كليَّة يُعرف بها كون الحديث موضوعاً» إلى أن قال (ص:66): «ومنها أحاديث العقل، كلُّها كذب … وقال أبو الفتح الأزدي: لا يصحُّ في العقل حديث، قاله أبو جعفر العقيلي وأبو حاتم ابن حبان، والله أعلم».

وقال في الفتح (13/504): «وقد احتج أحمد بن حنبل بهذه الآية ــ يعني قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} ــ على أن القرآن غير مخلوق لأنه لم يرد في شيء من القرآن ولا من الأحاديث أنه مخلوق ولا ما يدل على أنه مخلوق ثم ذكر عن الحسن البصري أنه قال لو كان ما يقول الجعد حقا لبلغه النبي صلى الله عليه وسلم»، أقول: والجعد بن درهم هو مؤسس مذهب الجهمية، ونسب الجهمية إلى الجهم بن صفوان لأنه هو الذي أظهر هذا المذهب الباطل ونشره، وأقول كما قال الحسن البصري رحمه الله: لو كان ما يقوله الأشاعرة وغيرهم من المتكلمين حقا لبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم.

ونقل في الفتح (13/407) نقولا عن جماعة من السلف في إثبات الصفات من غير تشبيه أو تحريف أو تعطيل، وختم ذلك بكلام نفيس له؛ ومِمَّا قاله (13/407 ـ 408): «وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال: كان سفيان الثوري وشعبةُ وحماد بنُ زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحدِّدون ولا يشبِّهون، ويروُون هذه الأحاديث ولا يقولون كيف، قال أبو داود: وهو قولنا، قال البيهقي: وعلى هذا مضى أكابرُنا، وأسند اللاَّلكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال: اتفق الفقهاء كلُّهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي جاء بها الثقاتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرَّبِّ من غير تشبيه ولا تفسير، فمن فسَّر شيئاً منها وقال بقول جهم فقد خرج عمَّا كان عليه النَبِيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه وفارق الجماعةَ؛ لأنه وَصفَ الرَّبَّ بصفَة لا شيء، ومن طريق الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعيَّ ومالكاً والثوريَّ والليث ابنَ سعد عن الأحاديث التي فيها الصفة؟ فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف، وأخرج ابنُ أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبدالأعلى: سمعتُ الشافعيَّ يقول: لله أسماء وصفاتٌ، لا يَسَع أحداً رَدُّها، ومَن خالف بعد ثبوت الحجَّة عليه فقد كفر، وأمَّا قبل قيام الحجة فإنَّه يُعذر بالجهل؛ لأنَّ عِلمَ ذلك لا يُدرَك بالعقل ولا الرؤية والفكر، فنثبتُ هذه الصفات، ونَنفي عنه التشبيهَ، كما نفَى عن نفسه فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وأسند البيهقيُّ بسند صحيح عن أحمد بن أبي الحواري، عن سفيان بن عيينة قال: كلُّ ما وَصف الله به نفسَه في كتابه فتفسيرُه تلاوتُه والسكوتُ عنه، ومن طريق أبي بكر الضُّبَعي قال: مذهبُ أهل السنة في قوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال: بلا كيف، والآثارُ فيه عن السلف كثيرة، وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل، وقال الترمذي في الجامع عَقب حديث أبي هريرة في النُزول: وهو على العرش كما وصفَ به نفسه في كتابه، كذا قال غيرُ واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات، وقال في باب فضل الصدقة: قد ثبتت هذه الروايات فنؤمن بها ولا نتَوهَّم، ولا يُقال كيف، كذا جاء عن مالك وابن عُيينة وابن المبارك أنَّهم أَمَرُّوها بلا كيف، وهذا قولُ أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأمَّا الجهميَّةُ فأنكروها، وقالوا هذا تشبيهٌ. وقال إسحاق بن راهويه: إنَّما يكون التشبيهُ لو قيل يدٌ كيَدٍ، وسَمعٌ كسمعٍ، وقال في تفسير المائدة: قال الأئمةُ: نؤمن بهذه الأحاديث من غير تفسير، منهم: الثوري ومالك وابن عيينة وابن المبارك، وقال ابن عبدالبر: أهلُ السُّنَّة مُجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسُّنَّة، ولم يُكَيِّفوا شيئاً منها، وأمَّا الجهميَّةُ والمعتزلةُ والخوارجُ فقالوا: مَن أقرَّ بها فهو مشبِّهٌ، فسمَّاهم مَن أقَرَّ بها مُعَطِّلةً، وقال إمام الحرمين في الرسالة النظامية: اختلفت مسالكُ العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضُهم تأويلَها، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يَصحُّ من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويضِ معانيها إلى الله تعالى، والذي نرتضيه رأياً ونَدين الله به عقيدةً اتِّباع سلف الأمَّة؛ للدَّليل القاطع على أنَّ إجماعَ الأمَّة حُجةٌ، فلو كان تأويلُ هذه الظواهر حتماً لأوشكَ أن يكون اهتمامُهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرُ الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتَّبَع. انتهى.

