التعلق والمتعلقات عند الأشاعرة

التعلق والمتعلقات عند الأشاعرة

إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل الله فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

تقسيم الأشاعرة لصفات الله
يقسم الأشاعرة الصفات إلى أربعة أقسام :
1ـ صفات معاني .
2ـ الصفات المعنوية.
3 ـ الصفات السلبية .
4 ـ الصفة النفسية .

وصفات المعاني يعرفونها بأنها ما دل علي معنى وجودي قائم بالذات , وهي عندهم سبع صفات :
الحياة , والعلم , والقدرة , والإرادة , والبصر , والكلام , والسمع
ويقسمون صفات المعاني حسب تعلقها :

1ـ ما يتعلق بالممكنات فقط وهما صفتا الإرادة والقدرة , القدرة تعلقها تعلق إيجاد , والإرادة تعلقها تعلق تخصيص .
2ـ ما يتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات وهما صفتا العلم والكلام
3ـ ما يتعلق بالموجودات فقط , وهما صفتا السمع والبصر
4ـ ما لا يتعلق بشيء وهي صفة الحياة .

ومعنى التعلق عندهم هو طلب صفات المعاني أمراً زائداً علي قيامها بالذات يصلح لها .

الصفات الفعلية أو الاختيارية وموقف الأشاعرة منها
قال شيخ الإسلام عن مذهب المتكلمين كالأشاعرة والكلابية : يقولون هو متصف بالصفات التي ليس له عليها قدرة , ولا تكون بمشيئته ؛ فأما ما يكون بمشيئته ؛ فإنه حادث , والرب تعالى لا تقوم به الحوادث ويسمون الصفات الاختيارية بمسألة حلول الحوادث
فإنه إذا كلم موسى بن عمران بمشيئته وقدرته , وناداه حين أتاه بقدرته وبمشيئته كان ذلك النداء , والكلام حادثاً .
قالوا : فلو اتصف الرب به لقامت به الحوادث .
قالوا : ولو قامت به الحوادث لم يخل منها و ما لم يخل من الحوادث فهو حادث .
“مجموع الفتاوى “(6/220)
وبناء على ذلك التزم المتكلمون نفي صفات الله الفعلية والاختيارية و ترتب على هذه المسألة وهي إنكار قيام الصفات الاختيارية بالله عز وجل مسائل عدة منها إنكار أو تأويل كل صفة يفهم منها التجدد أو الاستمرارية لله عز وجل .
وفرارا من ذلك قال الأشاعرة بالتعلقات وقال الماتريدية بالتكوين والخلاف بينهم لفظي .
فقالوا بالفرق بين قيام الصفة بالله منذ الأزل وبين قيامها بالله بعد ذلك فقالوا إن إضافتها إلى الله ليست إضافة حقيقية وإنما هي إضافة نسبة وتعلق .
وقد قسموا التعلق إلى تعلق قديم صلوحي وتعلق تنجيزي حادث .
ويعنون بالأول قيام الصفة بالله سبحانه وتعالى منذ الأزل .
وبالثاني قيامها به بعد ذلك .
ومعنى التعلق عندهم هو طلب صفات المعاني أمراً زائداً علي قيامها بالذات يصلح لها .
والتعلق التنجيزي عندهم أمر إضافي أي ليس وجوديا،بل عدمي .
وقد عجزوا عن توضيح مسألة التعلقات حتى قال القرطبي : إن الخوض في تعلقات الصفات واختصاصاتها من تدقيقات الكلام، وإن العجز عن إدراكه غير مضر في الاعتقاد !.
والمراد بصفة التكوين عند الماتريدية صفات الفعل: وهي ما يرجع إلى التكوين من الصفات كالتخليق والترزيق والإحياء والإماتة .
فصفة التكوين هو أنه سبحانه يكون الأشياء فيخلق ويصور ويبريء ويحيي ويميت بقوله كن فيكون . وهذه الصفات من الخلق والرزق والإحياء والإماتة وغيرها، كلها تعلقات لهذه الصفة الأزلية .

