نقض علم المنطق : الموقف الشرعي من طريقة السلوب في الصفات

بسم الله
سلسلة كشف المناهج الخفية و بيان المناهج الشرعية
نقض علم المنطق و تطبيقاته في العلوم الإسلامية
الجزء الثاني
الموقف الشرعي من طريقة السلوب في الصفات
كتبه
مختار الأخضر الطيباوي
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله وحده، و الصلاة و السلام على من لا نبيّ بعده،وبعد…….
من المعلوم أنه بسبب انتشار علم الكلام في الأمة، وما حمله معه من قواعد فلسفية و منطقية تغلغلت بعض هذه القواعد المنطقية داخل العقل المسلم حتى أضحت من المسلمات وتقريبا من البديهيات.
وهي بعد الفحص العلمي الدقيق أغلوطات كبيرة بسببها وقع من وقع من الأئمة البارزين في الفقه و الحديث و الأصول و التفسير في براثين منطق الفلسفة ، و انساقوا خلف بريق هذه العقليات الزائفة فانتهى بهم الحال إلى التخبط في أصول الدين، والوقوع في البدع المخالفة للنصوص الشرعية، ولهدي وفهم السلف الصالح.
وما كان لهذه القواعد المنطقية أن تخترق منهج وعقيدة أهل السنة لتسل منه طائفة منهم، لولا تلك الترهات التي وقع فيها بعض أئمتهم من مدح العقل و الشعور بعقدة النقص أمام المتكلمين.
ولا زال لحد اليوم يوجد من يمدح العقل و المنطق، ويعتقد توهما أنه لا يتعارض مع السنة، لأنه لا يفرق بين سنة الاقتداء التعبدي و سنة التأسي المنهجي ،القائمة على أصول معرفية و علمية واضحة و ثابتة.
وحتى لا يتكرر الخطأ فقد شرعنا في سلسلة نقض المنطق، و بيان تخلفه عن العقلية الإسلامية السنية بأشواط كبيرة، و أنه ليس إلا ممحاكات جدلية تقوم في جلها على تصور وثني سفسطائي، وكمثال على ضرره في أصول الدين فهذا بحث مقتضب في مسألة السلوب، وما جرته على الأمة من تعطيل و إلحاد في أسماء الله و صفاته.
فهذا ابن حجر العسقلاني ـ رحمه الله ـ على جلالة قدره في العلم ، و إمامته في الحديث قد تأثر ببعض هذه القواعد المنطقية الفلسفية، و التي هي محض التعطيل لصفات الباري، تقطع الطريق و الصلة بين المؤمن و خالقه،و إن دل هذا على شيء فإنه يدل على أن الإمامة في الحديث غير الإمامة في السنة، كما قال عبد الرحمان بن مهدي ـ رحمه الله .
نقل ابن حجر في ( الفتح){13/164} كتاب الإيمان عن بعض المحققين، ولم يسمه[1]،مقرا له أنه قال:
(( الحقائق الإلهية لا تعرف إلا بطريق السلب كما في العلم لا يدرك منه إلا أنه ليس بجاهل)).
وهذه القاعدة التي أقر بصلاحيتها و صحتها ابن حجر موغلة في الباطل، إذ هي من قواعد المناطقة الفلاسفة التي استهوت المعتزلة، ومن بعدهم المتكلمين، والتي بموجبها نفوا الصفات و الأسماء، وعارضوا بها طريقة القرآن و السنة في الإثبات المفصل و النفي المجمل[2]،فقلبوا المسألة، و قالوا بالنفي المفصل و الإثبات المجمل، و اعتبروا إثبات الصفات و الأسماء من ضرب الوهم و الخيال،أشير في هذه العجالة إلى بعض أوجه بطلانها فأقول:

القاعدة في السلوب:

1 ـ من المعلوم في فطرة بني آدم وطرقهم في التفكير و الخطاب أن السلب عندهم لا يتضمن العلم بالأشياء،إذ الموجودات تنقسم إلى واجب الوجود وممكن الوجود ،والمعدوم ليس بموجود،فلا يمكن أن نعرف الموجود إلا بطريق الإثبات.
ولذلك لا يعتبر بنو آدم نفيهم العلم بوجود شيء ما علما بوجوده،فعندما يقول الواحد منهم بعدما يسأل :لم أره،لم ألقه،لست أدري أين هو.
لا يعنون علمهم بوجود المسئول عنه،ولهذا يقدم علماء الأصول قول المثبت على قول النافي ما لم يتضمن قول النافي دليل نفيه،ذلك أن النفي دليل على عدم العلم ،بينما الإثبات دليل على العلم، ولهذا وجب التفريق بين العلم بالعدم و عدم العلم.
فعندما يُسأل المحدث عن حديث رواه احمد في ( المسند) فيقول :هذا الحديث غير موجود في (المسند).
فإن كان قد حكم بهذا الحكم السلبي بعد استقراء و مطالعة لمسند أحمد كله كان حكمه علما،و أما إن قال بحسب ظنه، فحكمه هذا لا يدل على العلم، بل يدل على جهله بوجود هذا الحديث في مسند أحمد.
ففي الحالة الأولى هو عالم بعدم هذا الحديث، وفي الحالة الثانية ليس عنده إلا عدم علم.
ومن نفى صفات الباري بناء على تصور فلسفي يزعم أن العلة الأولى لا يجب أن تكون إلا بسيطة ،لا تتصف بأي صفة من صفات المحسوسات،لأن اتصافها بالصفات يعني التعدد فيها والكثرة، كان في عقل هذا المخبول تنوع صفات الباري يستلزم حربا شعواء بين هذه الصفات،و كأن كل صفة إله مستقل بذاته!
يكون نفيه دليلا على جهله، لا على علمه، فإن القرآن أثبت هذه الصفات إثباتا مفصلا، ومن نفاها لم ينفها بعلم معتبر مصدره القرآن و السنة، بل مصدره عقيدة الإغريق الذين لم يعرفوا نور النبوة.
فعندما يثبت كل من له كتاب منزل الصفات، ولا يصدر النفي إلا عن الصابئة المتفلسفة نعلم من أين أخذ المتكلمون النفاة عقيدتهم في الصفات و الأسماء.
أكثر السلوب[3] صفات للمعدوم:
لقد علمنا أن المعدوم هو الذي تتكثر صفاته السلبية،و المتكلمون حينما ينفون صفات الله و أسمائه، وينفون رؤيته يوم القيامة،إنما يصفونه بالصفات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم،فيماثلونه بالمعدومات.

لماذا السلوب تماثل الله تعالى بالعدم؟

من المعلوم أن لكل موجود ماهية تخصه،وهذه الماهية هي مجموعة صفاته التي يتحدد بها وجوده في الحقيقة و يتميز بها عن غيره.
و إذا كان الأمر كذلك فإن افتراض موجود لا صفة ثبوتية له،وليس في صفاته معنيان متغايران في المفهوم،وهو لا في هذا العالم، ولا هو صفة من صفاته، ولا هو داخل فيه، ولا خارج عنه، ولا متصل به،ولا منفصل عنه،ولا مجانب له، ولا مباين له، ولا هو فوقه، ولا تحته ،ولا عن يمينه، ولا عن يسرته، ولا يرى، و لا يشار إليه،ولا هو متحرك، ولا ساكن، فلا يوصف بغير السلوب و الإضافات العدمية، ولا يوصف بشيء من الأمور الثبوتية هو بامتناع وجوده أحق و أولى منه بإمكان الوجود،فضلا عن أن يكون واجب الوجود!
و تكليف القلب بالإيمان بوجوده، و العقل بالاعتراف بوجود هذه الذات من قبيل تكليفه الجمع بين المتناقضات.
ذلك أن الموصوف بهذه السلوب مع نفي عنه الصفات الثبوتية لا يكون إلا ممتنعا،والامتناع ينافي الوجود فضلا عن وجوبه.
و الذين وصفوا الله تعالى بهذه السلوب وصفوه بما لا يتصف به إلا ممتنع الوجود،ومن وصف ما يجب وجوده بصفات ما يمتنع وجوده، فقد جعله دون المعدوم الممكن الوجود.
ومعلوم أن الجمادات خير من المسلوب عنه هذه الصفات،فضلا عن الذوات الحية العاقلة ،فقد جعلوا الله سبحانه و تعالى دون الإنسان ودون الحيوان البهيم و دون الحجر و التراب.
فلما فروا من وصفه بما يستلزم الإنكار في عقيدتهم وصفوه بما يستلزم الامتناع في العقل و الفطرة.
فهذه عقول كادها باريها حتى انتهت إلى هذا الاعتقاد الضال الباطل الذي يعلم بطلانه من نفسه، لما تطاولت على القرآن وجعلته وراءها ظهريا ،فاعتبرته ظواهر كفرية، و اعتقدت الحسن في عقول الإغريق.
السلب الصحيح يتضمن الإثبات:
إن إثبات أقصى درجات الكمال الممكن لله عز وجل يعني أنه لا يوصف بصفة سلب إن لم تتضمن معنى ثبوتيا،فكل صفة سلبية لا تتضمن ثبوتا فلا يوصف بها إلا المعدوم.
وكل صفة تصلح للمعدوم المحض فإنها لا تصلح أن يوصف بها الله تعالى، لأنها حينئذ صفة لا مدح فيها بحال،إذ المعدوم المحض لا يمدحه عاقل،وما لا يكون فيه مدح، فإن الله لا يوصف به،فله الأسماء الحسنى و المثل الأعلى.
ومعلوم أيضا أن السلوب لا نهاية لها ،ومهما كثرت لم يزداد الموصوف بها تميّزا،فعندما يقولون : إن الله واحد ليس كمثله شيء، و ليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، ولا بذي لون، ولا طعم ولا رائحة، ولا مجسة،ولا بذي حرارة، ولا برودة، ولا رطوبة ،ولا يبوسة ، ولا طول، ولا عرض، ولا عمق، ولا اجتماع، ولا افتراق، ولا يتحرك، ولا يسكن، ولا يتبعض، و ليس بذي أبعاض و أجزاء، و ليس بذي جهات، لا يمين، ولا شمال، و أمام، و خلف، و فوق، و تحت، ولا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه المماسة، ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف بمساحة، ولا ذهاب في الجهات، و ليس بمحدود، ولا تحيط به الأقدار، ولا تحجبه الأستار، ولا تدركه الحواس، وكل ما يخطر بالبال و تصور بالوهم فغير مشبه له[4]،لا تراه العيون، ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأوهام، ولا يسمع بالأسماع، شيء لا كالأشياء، لزمهم أنه معدوم، إذ هذه صفات العدم.
ومعلوم أننا لو زدنا على هذه السلوب آلاف السلوب الأخرى لما ازداد إلى غموضا، و ازددنا جهلا به، فكل هذه السلوب و آلاف أخرى لا يعرف بها المؤمن ربه، لأنه لم يعرف صفاته التي يحمد بها و يمجد، وهي الصفات الثبوتية التي تعيّن و تميّز وجوده عن غيره.
فالمتكلمون طلبوا معرفته بنفي صفاته و أسمائه فانتهوا إلى الجهل به، و غاية ما أدركوه بهذه السلوب هو وصف المعدوم،لان كثرة السلوب لا توجب أمرا ثبوتيا، فحتى الإبداع عند بعضهم لا يوجب لله تعالى و صفا ثبوتيا، فمهما كثرت الإبداعات منه لم توجب له وصفا ثبوتيا،وهذا في غاية التعطيل،مع أنهم متناقضون في جعلهم الإبداع أمرا عدميا،و أنه إضافة، و الإضافة أمر عدمي.
وهم يفرون من إثبات الصفات نفيا للتعدد، و إذا قالوا تعليلا:كثرة السلوب لا توجب تعدد أمر ثبوتي ، يقال لهم: وكثرة الإضافات كذلك عندكم،فلم تثبتوا له شيئا لا يتصف به العدم.
إذا كان العلم يتعلق بموجود ومعدوم،يثبت الموجود و ينفي المعدوم، لزم أن الإثبات أعم و أغنى من السلب و النفي،و السلب حينئذ ليس إلا أحد طرق الإثبات،ومتى لم يقتض السلب إلا النفي و العدم كان سلبا محضا لا مدح فيه،و الله تعالى إنما نصفه بالسلوب ما كان منها مستلزما للوجود،إذ العدم المحض ليس فيه ثناء و حمد،وصفات الله فيها الثناء و الحمد.
وعليه نقول: السلب في باب الصفات إن لم يتضمن إثباتا لم يكن مدحا وكمالا،فكل تنزيه مدح به الرب ففيه إثبات، كالتسبيح يتضمن تنزيه الله عن العيوب و النقائص و يتضمن تعظيمه،فالسلب تابع للإثبات، و المقصود منه تكميل الإثبات.