ثم قال الحافظ: «وقد تقدَّم النقلُ عن أهل العصر الثالث وهم فقهاءُ الأمصار، كالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومَن عاصرهم، وكذا مَن أخذ عنهم من الأئمة، فكيف لا يُوثَق بما اتَّفق عليه أهلُ القرون الثلاثة، وهم خيرُ القرون بشهادة صاحبِ الشريعة».

أقول: وما جاء في كلام الجوينِي من أنَّ السَّلف يُفوِّضون معاني الصفات إلى الله عزَّ وجلَّ غير صحيح؛ فإنَّهم يُفوِّضون في الكيف، ولا يُفوِّضون في المعنى، كما جاء عن مالك رحمه الله، فقد سُئل عن كيفية الاستواء؟ فقال: «الاستواء معلومٌ، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».

وقول الحافظ ابن حجر رحمه الله بعد نقله عن كثير من السلف العقيدة الصحيحة في الصفات: «وقد تقدَّم النقلُ عن أهل العصر الثالث وهم فقهاءُ الأمصار، كالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومَن عاصرهم، وكذا مَن أخذ عنهم من الأئمة، فكيف لا يُوثَق بما اتَّفق عليه أهلُ القرون الثلاثة، وهم خيرُ القرون بشهادة صاحبِ الشريعة» أقول: قوله هذا يدل على سلامته فيما يغلب على الظن في العقيدة وأنه يسلك مسلك السلف في ذلك، لاسيما وأن كلامه هذا جاء في أواخر شرحه فتح الباري.

وأسأل الله عز وجل لهذين الحافظين النووي والعسقلاني المغفرة والرحمة وأن يجزل لهما المثوبة على ما خلفاه من تراث علمي عظيم، نفعه لطلاب العلم عميم، وأن يصلح أحوال المسلمين ويوفقهم للفقه في الدين والثبات على الحق، إنه سميع مجيب.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