نقد المتعلقات عند الأشاعرة
وهنا مسألة مهمة أن أهل السنة والجماعة يقولون بالتعلق ولكن الفرق بين أهل السنة والأشاعرة والماتريدية كما يلي :
التعلق معناه الارتباط بين شيئين مثلا بين الفعل والمفعول .
فأهل السنة يقولون التعلق وجودي أي حقيقي بين الفعل الصادر عن الفاعل وبين المفعول .
أما الأشاعرة فالتعلق عدمي أي مجرد نسبة وإضافة من غير تعلق حقيقي وهذه مسألة مهمة ينبغي أن يتنبه إليها طالب العلم .
وقد وضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال : الكلابية يقولون فى جميع هذا الباب المتجدد هو تعلق بين الأمر والمأمور وبين الإرادة والمراد وبين السمع والبصر والمسموع والمرئي فيقال لهم هذا التعلق إما أن يكون وجودا وإما أن يكون عدما فإن كان عدما فلم يتجدد شيء فإن العدم لا شيء وإن كان وجودا بطل قولهم .
وأيضا فحدوث تعلق هو نسبة وإضافة من غير حدوث ما يوجب ذلك ممتنع فلا يحدث نسبة وإضافة إلا بحدوث أمر وجودي يقتضى ذلك .
الفتاوى الكبرى (6|229)

قدمنا أن الأشاعرة يقسمون صفات المعاني من حيث متعلقها :

1ـ ما يتعلق بالممكنات فقط وهما صفتا الإرادة والقدرة , القدرة تعلقها تعلق إيجاد , والإرادة تعلقها تعلق تخصيص .
2ـ ما يتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات وهما صفتا العلم والكلام
3ـ ما يتعلق بالموجودات فقط , وهما صفتا السمع والبصر
4ـ ما لا يتعلق بشيء وهي صفة الحياة .