الفرق بين الإخبار عن الله بالسلوب و وصفه بها:

لقد بين القرآن أنه يجوز الإخبار عن الله تعالى بالسلوب التي تتضمن ثبوتا كما في قوله تعالى:{ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ }،فإنه يتضمن إثبات كمال حياة الله و قيوميته.
وكذلك قوله تعالى:{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } يتضمن إثبات كمال قدرته،لأن نفي مس اللغوب الذي هو التعب والإعياء يدل على كمال القدرة ونهاية القوة، بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه.
وقوله تعالى:{ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ } يتضمن إثبات كمال علمه و إحاطته بأقل الأشياء وهي الذرة .
وقوله تعالى:{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} يتضمن إثبات كمال صمديته،وغناه عن خلقه.
وكذلك قوله :{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} يتضمن إثبات تفرده بكماله، و أنه لا نظير له،وهذا مطرد في كل سلب ورد في حقه في القرآن أو السنة،لا ينفي شيئا عنه إلا ليثبت ما يحمد به، و يثنى به عليه، و يمجد به من الصفات.
ومن المعلوم لدى كافة المسلمين أن النبي صلى الله عليه و سلم و الصحابة و التابعين و أئمة السلف لم يكونوا يعظمون الله تعالى بشيء من هذه السلوب،بل لم يثبت عنهم إلا طريقة الإثبات المفصل و السلب المجمل.
وقد مجد النبي صلى الله عليه و سلم الله تعالى و عظمه بصفات الإثبات كما في النص الصحيح الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ {تحت رقم4437و 4992} حينما قرأ على المنبر قوله تعالى:{ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}.
و الأدلة في القرآن والسنة دلت على عظم قدرة الرب الذي يقبض الأرض و يطوي السماوات بيمينه، وهذا وصف لأمور وجودية ثبوتية تقتضي عظمة القدرة ،بخلاف السلوب المحضة التي لا تثبت له أمرا وجوديا .
فالإخبار عن الله تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه و صفاته،كالإخبار عنه بالشيء، و القائم بنفسه،فإنه يخبر بها عنه، ولا تدخل في أسمائه الحسنى و صفاته العليا.
و الصفة متى كانت تحمل كمالا و نقصا لم تدخل بإطلاقها في أسمائه، بل لا نطلق عليه منها إلا كمالها، مثل:” المريد، و الفاعل و الصانع”.
فإن هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه، فإن الإرادة و الفعل و الصنع تتضمن كمالا و نقصا،و الله تعالى أطلق على نفسه منها أكملها فعلا و خبرا فقال: { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ }.
وقد جمع ابن القيم ـ رحمه الله ـ قاعدة جليلة وافية في هذا الباب “الأسماء و الصفات” في كتابه (بدائع الفوائد){270/2}فليراجعه من شاء.
وبهذا يتبين أن المسلم لا يعرف الله تعالى بصفات السلب،بل الأصل في معرفة الله صفات الإثبات، و السلب تابع لها، يخدمها و يزيل عنها ظن النقص، وما قد يتوهمه الجاهلون و المشركون، و بالتالي لم يكن السلب طريقا إلى العلم بصفات الله كالإثبات إلا ما كان من صفات السلب مثل نفي الشريك عنه سبحانه و تعالى.
ومسألة الأحكام و القضايا السالبة هل هي منتجة كما هو الطرح في علوم المنطق ، قد خالف فيها المناطقة بعضهم بعضا، فمنهم من ينكر الأحكام السالبة أصلا، ويرد كل حكم سالب إلى حكم موجب.
وبدون الدخول في هذا النزاع يعلم العقلاء أنه لا وجود لتصورات سالبة في الذهن،فعدم وجود غير الموجود لا ينطبع في الذهن، ولا يتصور،لان النفي كما بيناه سابقا إثبات من الدرجة الثانية،فهو يثبت شيئا لإثبات يثبت من جهته شيئا موضوعا،و هذا ما نسميه السلب المتضمن للإثبات،فنحن في الواقع لا ندرك إلا صفات الأشياء لا غياب هذه الصفات.
فإذا قلت: ليست هذه السيارة بيضاء، فإني حينئذ لا أعبر عن مدرك، لان الغياب لا يدرك مفصلا، فأنا في حقيقة الأمر لا أحكم على السيارة بل على الحكم الذي قال عنها: إنها بيضاء، فأنا أحكم على حكم، لا على السيارة.
و السلب فائدته في دخول العنصر التعليمي الخارج عن العقل،لأن النفي ماهيته تعليمية إذ هو يصحح حكما أصدره أو يمكن أن يصدره شخص آخر،و لذلك لم يكن المعتبر منه في باب الصفات إلا السلب المتضمن نفي شيء لإثبات آخر كنفي الشريك عن الله تعالى، هو تصحيح لحكم الجاهلية و الشرك، يتضمن إثبات وحدانيته.
و لو تفحصنا الأحكام السلبية مفهوما وموضوعا لتبينا أن السلب يمثل نصف العقل و نصفه الآخر الإثبات،فأنت تنفي الشريك عن الله لإثبات الوحدانية و التفرد، وهذا لازم في كل سلب أن يتضمن الإثبات،ومن هنا تعرف كيف جعل المتكلمون السلب كل فعل العقل، فكانت معارفهم عدمية لا حقيقة لها.
نعم كل قول سالب أو موجب يتضمن نفي القول المناقض له،فمن يثبت وجود شيء فقد نفى عدم وجوده، و السلب في باب الصفات دوره أن يخدم الإثبات، فإن وصفنا الله بسلوب لا تتضمن الإثبات فلم نصفه بما يجب، و بالتالي لم يتميّز عن باقي الموجودات بصفات نعرفه بها.
فإذا كان مثل الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ قد أخطا في هذا الباب الخطير، وهو من هو في علم الحديث و الأثر، عرفت قدر علم التوحيد، و أنه المحك الذي يقيّم به الناس كل الناس ،و أنه علم خاص لا يقوم به علم الحديث وحده،بل نحتاج إلى معرفة مسالك الكلام و مصطلحاته، و إلا وقعنا في الخطأ و الغلط.
و الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين، و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
www.taibaoui.com