الاشاعرة يدعون ان ابن حجر أشعري، وبيان خطأهم

ادعى قوم أن ابن حجر كان أشعري المذهب وهذا قول بلا دليل، وأنا لا أعلم أن ابن حجر نص على مثل ذلك ولا أذكر أنه أحال لمن يريد اتباع السنة أن يلتحق بالمذهب الأشعري. ونقول لهم:
1) إن ابن حجر نقد مبدأ القصد والنظر اللذان هما عند الأشعرية أول الواجب على المكلف” فقال  (1) هو من أصول مذهب المعتزلة بقي من جملة ما بقي عند الأشاعرة  (2) .
– لقد سطر الحافظ ابن حجر اعتراف أبي جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة وكبارهم بأن هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب”  (3) . ولو قال: “من أصحابنا” لكان دليلا على أنه أشعري.
– وسفه أبو المظفر بن السمعاني هذا المبدأ الاعتزالي ووصفه بأنه قول مبتدع لم يعرفه السلف الذين كان أول الواجب عندهم الإتيان بالشهادتين  (4) .
2) أن الحافظ ابن حجر أظهر حقيقة الخلاف العقائدي بين أحمد والأشاعرة فقال – هو والزبيدي – أن أحمد تمسك بأن الله يتكلم بصوت، وهو ما أثبته أبو الفضل التميمي في روايته عن أحمد، بينما قالت الأشاعرة إن الله يتكلم بلا حرف ولا صوت. وأثبتت الكلام النفسي  (5) . فأكد ابن حجر أن الكلام النفسي من عند الأشاعرة لا من عند أحمد.
وكان مما أعلنه الأشعري في توبته “أننا بما كان عليه الإمام قائلون ولمن خالف قوله مجانبون”  (6) .
فلما أذعن الأشعري للحق أعلن أن الحق ما كان عليه أحمد وأنه سيتبعه وعلى الناس اتباع أحمد ولم يقل للناس كونوا أشاعرة.
يؤكد ذلك أن لأحمد كتاب مشهور وهو (الرد على الجهمية فيما تأولته من القرآن على غير تأويله) وأثبت الحافظ ابن حجر نسبته إليه  (7) . فأثبت لأهل السنة تأويلا وأثبت للجهمية تأويلات مخالفة لهم هي في الحقيقة تحريفات يتبناها الأشاعرة اليوم كتحريف معنى اليد بالقدرة والاستواء بالاستيلاء والنزول بنزول الأمر أو نزول الملك بأمره.
– وما أورده السبكي عن أحمد أنه قال: “لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نتجاوز القرآن والحديث”  (8) وما نص عليه الزبيدي أن “المفهوم من ظاهر مذهب أحمد عدم التأويل على الإطلاق وأن الشافعي ومالك وأحمد اختاروا عدم التأويل للمتشابهات”  (9) وصرح به الشيخ محمد بن درويش الحوت أن “سيدنا أحمد يمنع التأويل” وصرح أن التأويل مذهب المعتزلة  (10) .
3) أن ابن حجر كان دائم التحذير من مسلك الخلف في التأويل الذي عليه الأشاعرة فيقول “وليس من سلك طريق الخلف واثقا بأن الذي يتأوله هو المراد ولا يمكنه القطع بصحة تأويله” وتكرر قوله بأن “صاحب التأويل ليس جازماً بتأويله”. واحتج المرتضى الزبيدي بهذه العبارة  (11) .
قال: “وقد توسع من تأخر عن القرون الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرها. ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه ولو كان مستكرها. ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو من أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل… فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف”  (12) .  (13)

وقد ادعى قوم أن ابن حجر كان أشعري المذهب وهذا قول بلا دليل، وأنا لا أعلم أن ابن حجر نص على مثل ذلك ولا أذكر أنه أحال لمن يريد اتباع السنة أن يلتحق بالمذهب الأشعري. ونقول لهم:1) إن ابن حجر نقد مبدأ القصد والنظر اللذان هما عند الأشعرية أول الواجب على المكلف” فقال هو من أصول مذهب المعتزلة بقي من جملة ما بقي عند الأشاعرة .- لقد سطر الحافظ ابن حجر اعتراف أبي جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة وكبارهم بأن هذه المسألة من مسائل المعتزلة بقيت في المذهب” . ولو قال: “من أصحابنا” لكان دليلا على أنه أشعري.- وسفه أبو المظفر بن السمعاني هذا المبدأ الاعتزالي ووصفه بأنه قول مبتدع لم يعرفه السلف الذين كان أول الواجب عندهم الإتيان بالشهادتين .2) أن الحافظ ابن حجر أظهر حقيقة الخلاف العقائدي بين أحمد والأشاعرة فقال – هو والزبيدي – أن أحمد تمسك بأن الله يتكلم بصوت، وهو ما أثبته أبو الفضل التميمي في روايته عن أحمد، بينما قالت الأشاعرة إن الله يتكلم بلا حرف ولا صوت. وأثبتت الكلام النفسي . فأكد ابن حجر أن الكلام النفسي من عند الأشاعرة لا من عند أحمد.وكان مما أعلنه الأشعري في توبته “أننا بما كان عليه الإمام قائلون ولمن خالف قوله مجانبون” .
فلما أذعن الأشعري للحق أعلن أن الحق ما كان عليه أحمد وأنه سيتبعه وعلى الناس اتباع أحمد ولم يقل للناس كونوا أشاعرة.يؤكد ذلك أن لأحمد كتاب مشهور وهو (الرد على الجهمية فيما تأولته من القرآن على غير تأويله) وأثبت الحافظ ابن حجر نسبته إليه . (أنظر الفتح 13/ 493) فأثبت لأهل السنة تأويلا وأثبت للجهمية تأويلات مخالفة لهم هي في الحقيقة تحريفات يتبناها الأشاعرة اليوم كتحريف معنى اليد بالقدرة والاستواء بالاستيلاء والنزول بنزول الأمر أو نزول الملك بأمره.- وما أورده السبكي عن أحمد أنه قال: “لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه ووصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نتجاوز القرآن والحديث” وما نص عليه الزبيدي أن “المفهوم من ظاهر مذهب أحمد عدم التأويل على الإطلاق وأن الشافعي ومالك وأحمد اختاروا عدم التأويل للمتشابهات” وصرح به الشيخ محمد بن درويش الحوت أن “سيدنا أحمد يمنع التأويل” وصرح أن التأويل مذهب المعتزلة .3) أن ابن حجر كان دائم التحذير من مسلك الخلف في التأويل الذي عليه الأشاعرة فيقول “وليس من سلك طريق الخلف واثقا بأن الذي يتأوله هو المراد ولا يمكنه القطع بصحة تأويله” وتكرر قوله بأن “صاحب التأويل ليس جازماً بتأويله”. واحتج المرتضى الزبيدي بهذه العبارة .قال: “وقد توسع من تأخر عن القرون الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرها. ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه ولو كان مستكرها. ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو من أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل… فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف” .
موقف ابن حزم من المذهب الأشعري لعبد الرحمن دمشقية – ص15