أولا : ما يتعلق بالممكنات فقط وهما صفتا الإرادة والقدرة , القدرة تعلقها تعلق إيجاد , والإرادة تعلقها تعلق تخصيص .
أ- يرى الأشاعرة أن قدرة الله تتعلق فقط بالممكنات ؛ وتعلقها تعلق إيجاد أو إعدام قال تعالى :{ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} ؛ والإرادة كذلك متعلقة بالممكنات وتعلقها تعلق تخصيص ؛ وهذه النقطة وافقهم عليها أهل السنة والجماعة في الجملة .
ب- كذلك وافق أهل السنة والجماعة الأشاعرة في أن قدرة الله لا تتعلق بالمستحيلات لأن المستحيل ليس بشيء على الصحيح ؛ ومن يظهر خطأ من يسأل مثلا هل يستطيع الله عز وجل أن يخلق إلها مثله ؟ ومثل هذا السؤال لا يصح أصلا لأن وجود آله آخر مستحيل وليس لأن الله عاجز عنه ولكن المستحيل ليس بشيء .
ت- بالنسبة لتعلق قدرة الله بالواجبات ؛ وجدت من أهل السنة من يوافقهم على أن قدرة الله لا تتعلق بالواجبات ووجه ذلك أن الواجب لا يوصف بالإيجاد والإعدام وأما من استدركها على الأشاعرة فمن باب أن الأشاعرة ينفون صفات الله الفعلية الاختيارية فهم يرون أنه لا تقوم به سبحانه فلو جعلوا القدرة متعلقة به سبحانه للزم من ذلك إثبات الصفات الاختيارية وهي التي تتعلق بقدرته من التكلم والنزول والمجيء إلخ والصواب أن يفصل في هذه المسألة على قاعدة أهل السنة في الأمور التي تحتمل حقا وباطلا فإن أريد بتعلق قدرة الله بالواجبات نفي الصفات الاختيارية فلا يسلم لهم بذلك .
ث- الأشاعرة يفرقون بين قيام قدرة الله في الأزل وبين تجددها؛ فالقدرة واحدة عندهم وهي تعلقها الصلوحي وأما التنجيزي بعد ذلك فهو عدمي مجرد نسبة وإضافة من غير تجدد أو استمرارية .
وما ذكرناه في القدرة هو نفسه في الإرادة مع التنبه أن الأشاعرة ينكرون الإرادة الشرعية وهي المتعلقة بالرضى والمحبة .
ثانيا :ما يتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات وهما صفتا العلم والكلام .
أ- وافق أهل السنة والجماعة الأشاعرة في أن علم الله وكلامه يتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات ؛ فالله يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون . وكذا كلامه فالله قد تكلم عن ذاته وصفاته وأسمائه وتكلم عن المخلوقات وتكلم عن المستحيلات .
ب- لكن الأشاعرة يفرقون بين اللفظ والمعنى فالقرآن مثلا عندهم هو دال على كلام الله النفسي .
ت- طبعا وينكرون قيام الكلام بالله أو أنه يتكلم متى شاء بما شاء كما هو معروف من مذهب أهل السنة .
ثالثا : ما يتعلق بالموجودات فقط , وهما صفتا السمع والبصر .
أ- وافق أهل السنة والجماعة الأشاعرة في أن السمع والبصر متعلق بالممكنات فالسمع متعلق بالمسموعات والبصر متعلق بالمبصرات .
ب – لكن الأشاعرة تفرق بين قيام هذه الصفات بالله منذ الأزل وبين قيامها بعد ذلك فمنذ الأزل تعلقها صلوحي وما بعد ذلك عند حدوث المسموعات والمبصرات تعلقها تنجيزي وهو غير حقيقي بل عدمي وهو فقط نسبة وإضافة ؛ فهم ينكرون في الحقيقة قيام هاتين الصفتين بالله تعالى ؛ وأهل السنة يقولون تعلقهما حقيقي وجودي أي يسمع ويبصر ويتجدد له السمع والبصر حسب ما يليق بجلاله .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وإنما المقصود هنا أنه إذا كان يسمع ويبصر الأقوال والأعمال بعد أن وجدت فإما أن يقال أنه تجدد وكان لا يسمعها ولا يبصرها فهو بعد أن خلقها لا يسمعها ولا يبصرها وإن تجدد شيء فإما أن يكون وجودا أو عدما فإن كان عدما فلم يتجدد شيء وإن كان وجودا فإما أن يكون قائما بذات الله أو قائما بذات غيره و الثاني يستلزم أن يكون ذلك الغير هو الذي يسمع ويرى فيتعين أن ذلك السمع والرؤية الموجودين قائم بذات الله وهذا لا حيلة فيه .
الكلابية يقولون في جميع هذا الباب المتجدد هو تعلق بين الأمر والمأمور وبين الإرادة والمراد وبين السمع والبصر والمسموع والمرئي فيقال لهم هذا التعلق إما أن يكون وجودا وإما أن يكون عدما فإن كان عدما فلم يتجدد شيء فإن العدم لا شيء وإن كان وجودا بطل قولهم .
وأيضا فحدوث تعلق هو نسبة وإضافة من غير حدوث ما يوجب ذلك ممتنع فلا يحدث نسبة وإضافة إلا بحدوث أمر وجودي يقتضى ذلك .
الفتاوى (6|229)

رابعا : ما لا يتعلق بشيء وهي صفة الحياة .
أ- وافق أهل السنة الأشاعرة في أن صفة الحياة لا تتعلق بشيء فهي صفة قائمة بالذات ولا تَعلُّق لها .
والحمد الله أولا وآخرا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

المصدر :الالوكة 

إضافة من الموضوع الاصل :
المسألة الأولى : الأشاعرة يجعلون الفعل هو المفعول في الصفات الفعلية كالخلق وغيرها , وليس في صفات الذات
قال شيخ الإسلام : و الجمهور المثبتون للصفات هم في الفعل على قولين
منهم من يقول لا يقوم به فعل و إنما الفعل هو المفعول و هذا قول طائفة منهم الأشعرى و من وافقه من أصحابه . انتهى