أهم سمات المذهب الأشعري – الصفات الفعلية وحلول الحوادث

أهم سمات المذهب الأشعري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله الطاهرين وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين…. وبعد:
          إن من أهم سمات المذهب الأشعري إجماع متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم على مسألة الصفات الفعلية والتي يسميها الأشاعرة مسألة حلول الحوادث، وذلك بخلاف الصفات الخبرية فإن الخلاف قائم بين المتقدمين والمتأخرين.
          تعتقد الأشاعرة بأن أفعال الله عبارة عن تعليقات القدرة بالمقدورات، دون قيام فعل بذاته تعالى.
          فأثبتوا للقدرة تعليقين:
          الأول: تعلق صلوحي قديم؛ وهو صلاحيتها في الأزل لإيجاد كل ممكن فيما لا يزال أي حين وجوده.
          الثاني: تعلق تنجيزي حادث؛ وهو إبرازها بالفعل للممكنات التي أراد الله وجودها؟ 
             تعلقها في الأزل أعم؛ لأنها صالحة في الأزل لإيجاد ممكن على أي صفة كانت، بخلاف تعلقها التنجيزي فإنه تعلقها بالممكن الذي أراد الله وجوده على أي صفة كانت.
[انظر: حاشية الدسوقي على شرح أم البراهين (ص98)، وحاشية إبراهيم البيجوري على متن السنوسية (ص19).]
          قد قابلت الماتريدية هذا الرأي وقالت برجوع جميع صفات الأفعال إلى صفة التكوين القديمة عندهم، ومغايرة لصفة القدرة، وهذا ما ذهب إليه الغزالي.
[انظر: تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي (1/339)]
          ووجه الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية، إن الأشاعرة تعتقد بحدوث صفات الفعل ـ مع إنكارهم بحلول الحوادث بذات الله ـ، أما الماتريدية فإنها تعتقد بقدم جميع الصفات.
          فزعمت الأشاعرة بأن الاعتقاد قدم الصفات يفضي إلى القول بتسلسل الحوادث وهو ممنوع، ولم تلتزم الماتريدية بهذا الإلزام فرأت بأن القول بقدم الصفات لا يؤدي إلى القول بتسلسل الحوادث لأن التكوين غير المكون.
          في حين تعتقد أهل السنة والجماعة من أتباع السلف الصالح بأن تسلسل الحوادث ممكن في الماضي والمستقبل؛ فإن الله لم يزل حياً، والفعل من لوازم الحياة، فلم يزل فاعلاً لما يريد، والفعل غير المفعول، وصفات الفعل قائمة بالله متعلقة بمشيئته، والمفعول منفصل عن الله تعالى.
          وأصل هذا الخلاف ومنشأة: الفعل هل هو المفعول أو غيره؟ وهذه المسألة مرتبطة بمسألة حلول الحوادث.
          فالذين ينفون حلول الحوادث زعموا بأن الفعل هو المفعول؛ ومعنى ذلك: أن الفعل لا يقوم بالله تعالى، فعل سبيل المثال: يفسرون أفعاله المتعدية كقوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} أن ذلك وجد بقدرته من غير أن يكون منه فعل قام بذاته، فحاله قبل أن يخلق وبعد ما خلق سواء، لم يتجدد عندهم إلا إضافة نسبة وهي أمر عدمي لا وجودي، كما يقولون في كلامه واستواءه. وهذا قول الأشاعرة.
[انظر: مجموع الفتاوى (5/378)وما بعدها]
          والمقدمة التي بنت عليها الأشاعرة مذهبهم أنه لو كان الفعل غير المفعول: لكان إما قديماً أو حادثاً: فإن كان قديماً لزم قدم المفعول، وهو محال، وإن كان حادثاً لزم أن تقوم به الحوادث، وثم ذلك الحادث يفتقر إلى حادث آخر ويلزم التسلسل وهذا باطل.
          قلنا: لو سلمنا جدلاً بأن الفعل يفتقر إلى فعل قبله، فذاك غير ممتنع، وليس هذا تسلسلاً في الفاعلين والعلل الفاعلة، بل هو تسلسل في الآثار، وهو حصول الشيء بعد شيء، ودليله قوله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} فكلمات الله لا نهاية لها، وهذا تسلسل جائز كالتسلسل في المستقبل؛ لأن نعيم الجنة لا ينفذ، فإذا كان هذا التسلسل جائز في المستقبل فما الذي يمنع أن يكون في الماضي.
[للمزيد انظر: مجموع الفتاوى (6/231-232)، ومنهاج السنة (2/306-307)]
          فإن مذهب الأشاعرة في الأفعال التي هي المفعولات المنفصلة باطل، وقد فتحت على نفسها باباً تسلط من خلاله الفلاسفة القائلين بقدم العالم، فقالت لهم: إن الفعل لو كان صفة كمال لزم عدم الكمال في الأزل، وإن كان صفة نقص لزم اتصافه بالنقائص. فلم تجد الأشاعرة من هذا الإلزام مفراً إلا أن تقر بأنه ليس صفة نقص ولا كمال.
[انظر: مجموع الفتاوى (6/241)]
          وكما تسلط المعتزلة على الأشاعرة وضعضعوا حجتهم، وألزمت الأشاعرة أن يجعلوا الله موصوفاً بمفعولاته القائمة بغيره، حتى قالوا: من فعل الظلم فهو ظالم، ونحو ذلك، فعجزت الأشاعرة عن مناظرتهم في هذا المقام، في مسألة القرآن ومسائل القدر بكونهم سلموا لهم بأن الرب لا تقوم به صفة فعليه، فلا يقوم به، لزمهم أن يقولوا: هو موصوف بمفعولاته، فلا يجب أن يكون القرآن قائماً به، ويكون مسمى بأسماء القبائح التي خلقها.
[انظر: التسعينية (2/487)وما بعدها]
          وهذا باطل بل أن الموصوف بهذه الأسماء من قامت به هذه الأفعال لا من جعلها فعلاً لغيره أو قائمة بغيره.
          وليتدبر السالك لطريق أهل السنة والجماعة من أتباع السلف الصالح ما وقعت فيه الأشاعرة في أصولهم من اضطراب، وليحمد الله على الهداية، وليقل: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا للإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.
          وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
بقلم : أبو إبراهيم أحمد الرئيسي البلوشي الحنفي

خرافة لا داخل العالم ولا خارجه وهو جواب على رسالة (حسن المحاججة) بقلم وضاح الحمادي

خرافة لا داخل العالم ولا خارجه
وهو جواب على رسالة (حسن المحاججة)
بقلم
وضاح الحمادي
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.. فهذه كلماتٌ قليلاتٌ توضح الحق في هذه المسألة، التي هي من مسائل الاعتقاد، والتي يورد عليها أهل البدعة بعض السؤالات والاستشكالات، ظانين جهلاً منهم أن ما يوردونه كافٍ لزعزعة عقائد أهل الحق. ولم يكن قصدنا تفصيل المقام، بل توضيح جملةٍ كافيةٍ لبيان معاني كلمات أهل السنة والجماعة وبعض أدلتها، ودفع تلبيسات المبتدعة من المشبهة والمجسمة. ندعو الله تعالى أن ينفع بها.. 

الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه

أقول: ابتدأ الكلام بمسألة الدخول، ثم ثنى بالخروج، فجاريناه عليه، لا أننا نقول بالدخول والخروج بحسب المفاهيم التي ذكرها فودة، بل على أن فودة وغيره من الجهمية لا يقدرون على إقامة الدليل على نفي الدخول والخروج وفقاً لأصوله، فليس في كلام أهل السنة أن الله داخل العالم أصلاً لنقول به، ولكنا ناقضناه لبيان ضعف أدلته كما تفعل الأشاعرة مع المعتزلة حين يقولون، لا يمكن إثبات حدوث العالم ووجود الله جل وعلا على أصول المعتزلة، لا أن الأشاعرة ينكرون حدوث العالم ووجود الله، بل يريدون بيان خطأ الأصول التي بنى عليها ا لمعتزلة مذهبهم. فنقول:قال فودة : “قد يحتج بالكتاب على ذلك فيقال: قوله تعالى: (ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير) حجَّةٌ على عدم كونه خارج العالم، وعلى عدم كونه تعالى داخل العالم.وهذا استدلال جيِّد. 
وبيان وجه الاستدلال أن يقال –كما ذكره ابن مرزوق عن العلامة أبي عبد الله بن الجلال-: (لو كان في العالم أو خارجاً عنه لكان مماثلاً، وبيانُ المماثلة واضح، أما في الأول: فلأنه إن كان في العالم صار من جنسه، فيجب له ما وجب له). 
قلتُ: أي صار من قبيل الأجسام ومادة العالم؛ لأنه إن كان داخل العالم فيكون جزءاً منه، وما كان جزءاً من شيء كان مماثلاً له في الجنس، فالورقُ مثلاً ليس من جنس الحديد إلا باعتبار أن كليهما أجسام ومواد، ولذا لا يمكن أن يكون الورق جزءاً من الحديد، وكذا الطير ليس جزءاً من الأحجار لاختلاف الجنس، إلا باعتبار أن كليهما أجسام. 
أقول: يكفي في إبطال ما ذكر عدم التسليم، فلا نسلم أن ما كان في الشيء كان من جنسه كما قاله الجلال، ولا أنه جزء منه كما قاله فودة، بمعنى أنه يتركب منه ومن باقي الأجزاء جملة العالم. 
أما المثال الذي ضربه فودة فهو دليل على ضعفه في العلم، فإنه لا يتضح به إن أراد نفي مماثلة الورق للحديد لأنه ليس فيه، أو إثبات مماثلة الورق للحديد لكونهما في العالم، وكذا الطير والحجر. 
على أن وجود الورق في الحديد والطير في الحجر ممكن، إما بالصناعة أو بالمعجز. 
فإن قال: على فرض حصول ذلك بالصناعة أو المعجز لا يفيد، لأن الورق لا يصير من جنس الحديد ولا الطير من جنس الحجر على الفرض المذكور، وإنما يكون كذلك إن كان من طبيعة المحوي أن يكون في الحاوي بحسب تعبير الفلاسفة ومن وافقهم، أو إذا كانت العادة جارية بكون المحوي حاصلاً في الحاوي، بحسب تعبير الأشعرية.
قلنا: فهذا دليل بطلان قولكم: (إن كان في العالم صار من جنسه) فإذا جاز إيجاد الورق في الحديد والطير في الحجر من غير أن يصير الداخل من جنس الحاوي له، فكذلك في الباري على فرضكم، وبخاصة على قول الأشعرية لجواز حصول المحوي في الحاوي مع عدم كونه من جنسه، ولا محذور سوى كسر العادة، وهو ممكن.
وعلى فرض تسليمه: ما مرادكم بصيروته من جنسه؟ 
إن قلتم: صار يشبهه.
قلنا : من كل وجه أو من وجه دون وجه؟ 
إن قلتم : من كل وجه.
أبطلناه عليكم بما ذكرتم من المثال، فإن الورق والحديد والطير والحجر كلها في العالم، وهي وباقي أجزاء العالم ليست متشابهة من كل وجه. 
وإن قلتم : من وجه دون وجه. 
قلنا : فتلك الوجوه التي حصل بها المشابهة قد لا تكون هي المقصودة بالآية، فإنه سبحانه أثبت في نفس الآية أنه السميع البصير، وفي خلقه ـ الذين هم من جملة العالم ـ من هو كذلك، وهذا القدر لا ينفي قوله جل وعلا (ليس كمثله شيء). 
وإن قلتم: نريد بصيرورته من جنس العالم أن حقيقة ذاته وحقيقة ذات العالم تصيران من جنس واحد. 
قلنا : لا نسلمه أيضاً، إذ قد يجوز أن يكون وجوده في العالم من جنس وجود الروح في الجسد، مع أن حقيقة الروح غير حقيقة الجسد. 
وإن قلتم : نريد أن حقيقته تكون جسم ومادة كما أن جميع أجزء العالم جسم ومادة.قلنا : لا نسلمه، وما الدليل عليه؟
ثم أنه قد حقق كثير من الأشاعرة أن الروح ليست بجسم، فإما أن تكون من جملة العالم أو لا تكون، فإن كانت من جملة العالم فقد بطل قولكم، وإن لم تكن من جملته فقد بطل قولكم أيضاً. 
بيانه أن النصوص جاءت بأن الروح تصعد وتنزل وتدخل وتخرج، فإن لم يجعلها ذلك من جنس العالم فكذلك الباري جل وعلا على هذا القول.
على أن منهم من يقول في الروح الإنساني أنه جوهر مجرد ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه، لا متصلاً به ولا منفصلاً عنه.فيقال له : قد جاءت النصوص كما قدمنا بأن الروح تدخل البدن وتخرج منه، وأنها تصعد إلى السماء وتعود إلى الأرض، وهذا كله دخول في العالم.فإن قلتم إن الدخول هنا ليس هو من جنس دخول الأجسام والأعراض.
قلنا : فقولوا مثل ذلك في دخول الباري.
على فرض تسليمه.وملخص الرد عليه عدم التسليم، إذ لم يأتوا هنا بسوى الدعوى، والدعوى لا تصلح دليلاً. 
ثم لو سلمناه وقلنا يلزم كونه جسماً ، فإنه لا يدل على المشابهة عند القائل به إلا على القول بتماثل الأجسام، وهي مسألة مبنية على القول بتماثل الجواهر، والخلاف فيها طويل ، ولا دليل مستقيم على أنها متماثلة ، وممن قال باختلافها النجراني صاحب (الكامل) ونقله عن جمع من المعتزلة ، فإن صح هذا فكونه جل وعلا جسماً ـ كما تزعمه الهشامية ومن وافقهم من ضلال المشبهة ـ لا يعني مشابهته للأجسام.فبان لك أنهم لا يقدرون وفقاً لقواعدهم الرد حتى على المصرحين بالتجسيم كالهشامية.
وليس غرضنا ـ كما تقدم ـ إثبات الدخول، بل إثبات أن المتلكمين لا يمكنهم تقرير قاعدتهم هذه بدليل جارٍ على أصلهم.قال ابن الجلال (وأما في الثاني: فلأنه إن كان خارجاً لزم إما اتصاله وإما انفصاله: إما بمسافةٍ متناهية أو غير متناهية، وذلك كله يؤدي لافتقاره إلى مخصص) انتهى كلام العلامة.نقول: هنا جوابان؛ إجمالي وتفصيلي:أما الإجمالي فنقول: إنما يصح ذلك في الأجسام على حد زعمكم، ونحن لا نثبته جسماً فلا يلزمنا ما ذكرتم. 
أما التفصيلي: فمن جهتين أيضاً، والأول مبني على قول الفلاسفة أنه ليس خارج العالم لا خلاء ولا ملاء، فلا يتصور هناك حيز ولا مكان لا عدمي ولا غيره، وإن لم يكن هناك حيز ولا مكان، لم يكن هناك مسافة أصلاً ، فضلاً عن وصفها بالمتناهية وغير المتناهية، فإذا قلنا بذلك بطل هذا الإلزام.أما الوجه الثاني فنقول: أولاً إن كون الشيء الخارج عن غيره إما متصل به أو منفصل عنه بمسافة لا يتأتى إلا إذا أردنا بالخروج الإنفصال بين ذوي السطوح الغير متداخلة خاصة، فمن أين لكم أن الخصم أراد بخروجه عن العالم هذا المقدار؟ فلعله أراد بالخروج المباينة وعدم المخالطة وكون الله جل وعلا غير حال بذاته في خلقه لا بمخالطة ولا بغيرها، كما قال الإمام عبدالله بن المبارك حين سئل : “بماذا نعرف ربّنا ؟ قال : بأنّه فوق سمواته على عرشه ، بائن من خلقه” 
وقد صرح بالمباينة غير واحد من كبار الأئمة كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والدارمي وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيين وغيرهم كثير.
وقال الإمام الأشعري رحمه الله : “وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه” (الرسالة إلى أهل الثغر) ص 232.
فهذا الخروج خروج حقيقي، ولا يقتضي عندكم الإتصال ولا الإنفصال.
سلمنا أنه يقتضي إما الإنفصال أو الإتصال، فكان ماذا؟ 
قول ابن الجلال : (يؤدي لافتقاره إلى مخصص)
نقول : لا نسلمه، فإنكم تقولون إن الله يتصف بالسمع والكلام، وبالضررورة نعرف اختلافهما من غير وجود مخصص؛ فلماذا لا يجوز أن يكون متصلاً أو منفصلاً بمسافة ما أو بغيرها من غير احتياج إلى مخصص؟!
سلمنا الاحتياج إلى مخصص، فلماذا لا يكون ذلك المخصص هو العلم والقدرة والإرادة ؟ 
إن قيل: لأن تعلق العلم والقدرة والإرادة توجب كون المتعلق به حادث والباري ليس بحادث.
قلنا: أما إيجابها كون المتعلق به حادث، فنعم، ولكن الكلام في المسافة المعينة، لا في الباري، فتكون المسافة هي الحادثة.
قال فودة : “قلتُ: الناسُ الذين يقولون إن الله تعالى خارج العالم ويفهمون حقيقة هذا القول، هم مجسمة، سواء اعترفوا بهذا أم لا؛ لأنهم يقولون إن الله تعالى خارج العالم في جهة من العالم، وهي جهة الفوق، ويقولون: إن هذا هو المكان الذي نقول إن الله تعالى فيه!!”
إنظر إلى هذا الكلام ما أسمجه، فإنه ليس من باب العلم لا في قليل ولا كثير، فإنه ادعى دعوى ثم استدل عليها بدعوى أخرى من غير إبراز دليل يصحح به دعواه، كأنما ألقى الشيطان في خلده أن دعاواه المجردة كالقرآن في وجوب الاتباع؟! 
أما دعواه الأولى فقوله : “قلتُ: الناسُ الذين يقولون إن الله تعالى خارج العالم ويفهمون حقيقة هذا القول، هم مجسمة، سواء اعترفوا بهذا أم لا” 
فما هو الدليل على أن من قال : إن الله خارج العالم مجسم؟ 
لقد علل دعواه الأولى بدعواه الثانية وهي قوله : “لأنهم يقولون إن الله تعالى خارج العالم في جهة من العالم، وهي جهة الفوق، ويقولون: إن هذا هو المكان الذي نقول إن الله تعالى فيه!!” 
هذه الدعوى التي ابتدأها بقوله “لأنهم” مشيراً إلى أنها العلة في دعواه الأولى هي بعينها الدعوى الأولى مع زيادة إيهام الباطل؛ فإن القول بأن الله خارج العالم هو بعينه القول بأنه الله فوق العالم، فصار الدليل على دعواه الأولى هو عين دعواه الأولى بلفظ مختلف.
أما دعواه أن من يقول بأن الله خارج العالم يقول بأن جهة فوق هو المكان الذي يكون الله فيه.
فإن أراد بالمكان شيء وجودي وبقوله “فيه” الظرفية فقد كذب في الأمرين جميعاً، وإلا فليصحح دعواه بالنقل عن خصمه. 
وإن أراد بالمكان الجهة فقط وبقوله “فيه” أي وجود ذات الله جل وعلا متحققة فوق العالم فقط من غير أن يكون محوياً؛ كان حاصل كلامه أن الذين يدعون أن الله خارج العالم فهم مجسمة لأنهم يدعون أن الله فوق العالم ويقولون أنه موجود فوق العالم.وإذا عرفت أنه ليس للعالم سوى جهتين ، خارجه ومركزه ، وأن فوق وخارج بالنسبة للعالم متفقان ، صار حاصل الكلام : “إن الذين يقولون أن الله فوق العالم فهم مجسمة لأنهم يدعون أن الله فوق العالم ويقولون أنه موجود فوق العالم” إنظر إلى هذه المحصلة السخيفة من كلامه التي تنبيك عن مبلغ علم هذا الغر الصغير! هذا مع مافيها من إيهام أن خصمه يثبت مكان وجودي ظرفي، والله جل وعلا فيه مظروف!!ثم هب أن هناك من يقول بأن الله فوق العالم، وأن هناك ثم مكان يحوي الكائن فيه، فما الدليل على أن هذا تجسيم؟ 
إن قال: إن المحوي لا يكون إلا جسماً، لأن معنى كونه محوياً أن له حدوداً كلها حاصلة في الحاوي بحيث يكون ظرفاً للمحوي.
قلنا : هذا منقوض بالجوهر والروح ، فإن الجوهر في العالم محوي به وليس بجسم ولا ذي سطوح. والروح في البدن وفي العالم من باب أولى وليست بجوهر مادي ولا بذي سطوح. 
فإن قال : الروح ليست بداخل البدن ولا خارجه وهكذا هي ليست بداخل العالم ولا خارجه.قلنا : مع ارتكابكم مخالفة النصوص، فقد أبطلتم استدلالكم كما تقدم، فصار الباري تعالى عن قولكم، على كل تقدير مشابهاً للعالم، فإنه إن كان داخل العالم كان من جنسه بزعمكم، وإن كان خارجاً عنه افتقر إلى المخصص، وإن لم يكن لا داخله ولا خارجه صار من جنس الأرواح ؟!
فكيفما قدَّرتم الجواب صرتم مشبهة!
فعلم بذلك أن الوجود في العالم لا يقتضي أن يكون الموجود فيه جسماً. 
إن قلتم: فإنه يقتضي أن يكون إما جسم أو عرض.
قلنا : لا نسلمه، إذ قيام العرض بالجسم عندكم ضروري، إذ لا يخلو العرض قط عن كونه قائما في جسم، وليس كذلك الباري جل وعلا، بل هو مستغنٍ عن العالم قائمٌ بذاته، فإن فرضنا دخوله في العالم، بحسب فرض ابن الجلال وفودة، فإنه دخول المستغني القائم بنفسه، لا دخول المضطر القائم بغيره شأن العرض.
قال فودة : “ويحتجون على هذا بأن يقولوا: إن من يتصف بأنه لا خارج العالم ولا داخل فهو معدوم؛ لأنه لا يتصور وجود شيء لا داخل العالم ولا خارجه.فمن حيث الاحتمالُ العقلي عندهم، إما أن يكون داخل العالم أو يكون خارجه، ويبطل أن يكون داخل العالم، فوجب أن يكون خارجه، وما دام وجبَ كونه خارج العالم فقد وجب كونه في جهةٍ، والجهات متعددة، ويستحيل أن يكون تحت العالم أو يمينه إلى آخره، فوجب أن يكون فوقه؛ لأن هذه الجهة جهة كمال، وهي التي تليق بالله تعالى، فصار معبودهم بعد هذا البيان خارج العالم، وفي جهة الفوق، هذا حاصل كلامهم”
في هذا الكلام دعوى باطلة على خصمه، فإن الخصم لا يقول بأن هناك جهات متعددة بالنسبة إلى العالم ككل، بل ليس هناك سوى خارج ومركز، شأنه شأن الكرة، فليس للكرة جهات ست، ولكن الجاهل قاس العالم على نفسه ومن كان في مثل حاله، فإن الإنسان مثلاً له وجه يقابل به الناس وظهر يستدبر به الناس ويمين وشمال يُحاذي بهما الناس، ورأس ورجلين.
فما كان بقبالة وجهه فهو أمام وما استدبره بظهر فهو خلف، وهكذا باقي الجهات، وليس العالم هكذا، لأنه كري الشكل لا يحتمل إلا جهتين باعتبار سطحه ومركزه فقط. 
ومن جهة أخرى القائل بأن الله جل وعلا خارج العالم وفوق العالم لا يستدلون بهذه القسمة العقلية ابتداءً، بل بنصوص الوحي، كقوله جل وعلا: (الرحمن على العرش استوى) و (ثم استوى على العرش) و(إليه يصعد الكلم الطيب) و(يخافون ربهم من فوقهم) و (أئمنتم من في السماء) و (تعرج الملائكة والروح إليه) وما لا يحصى وليس هذا موضع بسطها. 
ولا خلاف بيننا وبين الجهمية كفودة وأصحابه في دلالتها على العلو والجهة، لذا يلجأ الجهمية إلى التأويل الذي هو صرف اللفظ عن دلالته الظاهرة إلى أخرى غير ظاهرة، فلو لم تدل نصوص الوحي على علو الله جل وعلا وعلى جهة فوق، لم يحتاجوا إلى تأويلها.
ونحن نبقيها على الدلالة الظاهرة لإجماع السلف على حملها على ذلك، فقد اشتهر عنهم رضي الله عنهم (أمروها كما جاءت)، وعليه إن جاءت ظاهرة في العلو والجهة وجب إبقاء دلالتها على ذلك، وإلا لما أمررناها كما جاءت. 
وقال البغوي إمام الشافعية في زمانه رحمه الله عند كلامه على بعض أحاديث الصفات : ” هذه ونظائرها صفات لله تعالى ورد بها السمع يجب الإيمان بها ، وإمرارها على ظاهرها معرضا فيها عن التأويل ، مجتنبا عن التشبيه” (شرح السنة) 1/170 
وقد نقل القرطبي إجماع السلف على إثبات الجهة، فقال : ” وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسلهولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة.
وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته” 
ونقله أيضاً ابن رشد حيث قال في (مناهج الأدلة) صفحة 145 : “أما هذه الصفة ـ أي الجهة ـ فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية
أما الاستدلال بالعقل على ذلك فليس في كلامهم، لكن بعضهم اعترض بالعقل على نفاة العلو والجهة بنحو ما ذكره فودة، لا أنهم استدلوا به على إثبات العلو والجهة، لأن العقل عندهم لا مدخل له في إدراك الصفات لكونها من الغيب الذي لا يعرف إلا بالوحي. وهم لا ينكرون دلالات العقول، ولكنهم لا يصفون الله بدلائلها حتى يأتي النص مصدقاً بذلك، لاختلاف العقول أشد الاختلاف، حتى جوزت أن يكون لله صاحبة وولد، وجوزت عبادة الحجر والبقر، فإذا كان العقل قد يقع في مثل هذه السخافات، كان لا بُدَّ له من أمر يعصمه ويرجع إليه، وهو عندنا الكتاب والسنة.أما الدليل العقلي الذي نقله عن خصومه هنا فحاصله أن الدخول والخروج في الشيء الواحد والزمان الواحد هو كالوجود والعدم، فكما لا يجوز أن يكون الشيء موجوداً معدوماً في زمان واحد، فلا يجوز أن يكون داخلاً خارجاً في شيء واحد وزمان واحد؛ فإن لم يكن داخلاً فهو خارج وإن لم يكن خارجاً فهو داخل.
فإذا لم يكن الله تبارك وتعالى داخل العالم فهو خارج العالم بلا شك.
وهذه قضية ضرورية يجدها كل إنسان في نفسه، حتى فودة.
لكن بطر الحق وغمط الناس يفعل أكثر من هذا. 
ويكفي لدفع فودة للإعتراف أو السكوت أن تسأله : هل وجود الله جل وعلا ذهني فقط أو له وجود في الخارج؟
إن قال : وجوده ذهني فقط؛ كفر.وإن قال : له وجود في الخارج.
أثبت لله الخروج الذي ينافح هنا لنفيه.
وحينئذٍ نعترض عليه بما اعترض به ابن الجلال على خصومه فنقول له: لو كان خارجاً عن الذهن فإما أن يكون متصلاً به أو منفصلاً عنه بمسافة، والأول يقتضي كونه من جنس ما في الأذهان، والثاني يؤدي إلى الاحتياج إلى المخصص.
فإن تعلل بأن خروجه من الأذهان ليس من جنس خروج الأجسام عن الأذهان.
قلنا: فهلا قلت في خروج الله جل وعلا عن العالم مثل ذلك.لكن دعنا لا نعترض ونرى بماذا يجيب فودة.