الأشاعرة يتهورون ويزعمون أن ابن كثير أشعري

الإمام الحافظ المفسر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير “774هـ”:
ادعى المؤلفان  (56) أن الحافظ ابن كثير كان أشعرياً، واستدلا على ذلك بما ورد في (الدرر الكامنة) في ترجمته إبراهيم بن محمد بن قيم الجوزية ما نصه: “ومن نوادره أنه وقع بينه وبين عماد الدين ابن كثير منازعة في تدريس الناس، فقال له ابن كثير: أنت تكرهني لأنني أشعري، فقال له: لو كان من رأسك إلى قدمك شعر ما صدقك الناس في قولك أنك أشعري وشيخك ابن تيمية”  (57) ا هـ.
وهذه الحكاية لم يذكر ابن حجر من حدثه بها، هذا أولاً.
وثانياً: أنه على فرض صحتها فإن ظاهرها يبطل هذه الدعوى، لأن إبراهيم بن قيم الجوزية لم يصدقه في ما ذكر من الدعوى، لكون شيخه هو ابن تيمية، وهو المعروف بالرد على الأشاعرة وإبطال معتقداتهم التي خالفوا فيها الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، وهذا أمر ظاهر، فكيف يكون تلميذ من طال كلامه في الانتصار لمذهب السلف، وأوذي في ذلك حتى اجتمع عليه الأشاعرة وسجنوه مرات عدة، كيف يكون تلميذ هذا أشعرياً، هذا تأباه العادة.
ولذا فإنك تجد ابن كثير لا يذكر شيئاً من كلام ووقائع ابن تيمية في البداية والنهاية إلا ويقول: “قال شيخنا العلامة”، و”كان شيخنا العلامة”، وربما قال: “جهبذ الوقت شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية)، وقال مرة: “سمعت شيخنا تقي الدين ابن تيمية وشيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول كل منهما للآخر: هذا الرجل قرأ مسند الإمام أحمد، وهما يسمعان، فلم يضبط عليه لحنة متفقاً عليها، وناهيك بهذين ثناء على هذا وهما هما”. ونحو ذلك مما يدل على تعظيمه له. ومن المستبعد جداً، أن يصفه بهذا الوصف، وهو مخالف له في أعظم الأمور، كأمور المعتقد.
وقد ساق ابن كثير في تاريخه كثيراً من وقائع شيخ الإسلام ابن تيمية مع مخالفيه من الأشاعرة، ومن أشهر ذلك: المناظرات التي جرت بينه وبينهم في عقيدته المسماة بـ”الواسطية”.
وانتصر له في “تاريخه” فقال: “أول المجالس الثلاثة لشيخ الإسلام ابن تيمية: وفي يوم الاثنين ثامن رجب حضر القضاة والعلماء وفيهم الشيخ تقي الدين بن تيمية عند نائب السلطنة بالقصر،وقرئت عقيدة الشيخ تقي الدين “الواسطية”، وحصل بحث في أماكن منها، وأخرت مواضع على المجلس الثاني.
فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور وحضر الشيخ صفي الدين الهندي، وتكلم مع الشيخ تقي الدين كلاما كثيراً، ولكن ساقيته لاطمت بحراً،… ثم انفصل الحال على قبول العقيدة، وعاد الشيخ إلى منزله معظماً مكرماً…
وكان الحامل على هذه الاجتماعات كتاب ورد من السلطان في ذلك، كان الباعث على إرساله قاضي المالكية ابن مخلوف، والشيخ نصر المنبجي شيخ الجاشنكير وغيرهما من أعدائه… وكان للشيخ تقي الدين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له، ومحبتهم له، وكثرة أتباعه، وقيامه في الحق، وعلمه وعمله…
ثم عقد المجلس الثالث في يوم سابع شعبان بالقصر، واجتمع جماعة على الرضى بالعقيدة المذكورة… ثم جاء كتاب السلطان في السادس والعشرين من شعبان… وفي الكتاب: إنا كنا سمعنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدين بن تيمية، وقد بلغنا ما عقد له من المجالس، وأنه على مذهب السلف وإنما أردنا بذلك براءة ساحته مما نسب إليه”  (58) ا هـ.
وقد أطال ابن كثير في ذكر هذه الأحداث منتصراً لشيخه ابن تيمية.
ومعلوم ما في “العقيدة الواسطية” مما يخالف مذهب الأشاعرة في الصفات، والقدر، والقرآن والإيمان، والنبوات، والكرامات، وغير ذلك من أبواب الاعتقاد.