مجموع الفتاوى (16|374)
ومبحثنا هنا في الصفات الذاتية , وكلامي على التعلق بين الفعل والمفعول كان مجملا في بيان معتقد أهل السنة في التعلق والمتعلقات في الصفات الفعلية والذاتية وكلامي لبيان وجه الارتباط بين الفعل والمفعول والصفة والموصوف , وليس في كلام الأشاعرة .
وتأكيدا لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية : والكُلاَّبية يقولون في جميع هذا الباب: المتجدد هو تعلق بين الأمر والمأمور، وبين الإرادة والمراد، وبين السمع والبصر، والمسموع والمرئي، فيقال لهم: هذا التعلق إما أن يكون وجودًا وإما أن يكون عدمًا، فإن كان عدمًا فلم يتجدد شيء فإن العدم لا شيء، وإن كان وجودًا بطل قولهم.انتهى
المسألة الثانية : السمع يتعلق بالمسموعات والبصر يتعلق بالمبصرات , هذا أضبط من كلمة الممكنات , لأنها كلمة موهمة وقد تستلزم أن الله لا يرى نفسه , أو يسمع كلامه , وإن كان المقصود” بالممكنات ” أي الموجودات الممكنة السماع الممكنة الإبصار , وليس المقصود القصر على المخلوقات وإخراج الرب سبحانه , وهذا مفهوم من الكلام , وهذه الجملة تعلق السمع بالمسوعات وتعلق البصر بالمبصرات أقرها غير واحد منهم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله .
وأما أن يقال تعلق السمع والبصر بالموجودات بدون تحديد ( المسموعات المبصرات ) ؛ فهي كلمة أخذها أهل السنة على الأشعري الذي زعم تعلق السمع والبصر بكل موجود ؛ فألزمه أهل السنة أنه يلزم منه رؤية الأصوات وسماع الألوان
المسألة الثالثة : وهو تعلق القدرة بالممكنات , والتفصيل في هذه المسألة لأن :
الأول : أن الصفات الاختيارية وإن كانت ممكنة باعتبار المشيئة , فهي واجبة باعتبار الإضافة إلى الرب الواجب سبحانه .
ثانيا : أن من الأفعال الاختيارية ما هي ذاتية فعلية كصفة الكلام , فهي واجبة باعتبار إضافتها إلى الله وممكنة باعتبار رجوعها إلى المشيئة , والأشاعرة ينفون الكلام الحقيقي ويجعلونه الكلام النفسي وأنه عبارة عن كلام الله , ومؤدى كلامهم أنه لا يقدر على الكلام حقيقة ؛ فإن كان هذا هو المراد فيصح أن يقال تعلق هذه الصفة بالواجبات , وقس على هذا من نفى الصفات الاختيارية من نفى النزول مؤدى كلامه أن الله غير قادر عليه من نفى المجيء الإتيان .. الخ مؤدى كلامه أن الله غير قادر عليه .
وهذه المسألة شبيهة بما أشرت إليه أنت في المسألة الثانية من تعلق السمع والبصر بالواجب كرؤية الله ليده , فلما احتمل اللفظ وأوهم ناسب التفصيل , وكذلك الأمر هنا .
أما من أشار إلى ذلك ؛ فهو الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح السفارينية .
قال رحمه الله : لكن المؤلف قيد القدرة قال : ( تعلقت بممكن ) : وتعلقت بالواجب أيضاً ؟
نعم ، بالواجب من باب أولى ،
تعلقت بالمستحيل ؟
لا ، لأن المستحيل ليس بشيء فضلاً عن أن يكون مقدوراً عليه . انتهى
وليس في كلامي إشارة إلا إلى القدرة وليس في كلامي إشارة إلى تعلق إرادة الله بالواجبات .
والله أعلم .