قال فودة : “فنقول وبالله التوفيق: كلامهم هذا متهافت، ويدلُّ على سخف عقولهم، ولا يغترُّ به إلا جاهل، لا يفهم معاني الألفاظ ولا يعقلها.”
لننظر إلى بعض من وصفهم الأنوك بتهافت الكلام وسخف العقول:

قال الإمام المفسر محمود الألوسي : “وأيد القول بالفوقية أيضا بأن الله تعالى لما خلق الخلق لم يخلقهم في ذاته المقدسة تعالى عن ذلك فانه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فتعين أنه خلقهم خارجا عن ذاته، ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم لكان متصفا بضد، ذلك لأن القابل للشيء لا يخلوا منه أو من ضده، وضد الفوقية السفول، وهو مذموم على الاطلاق. والقول بأنا لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها، مدفوع بأنه سبحانه لو لم يكن قابلا للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى سلم بأنه جل شأنه ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم وأنه موجود في الخارج ليس وجوده ذهنيا فقط، بل وجوده خارج الأذهان قطعا، وقد علم كل العقلاء بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو إما داخل العالم وإما خارج عنه وإنكار ذلك إنكار ما هو أجلى البديهيات، فلا يستدل بدليل على ذلك إلا كان العلم بالمباينة أظهر منه وأوضح وإذا كان صفة الفوقية صفة كمال لا نقص فيها ولا يوجب القول بها مخالفة كتاب ولا سنة ولا اجماع كان نفيها عين الباطل لا سيما والطباع مفطورة على قصد جهة العلو عند التضرع إلى الله تعالى” انتهى من (روح المعاني) 7/115.
وحاصل كلامه رحمه الله أن كون الخالق إما داخل العالم أو خارجه معروف ببديهة العقول، وأنه من الضروريات.
فيكون الجهمية كفودة وسلفه منكرين للبديهيات الضروريات.
وهذا الذي نقلناه عن الألوسي قاله الإمام أحمد في (الرد على الجهمية) وكذا نقله الرازي عن الكرامية والحنابلة في كتابه (أساس التقديس).
ولو كان فودة يجري على طريق الإنصاف، لاكتفى بتخطئة هذا الإستدلال دون أن يستخف بالمستدل به.
ويا ليته حين استخف هذا الإستخفاف جاء بما يبطله قطعاً وببادي النظر، ولكن انظر ماذا قال:
قال فودة : “فالله تعالى كان قبل كل شيء، والعالم كله بما فيه مخلوق، والعالم له بداية لم يكن قبلها موجوداً، فقبل أن يخلق الله العالم هل كان في جهةٍ أو كان في مكان ؟! الكل متفق على أن المكان والجهات كلها مخلوقة، ومن قال غير هذا فقد كفر بملة الإسلام، فالله تعالى كان ولم يكن شيء غيره
فنحن في هذا الحال نسأل هؤلاء المجسمة: هل كان لله خارجٌ وداخلٌ ؟
إن قالوا: نعم، كفروا، وأقروا على أنفسهم بأن الله محدودٌ وله جهاتٌ ومكانٌ، وقائل هذا كافرٌ في هذه الحال”
أقول: قوله “ألكل متفق على أن المكان والجهات كلها مخلوقة” خطأ وهي مسألة بسيطة صغيرة في علم الكلام لا يعرفها فودة، فليته حيث جهل سكت.
ذلك أن الجهات أمور نسبية اعتبارية لا تحقق لها في نفسها، والمكان في عرف المتكلمين قد يطلق ويراد به الحيز المشغول أو السطح المماس للمتحيز، ونحو ذلك. فإن أردنا الحيز المشغول فهو غير موجود بل مقدر في الذهن فقط. وإن أراد السطح المماس فهو إما حقيقي كسطح الإناء الداخل المماس لسطح الماء الخارج، أو تقديري كسطح العدم المقدر في الذهن مماساً لسطح العالم الخارج، وهذا الثاني غير مخلوق.
ثم انظر إلى جرأته على تكفير الناس في مسألة لا يحسنها.
فإن قال : أنا إنما أردت بالمكان المعنى اللغوي لا العرف الإصطلاحي، كنحو البيت والمسجد والكرسي والعرش، وأردت بالجهة نفس المشار إليه.
قيل له : هذ يبطل عليك استدلالك، فإن خصمك مع إيمانه بأن المكان والجهة بهذين المعنيين مخلوقين، يقول: إن الله جل وعلا فوق العالم حيث لا مكان مخلوق ولا مشار إليه مخلوق، وإلا كان خارج العالم ليس بخارج العالم.
قال ابن رشد في (مناهج الأدلة) صفحة 145- 146 : “والشبهة التي قادت نُفاة الجهة إلى نفيها، هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان إثبات الجسمية. ونحن نقول هذا كله غير لازم، فإن الجهة غير المكان. وذلك أن الجهة هي إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به، وهي ستة. وبهذا نقول إن للحيوان فوق وأسفل، ويميناً وشمالاً، وأمام وخلف. وإما سطوح جسم أخر محيط بالجسم، ذي الجهات الست. فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلاً. وأما سطوح الأجسام المحيطة به فهي له مكان، مثل سطوح الهواء المحيطة بالإنسان، وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهواء هي أيضاً مكان للهواء، وهكذا الأفلاك بعضها محيط ببعض ومكان له.
وأما سطح الفلك الخارجي، فقد تبرهن أنه ليس خارجه جسم، لأنه لو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون خارج ذلك الجسم جسم آخر ويمر الأمر إلى غير نهاية. فإذاً سطح آخر أجسام العالم ليس مكاناً أصلاً، إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم أصلاً، لأن كل ما هو مكان يمكن أن يوجد فيه جسم. فإذاً: إن قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة، فواجب أن يكون غير جسم. فالذي يمتنع وجوده هنالك هو عكس ما ظنه القوم، وهو موجود هو جسم، لا موجود ليس بجسم” انتهى كلامه.