أما التحقيق العلمي في معتقدات الأئمة، فليس بالقصص والحكايات، كما سبق أن ذكرنا، وإنما بالنصوص البينة التي سطروها في كتبهم.
ومن المعلوم أن من أشهر مؤلفات ابن كثير هو “تفسيره”، وقد سطر فيه معتقده واضحاً جليا، ولذلك أعرض المؤلفان عن ذكره إلا في موضع واحد، ولعل ذلك لما علما من إبطاله لدعواهما في أشعريته.
وله رحمه الله باسم “الاعتقاد” أبان فيها عن معتقده فقال ما لفظه: “فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضا والسخط والحب والبغض والفرح والضحك، وجب اعتقاد حقيقة ذلك من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من غير إضافة، ولا زيادة عليه، ولا تكييف، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا إزالة لفظ عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك”  (59) ا هـ.
وهذا كلام صريح في إثباته لصفات الله تعالى على الحقيقة، ومنعه من تأويلها، أو تغييرها، أو تشبيهها بصفات خلقه. ولم يفرق بين صفة وأخرى.
وأنا أسوق بعض نصوصه في تقرير المعتقد، ليعلم أنه مباين للأشاعرة:
قال في تفسير قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54]: “وأما قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً، ليس هذا موضع بسطها، وإنما سلك في هذا المقام مذهب السلف الصلاح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهم،من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11]، بل الأمر كما قال الأئمة – منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري-: “من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله”، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى”  (60) ا هـ.
وهذا ظاهر في أنه موافق للسلف في إمرار الصفات كما جاءت من غير تعرض لها بتأويل، ولا تحريف، ومن غير اعتقاد تشبيه ولا تمثيل، وأن إثباتها على ظاهرها لا يستلزم التشبيه، كما نقله عن نعيم بن حماد.
وقال في آخر كلامه: أن سبيل الهدى هو وصف الله بها على الوجه اللائق به. وهذا صريح في بطلان دعوى أشعريته، إذ أن الأشاعرة يتسلطون عليها بالتأويل، ولا يثبتون ظاهرها اللائق بالله، بل يدعون أن ظاهرها يستلزم التشبيه. وقد بين أنها لا تستلزم التشبيه، وأن من فهم منها تشبيه الله بخلقه، وأنها كصفة المخلوق فهو مشبه، ولذلك قال: “والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه”. فخص هذا المفهوم السقيم بأنه لا يقع إلا من المشبهين، وهم الذين يفهمون من صفة الله ما هو صفة المخلوق.
ولما ذكر أئمة السنة والقدوة في مسائل الاعتقاد، لم يذكر منهم ابن كلاب والقلانسي والكرابيسي والحارث المحاسبي، ولا الأشعري، ولا أحداً من أصحابه. ويستحيل أن يكون أشعرياً ثم لا يعرج على أبي الحسن الأشعري فيمن يقتدي بهم.
وقال في قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: 39]: “قال أبو عمران الجويني: تربى بعين الله. وقال قتادة: تغذى على عيني. وقال معمر بن المثنى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي بحيث أرى”  (61) ا هـ.
وهذا إثبات العين لله تعالى، ولم يتعرض لها بتأويل ولا تعطيل.
وقال في قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 27]: “وهذه الآية كقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: 88]، وقد نعت الله تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف”  (62) ا هـ.
فتأمل إثباته لوجه الله تعالى، وأنه موصوف بالجلال والإكرام.
وقال في قوله تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]: “وَجَاء رَبُّكَ، يعني: لفصل القضاء بين خلقه… فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً”  (63) ا هـ.  (64)