وما أظن فودة يفهم هذا، فإنه يكتب ويعترض بما يستحي منه صغار الطلبة في علمي الكلام والفلسفة. ولولا أن الأجهل منه موجود، لما كان له أتباع أصلاً.

وقول فودة : ” فنحن في هذا الحال نسأل هؤلاء المجسمة: هل كان لله خارجٌ وداخلٌ ؟
إن قالوا: نعم، كفروا، وأقروا على أنفسهم بأن الله محدودٌ وله جهاتٌ ومكانٌ، وقائل هذا كافرٌ في هذه الحال”

أقول: الرجل فيما يظهر مولع بالتكفير، فيكفر بما لم يكفر به سلفه من الجهمية، فقد قال الدسوقي في (حاشيته على أم البراهين) صفحة 109 : “ومن المعتقد أنه جسم لا كالأجسام فهو عاصٍ غير كافر،… وأراد بأضرابهم الجهوية القائلين إن الله في جهة الفوق، وفي كفرهم قولان، والمعتمد عدم كفرهم

وهكذا رجحوا أن الكرامية ليسوا بكفار، مع تصريحهم بالحد، ولو من جهة أسفل فقط.

ويا ترى ماذا يقولون في ابن المبارك وقد صرح بالحد؟ ووافقه عليه أحمد ابن حنبل رحمه الله. أتراهم يقولون : في كفرهما قولان!!

أما سؤال : “هل كان لله خارج وداخل”

فللجواب عليه لا بُدَّ أولاً من أن يبين مقصوده بالداخل والخارج؟

فإن قال : أريد بالداخل المحوي والمخالط وبالخارج المباين المتصل أو المنفصل بمسافة.

قلنا : هذا لا يكون إلا في الجسم، ونحن لم نقل بأنه جسم حتى يلزمنا الدخول أو الخروج بهذا المعنى، فما معنى السؤال عنه؟ ثم ما علاقة هذا فيما نحن فيه؟

أما تكفير من يقول بأن لله حد بمعنى أنه غير مخالط لخلقه، وبأنه في جهة فوق وبأن له مكان بمعنى أنه مستوٍ على عرشه، فهو تكفير لسلف الأمة جميعاً.

ثم قال : “ونسألهم: هل يمكن أن يتصور العقلُ في هذه الحالة وجود جهات وأبعادٍ وغير هذا من توهمات ؟ إن قالوا: نعم، كفروا، وتناقضوا أيضاً”

سبحان الله!! أنظر ما أهون التكفير عنده.

الجهات والأبعاد إن أراد تصورها في ذات الله جل وعلا، فهو مما لم يأتِ به الشرع، ونحن لم نقل بأنه جسم ذو أبعاد حتى يلزمنا هذا السؤال فضلاً عن استلزام التكفير به . وإن أراد به في غير الذات فنعم، فإن تصور الأبعاد الثلاثة في العدم السابق على خلق العالم ممكن، إلا على قول من نفى الخلاء والملاء خارج العالم كالفلاسفة.

على أن هناك من أثبت الأبعاد الثلاثة في ذات الله جل وعلا، كالهشامية بل نقل عن الكرامية وغيرهم، والرد عليهم بمجرد التكفير لا يفيد في هذا الباب، ولكن عليه كأحد المتكلمين أن يبين بالبرهان وجه بطلان قول المخالف، وسبب تكفيره، لا الاكتفاء بالتكفير. وكيف يسمى مجرد الرد على الخصم بتكفيره (حسن المحاججة) ؟!!

على أن القول بالحد في الذات منقول عن الكرامية وتقدم معك أن الراجح عند الأشاعرة عدم تكفيرهم.

أما تصور الجهة في غير الذات فممكن أيضاً بالتقدير أو الفرض، والمتكلمون أثبتوه عند استدلالهم على حدوث العالم فقالوا : إن الجوهر تحله الأكوان وجعلوا منها الكون في الجهة ، وأوردوا اعتراضاً وهو أن الجوهر حال كونه وحده ليس هناك جوهر آخر فليس هناك جهة. فأجابوا بأن الجوهر حال كونه وحده يمكن تقديره في جهة لجواز تقدير وجود جوهر آخر ، فذلك الآخر إما أن يقدر مجتمعاً به أو مفارقاً له في الحالين يكون في جهة منه، قالوا : ولولا صحة قبوله للجهة لما صح هذا التقدير.

وعلى فرض أن تصور ذلك قبل خلق الخلق غير ممكن، فبعد خلق الخلق ممكن، فكان ماذا؟

قوله: “فنقول: ولما خلق الله العالم كيف تقولون إنه خلقه تحته وصار هو فوقه ؟!!إذن الله تعالى بعد أن لم يكن محدوداً جعل نفسه محدوداً !
الله تعالى بعد أن لم يكن له تحتٌ صار له تحتٌ !
الله تعالى بعد أن لم يكن في جهة صار في جهة !
الله تعالى بعد أن لم يكن في مكان صار في مكان !
إذن الله تعالى تأثَّر بوجود العالم وصار محدوداً وفي مكان وفي جهةٍ .. إلخ، وهذا في غاية القبح منكم أن جعلتم المخلوق يؤثر في الخالق، فسبحان الله، ثم تزعمون أنكم تنزهون الله تعالى !! كلا، إنكم مشبهون، تصفون الله تعالى بصفات النقص، التي يتنزه عن مثلها المخلوق.”

هذه سخافات ، لولا أنا نقصد بما نكتب المغرورين به لكان الإعراض عما ذكره جملة خير من تعقبه فيه.

وقد تقدم معك أنا لو فرضنا أنه لا جهات ولا أمكنة قبل خلق الخلق، فمن أين له أنه لا جهات ولا أمكنة بعد خلق الخلق؟ إن قال : أردت الجهات والأمكنة بالنسبة لله جل وعلا، فإنه إن لم يحل في العالم، فهو باقٍ على حاله قبل خلقهم، فكما لم يكن في جهة ولا مكان قبل خلقهم فهو كذلك بعد خلقهم.

قلنا : تقدم معك الكلام والمقصود بالجهة والمكان من قبل، فإن أراد أن المكان الوجودي المخلوق والجهة التي هي بمعنى عين المشار إليه كما لم يحوياه جل وعلا قبل خلقها فكذلك بعد خلقها؛ سلمناه، فكان ماذا.

وإن أراد بالجهة والمكان مجرد النسبة الإضافية، فكذب، بل صار بجهة فوق بالنسبة للعالم خاصة بعد أن لم يكن هناك عالم هو له بجهة فوق، وعلا على العرش جل شأنه بعد خلقه لا قبل خلق.

وهو كقول الأشاعرة ومن وافقهم، صار خالقاً للعالم بعد أن لم يكن خالقاً، وهكذا كلامهم في المتعلقات، فإنها عندهم تتغير بتغير الحوادث.

“ونقول: الله تعالى لا نسبة بينه وبين الخلق، لا في جهةٍ ولا مكانٍ ولا زمان، ولا شيء من الصفات”

قلنا : لا نسلم، بل نقول بأنه هناك نسبة، كالنسبة الزمانية مثلاً، وهو كوجوده قبل وجود العالم، ومقارنة وجوده لوجود العالم، وبقاء وجوده بعد عدم العالم، فهذه نسب زمانية. أما ما يذكرونه من تقدم بالذات فلا حقيقة له ، ولا يمكن تصوره أصلاً، ومع ذلك فهي نسبة بين ا لمتقدم بالذات والمتأخر بالذات كانت بعد وجود المتأخر لا قبله.

وكعلوه على العالم، فهذه نسبة باعتبار الجهة.

إلا أن تريد بالنسبة أمر آخر، فبينه نتكلم فيه.

“ثم نقول: أنتم تزعمون أنكم عرفتم بالعقول أن كل موجودين فلا بد أن يكون واحدٌ منهما في جهةٍ من الآخر.فنسألكم: هذا الكلام العام كيف عرفتموه ؟ وما دليلكم عليه ؟ والمعلوم أن القضية الكلية تعرف إما بالاستقراء أو بقياس عقلي برهاني لا يردُ عليه استنثاء”

أقول: تقدم عن الألوسي ونقله الرازي عن بعض الحنابلة والكرامية أن هذه القضية بديهية ضرورية. ونحن لا نكلف إقامة البراهين على البديهيات الضروريات ، وإلا لم تكن بديهيات وضروريات.

ولا دافع له عندكم، أما مجرد وجود جماعة من العقلاء قالت بخلافه، فإن هذا لا ينفي البديهيات والضروريات، وهو كقول النصارى بأن الله جل وعلا ثالث ثلاثة، من غير أن يكون هناك كثرة عددية، فهو مع كونه ثالث ثلاثة فإن الثلاثة واحد على الحقيقة، ومع أن كل أقنوم من الأقانيم الثلاثة يخالف الآخر بحقيقته حتى أنه لا يجوز عندهم أن يقال: إن الذي صلب هو الآب أو الروح القدس، ولا أن الذي نزل على المسيح بعد تعميده هو الآب أو الإبن، ولا أن الذي يعرف الساعة الأخيرة هو الإبن أو الروح القدس، فإن كل أقنوم هو عين الأقنوم الآخر من جهة حقيقة الذات والماهية.
فهذا الكلام يُعرف بالبديهة والاضطرار بطلانه، وقول طائفة عظيمة من العقلاء به كالنصارى لا ينفي أن العلم ببطلانه بديهي أو ضروري. ثم ، ما الدليل على أن الموجود القائم بنفسه يجوز أن يكون لا داخل ولا خارج؟

وقد قرأت عدداً من كتبهم ولم أرهم احتجوا لجواز ذلك إلا بكونه ليس بجسم ولا عرض.

وهذا كما ترى وتقدم معك غير ما مرة لا يدل على المطلوب، على أنهم مختلفون في معنى الجسم والعرض اختلافاً كثيراً عجيباً يمنع من الاستدلال بهما على الخصم قبل الاتفاق على معنى صحيح لهما، وهذا الاتفاق ليس بحاصل.

قال : “فإن ادعيتم أنكم عرفتموه بالاستقراء، فأنتم كاذبون؛ لأنكم لم تدركوا قطعاً كل المخلوقات الجسمانية التي خلقها الله، بل لم تدركوا الموجودات في السماء الدنيا، بل تدركوا الموجودات على ظهر الأرض، بل أنتم لا تدركون حتى حقيقة أنفسكم !! وما دام هذا –ولا تستطيعون الانفلات منه-، فلماذا الادعاء ؟”

وهذا ضعيف فإن خصمه يدعي أن هذا الأمر معلوم بالضرورة، والضروريات لا تفتقر إلى الإستقراء.