الأشاعرة يتهورون ويزعمون أن البغوي المفسر أشعري

الإمام محيى السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي “516”:
عد المؤلفان  (45) الإمام البغوي من الأشاعرة، بلا تمحيص ولا تحقيق، ولا نقل من كتبه ومؤلفاته كعادتهم. وهي دعوى يكذبها ما سطره الإمام البغوي في كتبه، كتفسيره المسمى بـ”معالم التنزيل”، وكتابه الماتع العظيم (شرح السنة) والذي قرر فيه معتقد أهل السنة والجماعة، حيث عقد فيه فصلاً للرد على الجهمية الذين تأولون الصفات.
وقد ذكره ابن المبرد في ضمن من كان مجانباً للأشاعرة فقال: “ومنهم الإمام محيى السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن الفراء البغوي، كان مجانباً لهم”  (46) .
وأنا أنقل بعض كلامه في المعتقد لتتبين لنا حقيقة دعوى أشعريته:
قال في (شرح السنة): “باب بيان أن الأعمال من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، والرد على المرجئة…” – ثم ساق الآيات والأحاديث الدالة على ذلك ثم قال: “اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان…” – ثم قال: “وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء الحديث بالنقصان في وصف النساء….” – إلى أن قال: “واتفقوا على تفاضل أهل الإيمان في الإيمان وتباينهم في درجاته”  (47) ا هـ.
وهذا يخالف كما هو معلوم معتقد الأشاعرة من أن الإيمان هو التصديق، وأنه لا يزيد ولا ينقص.
وساق أحاديث الأصابع لله عز وجل ثم قال: “والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، واليدين، والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح…”  – ثم ساق الأدلة عليها ثم قال: “فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع، ويجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضاً عن التأويل، مجتنباً عن التشبيه، معتقداً أن الباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11]، وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعاً بالقبول والتسليم، وتجنبوا فيها التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله عز وجل…” – ثم ساق آثار السلف  (48) ا هـ.
وفي باب الرد على الجهمية: ذكر حديث “إنه لفوق سماواته على عرشه، وإنه عليه لهكذا – وأشار وهب بيده – مثل القبة عليه”، وأشار أبو الأزهر أيضاً” “إنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب”، ثم نقل كلام الخطابي وتأويله للحديث الصفة، ثم قال معلقاً: “والواجب فيه وفي أمثاله: الإيمان بما جاء في الحديث، والتسليم، وترك التصرف فيه بالعقل، والله الموفق”  (49) ا هـ.
فتأمل إثباته لصفات الله تعالى، وأن الواجب إجراؤها على ظاهرها، مع نفي التشبيه عنها، ومنع التأويل فيها، وتقريره أن إثباتها لله لا يستلزم التشبيه، كإثبات الذات.
وتأمل منعه من الخوض فيها بالعقول تأويلاً، وتحريفاً، بعد أن نقل كلام الخطابي.
وأما قوله: “ووكلوا العلم فيها إلى الله عز وجل”، فالمراد به علم حقيقة ما هي عليه، وكنهها، وكيفيتها، وإلا لم يكن لقوله “وإمرارها على ظاهرها” معنى، فإن الإمرار على الظاهر، هو حملها على ما دل عليه لفظها من المعنى المعروف لغة مع نفي التشبيه، وليس المراد بالظاهر: تنزيلها وكونها في القرآن، إذ لا ينكر هذا أحد ولا يمتري فيه.
ويقال أيضاً: لو كان كذلك لم يقل “إمرارها على ظاهرها” إذ يكون ظاهرها مجهولاً غير معلوم، فكيف يأمر بإمراره.
وقال في تفسيره “معالم التنزيل” في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء [البقرة: 29]: “ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء، قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء”  (50) ا هـ.
وقال في قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ [البقرة: 210]، “والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها، ويكل علمها إلى الله تعالى، ويعتقد أن الله عز اسمه منزه عن سمات الحدث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة”  (51) ا هـ.
وقال في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54]: “قال الكلبي ومقاتل: استقر. وقال أبو عبيدة: صعد وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة لله تعالى، بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله عز وجل. وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]، كيف استوى؟ فأطرق رأسه ملياً، وعلاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالاً. ثم أمر به فأخرج.
وروي عن سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن المبارك، وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة: “أمروها كما جاءت بلا كيف”  (52) ا هـ.
وقال في قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: 158]: “أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ بلا كيف، لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة”  (53) ا هـ.
وقال في قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: 64]: “ويد الله صفة من صفاته كالسمع، والبصر، والوجه، وقال جل ذكره: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلتا يديه يمين))  (54) ، والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم. وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: “أمروها كما جاءت بلا كيف”  (55) ا هـ.
هذا بعض كلامه في تقرير المعتقد، فوازن بينه وبين معتقد الأشاعرة، لترى البون الشاسع بينهما.

الأشاعرة يتهورون ويزعمون أن أبا نعيم الأصبهاني أشعري

الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني “430هـ”:
وهو ممن عده المؤلفان  (27) من الأشاعرة، اتباعاً لابن عساكر، وقد استدرك ذلك عليه ابن المبرد منتقداً إلحاقه له بالأشاعرة فقال: “ثم ذكر فيهم أبا نعيم الحافظ، وليس بمسلم له فيه، وهو اختلاف عليه”  (28) ا هـ.
وأنا أذكر بعض ما نقل عنه في المعتقد ليتبين لنا حقيقة هذا الدعوى:
قال في كتابه (محجة الواثقين ومدرجة الواقين) فيما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: “وأجمعوا أن الله فوق سمواته، عالْ على عرشه، مستو عليه، لا مستول عليه كما تقول الجهمية: أنه بكل مكان، خلافاً لما نزل في كتابه: أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك: 16]، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: 10]، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5]، له العرش المستوي عليه، والكرسي الذي وسع السماوات والأرض، وهو قوله وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة: 255]، وكرسيه جسم، والأرضون السبع والسماوات السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فلاة، وليس كرسيه علمه كما قالت الجهمية، بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه، كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده والملائكة صفاً صفاً كما قال تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]، وزاد النبي صلى الله عليه وسلم وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده فيغفر لمن يشاء من مذنبي الموحدين، ويعذب من يشاء، كما قال تعالى: يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء [آل عمران: 129]”  (29) ا هـ.
وقال الذهبي في (العلو): “قال الحافظ الكبير أبو نعيم أحمد بن عبدالله بن أحمد الأصبهاني مصنف “حيلة الأولياء” في كتاب (الاعتقاد) له: “طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة. ومما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملاً بجميع صفاته القديمة، لا يزول ولا يحول، لم يزل عالماً بعلم بصيراً ببصر سميعاً بسمع متكلماً بكلام، ثم أحدث الأشياء من غير شيء، وأن القرآن كلام الله، وكذلك سائر كتبه المنزلة، كلامه غير مخلوق، وأن القرآن في جميع الجهات مقروءاً ومتلواً ومحفوظاً ومسموعاً ومكتوباً وملفوظاً كلام الله حقيقة، لا حكاية ولا ترجمة، وأنه بألفاظنا كلام الله غير مخلوق، وأن الواقفة واللفظية من الجهمية، وأن من قصد القرآن بوجه من الوجوه يريد به خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية، وأن الجهمي عندهم كافر – إلى أن قال: وأن الأحاديث التي ثبتت في العرض واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه”  (30) ا هـ.
ونقل ابن القيم عنه قوله في عقيدته: “وإن الله سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء، فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر. ونزول الرب تعالى إلى سماء الدنيا بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأويل فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة العارفين على هذا.
ثم قال: وإن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، فالاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه سبحانه بائن من خلقه، وخلقه بائنون منه، بلا حلول، ولا ممازجة، ولا اختلاط، ولا ملاصقة، لأنه البائن الفرد من الخلق، والواحد الغني عن الخلق..- وقال أيضاً: طريقنا طريق السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة -، وساق ذكر اعتقادهم ثم قال: ومما اعتقدوه أن الله في سمائه دون أرضه وساق بقيته”  (31) ا هـ.