قال : “ثم كيف تزعمون بعد هذا أن هذا الكلام ينطبق حتى على الله تعالى، فعجباً منكم، تزعمون أنكم منزِّهون ومتقيدون بالكتاب والسنة، ثم تطلقون هذا الحكم المتهافت هكذا !”

هذا من بطر الحق وغمط الناس كما تقدم معك؛ فإن الإلتزام بالكتاب والسنة هو الذي يوجب هذا الحكم، وقد قدمنا معك بعض الآيات القرآنية الدالة على علو الله جل وعلا على عرشه فوق خلقه، كما قدمنا نقل الإجماع على إثبات الجهة بمعنى العلو والإرتفاع، ونقلنا عن بعض الأئمة القول بالحد والمباينة. وقدمنا عنهم أن نصوص الوحي تمر كما جاءت، فلا يجوز سلبها دلالاتها لأنها جاءت ألفاظ عربية دالة على معاني، ولا يجوز تحريف تلك الدلالات إلى معنى غير ظاهر، لأنه خلاف ما جاءت به. فما الذي يريده أكثر من ذلك.

قال : “ونسألكم: هل أدركتم حقيقة الله تعالى، فعلمتم أنه في جهةِ الفوق ! وأدركتم أنه لا يمكن أن يوجد إلا في جهةٍ ومكان، فأطلقتم هذا الكلام !!”
نقول له: كلا ولكن الله جل وعلا عالم بحقيقة ذاته وأعلمنا أنها بجهة فوق. على أن هذا الإعتراض السخيف جارٍ على كل صفة يثبتها فودة والجهمية من أتباع نحلته، فهل علمتم حقيقة ذات الله حتى تصفوه بالسمع والبصر والكلام والإرادة والقدرة والوجود؟ فما يجيب به هو جوابنا عليه.”فماذا بقي لكم من دلالة العقول ؟”

أقول: لو لم يبقَ لنا سوى معرفة الضروريات والبديهيات لكفانا في إثبات الفوقية والخروج عن العالم، وقد تقدم عن الأئمة أنها مسألة بديهية ضرورية.
“هل تقولون: إنكم أدركتم هذا بالقياس العقلي، فتقولون: كل الموجودات التي نراها تكون في جهةٍ ومكان، والله موجود، فيجب كونه في جهةٍ ومكان ؟!!”

نقول: القياس العقلي في صفات الله جل وعلا متروك لكم، أما نحن فنرى حرمة ذلك إذ لا مدخل للعقل في إثبات ما لم يتكلم به الله جل وعلا في كتبه وعلى ألسنة رسله إلا بمقدار ما توجبه الضرورة ، على أنه ليس في الضروريات أمر استقلت به ليس له ذكر في نصوص الوحي.

قال : “فنقول لكم: هذا الكلام لا ينطبق إلا على ما شهدتموه من الأجسام، فأنتم قد رأيتم حولكم أجساماً كثيرة، كل منها في جهة من الآخر، فتصورتم الله جسماً، فقلتم: هو أيضاً في جهةٍ ومكان، وإلا فإننا ندرك وجود بعض الموجودات وليس واحدٌ منها في جهةٍ من الآخر، فيصبح قولكم: كل موجود يجب أن يكون في جهةٍ باطلاً”

نقول: إعلم أننا لسنا كأتباعك الذين يتخذوك رباً من دون الله، فلا نقبل منك مجرد دعواك علينا، ونعلم من أنفسنا أنا لم نقل ذلك بمشاهدة الأجسام من حولنا، بل بإخبار الله جل وعلا لنا، وبما غرسه الله جل وعلا فينا من العلوم الضرورية القاضية بأنه إن لم تكن ذاته مخالطة لذواتنا، فهي مفارقة لها.

فدع التهويل.

ثم أورد أمثلة تثبت بزعمه أن الكون في غير جهة ممكن في الشاهد فقال : 

[أمثلة تبطل لزوم اتصال الموجود بكونه داخل أو خارج]
وها نحن نضرب لكم بعض الأمثلة التي لا تستطيعون الانفكاك منها، فنقول:

1- الشعور بالحب والكراهية موجود لا شك فيه، فإذا أحب الإنسان فإن الحُبَّ يوجد فيه، وإذا كره فإن الكراهية توجد فيه، ويمكن أن يحب الإنسان شخصاً أو أمراً ويكره أمراً آخر، فيوجد فيه في هذه الحال الحب والكراهية معاً.

والإنسان يؤمن بوجود الحب والكراهية في ذاته ويجزم به، من دون حاجته منه إلى تصور جهةٍ تحلُّ فيها هذه الكراهية أو الحب، فأين حبك أيها الإنسان من كرهك، هل هما في جهةٍ من بعضهما ؟

فإذا جزمنا بوجود هذه الأمور من دون الحاجة إلى تصور جهة تحل فيها، إذن يجوز وجودُ موجودٍ لا في جهة.

2- الإنسان قبل أن يتزوج وينجب لا يكون أباً، فإذا تزوج صار أباً، إذن هو اكتسب وصفاً وجودياً هو الأبوة، إذن الأبوة موجودة، فأين هي جهة الأبوة من الإنسان القائمة به، أو من غيره ؟! 

نحن نجزم بوجودها من دون تصور جهةٍ لها.

3- الأعداد: الواحد الاثنان الثلاث إلى آخره، لا شك أن لها وجوداً في عقولنا، لا ينكر هذا إلا جاهلٌ، فأين هي جهة الواحد مثلاً؟
وله يمكن أيها الإنسان أن تشير إلى الواحد بإصبعك أو على الأقل أن تحدد لنا جهته في نفسك.
إذا كنت لا تستطيع فلم القول منك بأنه لا بد لكل موجود أن يكون في جهةٍ.
4- كل إنسان يعلم أن العالم موجود، ويعلم أيضاً أن المطر ينزل من السماء، فهذا علمان موجودان، ولا يستطيع إنسان أن يدعي أنهما ليسا موجودين، ما دام هذا فهل يمكن أن يقال: إن المعلومة الأولى في جهةٍ من المعلومة الثانية، تحتها أو فوقها إلى غير ذلك من الجهات ؟ 
الذي يدعي هذا يعلم من نفسه أنه مغالط.
إذن: فقد تحقق لنا وجودُ موجدين ليس كلٌ منهما في جهةٍ من الآخر، وأنتم ادعيتم أن كل موجودين فلا بُدَّ من كون كل منهما في جهةٍ من الآخر، فظهر لكم فساد قولكم وتهافته.
فلماذا إذن تكابرون وتدعون أن كلامكم هذا معلوم بضرورة العقل ؟ وقد ظهر لكل عاقل أنه معلوم بطلانه بضرورة العقل.
أقول: يكفي في إبطال الجميع بيان أن الكلام مفروض في القائم بذاته وجميع الأمثلة إنما هي في القائم بغيره فهي خارجة عن محل النزاع، بيانه أنهم قسموا الموجودات إلى جوهر وعرض، والجوهر عندهم قائم بذاته والعرض قائم بالجوهر، ويمتنع عندهم في العرض قيامه بذاته أو استغنائه عن الجوهر وقيامه لا في محل ، وفوق ذلك هو لا يخلو عن المخالطة بمعنى كونه في حقيقته كائن في مخلوق أو في جسم، وجميع ذلك يخالف اعتقادهم في الله جل وعلا ، إذ هو قائم بنفسه لا في محل مستغنٍ عن غيره غير مخالط لشيء من خلقه لا جسم ولا عرض. فكيف قاس الله جل وعلا على العرض؟

هذا قاضٍ على عامة ما ذكره سوى الأعداد فإن زعمه أنها موجودات إن أراد به المعدودات أنفسها باعتبار الكمية كالرجل والرجلين والثلاثة ، فهؤلاء متحيزون لكل واحدٍ منهم جهة من الآخر، وإن أراد الأعداد المجردة فلا وجود لها أصلاً لا بصفتها جوهر ولا عرض ، بل العدد المجرد ذهني فقط لا يتصف بالوجود الخارجي.

ثانياً : قد قال بعض المتكلمين بتحيز العرض في الجوهر فيكون بعضها في جهة من بعض كالحب والكراهة والعلوم المختلفة والأبوة والبنوة وغيرها غير أنا لا نعْلم جهة أحدها من الآخر فقط ولا نسعى إلى تحصيل العلم بذلك. 
وقد تقدم معك في كلام الألوسي رحمه الله أن الضرورة مدعاة في الموجود خارج الذهن القائم بنفسه.
وانتبه بعد هذا كله –أيها القارئ- أن حكمهم بالجهة والمكان وغير ذلك هو داخل في قسم التصورات من أقسام العلوم، خصوصاً أنهم يشيرون إليه بالأصابع، فيلزم على هذا أنهم يدعون أنهم يتصورون حقيقة صفة من صفاته على الأقل، وهذا معلومٌ بطلانه لدى كل مسلم.
أقول: هذا الأحمق يظن أن نفس الجهة والمكان عندنا صفة من صفات الله جل وعلا .
فإن قال : أردت العلو، وهو عندي يستلزم الجهة والمكان. 
قلنا : اللازم الذي هو الجهة والمكان ـ على فرض تسليمه بالمعنى الذي ذكرتَه سابقاً ـ ليس هو الصفة بل ملزومها، فتصورهما ليس هو تصور الصفة.
على أن نفي تصور الصفة مطلقاً يستلزم الجهل بالصفات جميعاً جهلاً مطلقاً فلا نعلم حينئذٍ معنى الموجود الحي القادر المريد المتكلم السميع البصير، وهي صفات يقر بها الأشعرية ويزعمون أن العقل دل على ثبوتها، فكيف تراه دل عليها مع عدم تصوره لها أصلاً ؟
فإن قيل: إن العقل يدرك قدراً مشتركاً إجمالياً ولا يدرك حقيقة ما ختص الله جل وعلا به.
قلنا : كذلك الأمر في علوه جل وعلا.

أم تقولون: الله تعالى قائم بنفسه، وكل قائم بنفسه في مكان وجهة.
فنقول: معنى القيام بالنفس هل هو مشترك بين الله والأجسام حتى يجوز لكم هذا القياس ؟
إن قلتم: نعم، فأنتم مشبهة، وإلا فلم تكابرون وتقولون: الله تعالى في مكان وجهةٍ، وقد أقررتم سابقاً أن المكان والجهة مخلوقان ؟!

اعلم علمنا الله وإياك أنا لا نرد عليه لعلمه ، بل لأن له أتباع يسمونه بالعلامة النظار، وإلا فالحماقات التي يتفوه بها ويسطرها قلمه يترفع عنها من تصور شيئاً بسيطاً من علوم الكلام والمنطق ، وإلا كيف ساغ له أن يسوق هذا السؤال سياقاً إنكارياً؟
ترى لو سألناه سؤاله هذا نفسه فقلنا له : معنى القيام بالنفس هل هو مشترك بين الله والأجسام أم لا؟
بماذا يجيب؟
إن قال : نعم .
وافق.
وإن قال : لا.
خالف العقلاء.
وإن قال : أُثبت قدراً مشتركاً إلا أني لا اجعل اللازم في الأجسام لازم في الباري جل وعلا.
قلنا : إنما يصح هذا فيما يلزم الجسم من حيث هو جسم لا من حيث هو قائم بنفسه؛ لأن القيام بالنفس أمر مشترك بين القديم والحادث ما لم يكن عرضاً فيما يلزم من القيام بالنفس يعم الجميع.
أليس الحي من حيث هو حي قابل للاتصاف بالسمع والبصر؟ وهو مشترك بين الممكن والحادث.
أليس لو قال قائل : إني لا أجعل اللازم من الحياة في المخلوق لازماً في الخالق، إن أراد ما يلزم عن المخلوق من حيث هو حي فقط يكون أحمقاً مغفلا والسكوت أستر له ؟
وإن قال : إنما أنفي اللازم من قيام الجسم بنفسه من حيث هو جسم لا من حيث هو قائم بنفسه.
قلنا: فإنا ندعي الضرورة بأن الموجود القائم بنفسه إما أن يكون داخل العالم أو خارجه من حيث هو قائم بنفسه لا من حيث هو جسم.
يدل عليه أنا نقول بأن الروح قائمة بنفسها وتدخل وتخرج في الأجسام وليست بجسم أصلاً ، وما يدعيه بعضهم من كون الروح ليست داخل العالم ولا خارجه إلى آخر هرائهم لا نسلمه وندعي حصول الضرورة فيه أيضاً مع ما دلت عليه النصوص الشرعية من دخولها وخروجها وصعودها ونزولها وغير ذلك.
بل نقول : إنه ضروري في الموجود من حيث هو موجود حتى في العرض، فإنه إن جاز أن لا يحايث غيره من الأعراض فهو محايث للأجسام باعتبارين والأعراض باعتبار لا محالة. فإنا نقول هو إما في الجسم أو خارجه لا يجوز أمر ثالث، وهو باعتبار الجسم الذي يقوم به ملابس مخالط له ، وباعتبار الأجسام الذي ليس هو فيها فهو مفارق لها فإن كان ثمة جسمين أبيض متيامن وأسود متياسر فإن بياض المتيامين يمين الجسم المتياسر وسواد المتياسر يسار الجسم الأبيض المتيامن، فهو محايث بالتبع لما يقوم فيه لا استقلالاً. وبهذا الاعتبار يكون العرض محايث للعرض أيضاً فإن البياض هنا يمين السواد والسواد يسار البياض باعتبار ما قاما به بالتبع.
بل نزعم كما قاله بعض المعتزلة أن الأعراض تتحايث في الجوهر الواحد غايته أنا لا ندرك تحايثها وكيفيته، لكن لا يجوز أن يكون أحد العرضين لا مخالطاً لغيره ولا مفارقاً له لا متصلاً به ولا منفصلاً عنه.
بهذا أكتفي ، فإن أشكل عليك باقي كلامه فيكفي أن تطالب في كل دعوى منها بدليلها كقوله : 
(والجهة ليست من هذا القبيل، فهي كمالٌ بشرط كون المتصف بها جسماً كثيفاً كسائر الأجسام التي نلاحظها.
وأما الجهة بالنظر لذاتها فهي صفة نقص، لأنها قيدٌ في أصل الوجود)
فتقول : من أين جاء بأن خصمه يجعل الجهة صفة ؟
ما دليله على أنها نقص ؟
ما دليل تقييد حصول الكمال بكون المتصف بالجهة جسماً كثيفاً.
وهكذا ، فإن عامة ما يذكره دعاوي محضة لا يدلل عليها .
ثم يقول :
(ولا نريد أن نتعمق لكم بالأنظار العقلية، لكي لا تنقطع متابعتكم لنا في هذا الكلام؛ لأننا ندرك أنكم غير غواصين في هذا المجال، ولكن إجراؤنا للكلام معكم على وفاق ما طلبه الله تعالى من المؤمنين بالمجادلة بالتي هي أحسن، وعلى سبيل النصيحة لكم في الدين الذي تنتسبون إليه)
فنقول : 

إن البغاث بأرضه يستنسر

هذا والله سبحانه أعلى وأعلم

نبوَّة النساء عند ابي الحسن الأشعري

قال ابن حجر:

وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ من النِّسَاء من نبىء وَهُنَّ سِتٌّ حَوَّاءُ وَسَارَةُ وَأُمُّ مُوسَى وَهَاجَرُ وَآسِيَةُ وَمَرْيَمُ وَالضَّابِطُ عِنْدَهُ أَنَّ مَنْ جَاءَهُ الْمَلَكُ عَنِ اللَّهِ بِحُكْمٍ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ بِإِعْلَامٍ مِمَّا سَيَأْتِي فَهُوَ نَبِيٌّ وَقَدْ ثَبَتَ مَجِيءُ الْمَلَكِ لِهَؤُلَاءِ بِأُمُورٍ شَتَّى مِنْ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالْإِيحَاءِ لِبَعْضِهِنَّ فِي الْقُرْآنِ

________

المصدر:

الكتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري
الجزء: 6
الصفحة: 447
المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
الناشر: دار المعرفة – بيروت، 1379
عدد الأجزاء: 13

من النساء نبيات كما يقول القرطبي

قال القرطبي تحت تفسير قوله تعالى {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ }

وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كمل مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ وَإِنَّ فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ).

قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: الْكَمَالُ هُوَ التَّنَاهِي وَالتَّمَامُ، وَيُقَالُ فِي مَاضِيهِ” كَمُلَ” بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا، وَيَكْمُلُ فِي مضارعة بالضم، وكمال كل شي بِحَسْبِهِ. وَالْكَمَالُ الْمُطْلَقُ إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً. وَلَا شَكَ أَنَّ أَكْمَلَ نَوْعِ الْإِنْسَانِ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ يَلِيهِمُ الْأَوْلِيَاءُ مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْكَمَالَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ يَعْنِي بِهِ النُّبُوَّةَ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ عَلَيْهَا السَّلَامُ وَآسِيَةُ نَبِيَّتَيْنِ، وَقَدْ قِيلَ بِذَلِكَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهَا بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ كَمَا أَوْحَى إِلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ حَسْبَ مَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي بَيَانُهُ أَيْضًا فِي” مَرْيَمَ”

وَأَمَّا آسِيَةُ فَلَمْ يَرِدْ مَا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهَا دِلَالَةً وَاضِحَةً بَلْ عَلَى صِدِّيقِيَّتِهَا وَفَضْلِهَا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي” التَّحْرِيمِ” «2».

وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: (خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ أَرْبَعٌ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ). وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ (. وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ عَنْهُ:) سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَعْدَ مَرْيَمَ فَاطِمَةُ وَخَدِيجَةُ). فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ مَرْيَمَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ نِسَاءِ الْعَالَمِ مِنْ حَوَّاءَ إِلَى آخِرِ امْرَأَةٍ تَقُومُ عَلَيْهَا السَّاعَةُ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ بَلَّغَتْهَا الْوَحْيَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالتَّكْلِيفِ وَالْإِخْبَارِ وَالْبِشَارَةِ كَمَا بَلَّغَتْ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ، فَهِيَ إِذًا نَبِيَّةٌ وَالنَّبِيُّ أَفْضَلُ مِنَ الْوَلِيِّ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ النِّسَاءِ: الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مُطْلَقًا. ثُمَّ بَعْدَهَا فِي الْفَضِيلَةِ فَاطِمَةُ ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ آسِيَةُ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ثُمَّ فَاطِمَةُ ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ آسِيَةُ). وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ. وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ مَرْيَمَ بِمَا لَمْ يُؤْتِهِ أَحَدًا مِنَ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ روج الْقُدُسِ كَلَّمَهَا وَظَهَرَ لَهَا وَنَفَخَ فِي دِرْعِهَا وَدَنَا مِنْهَا لِلنَّفْخَةِ، فَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ النساء. 

ثم بيَّن حجة مخالفيه، فقال:

وَمَنْ قَالَ لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً قَالَ: إِنَّ رُؤْيَتَهَا لِلْمَلَكِ كَمَا رُئِيَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صِفَةِ دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ حِينَ سُؤَالِهِ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَلَمْ تَكُنِ الصَّحَابَةُ بِذَلِكَ أَنْبِيَاءَ والأول أظهر وعليه الأكثر. والله أعلم.

 

رد العز بن عبد السلام على من ادعلى أن العقيدة فيها مذاهب كالمذاهب الفقهية

قال العز بن عبد السلام:

“وَأما مَا ذكر من أَمر الِاجْتِهَاد وَالْمذهب الْخَامِس فأصول الدّين لَيْسَ فِيهَا مَذَاهِب فَإِن الأَصْل وَاحِد وَالْخلاف فِي الْفُرُوع” [طبقات الشافعية ج8ص233]

ابن حجر يبطل قول الأشاعرة بالكلام النفسي

قال ابن حجر:

وَقَالَتِ الْأَشْعَرِيَّةُ كَلَامُ اللَّهِ صِفَةُ ذَاتٍ لَمْ يَزَلْ وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَهُوَ غَيْرُ عِلْمِ اللَّهِ وَلَيْسَ لِلَّهِ إِلَّا كَلَامٌ وَاحِدٌ وَاحْتُجَّ لِأَحْمَدَ بِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْقَاطِعَةَ قَامَتْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَلَمَّا كَانَ كَلَامُنَا غَيْرَنَا وَكَانَ مَخْلُوقًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ غَيْرَهُ وَلَيْسَ مَخْلُوقًا وَأَطَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِينَ لِذَلِكَ وَقَالَ غَيْرُهُ اخْتَلَفُوا فَقَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَبَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةُ وَبَعْضُ الْخَوَارِجِ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ كَالشَّجَرَةِ حِينَ كَلَّمَ مُوسَى وَحَقِيقَتُهُ قَوْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ وَإِنْ نُسِبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ فَبِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ يَتَكَلَّمُ حَقِيقَةً لَكِنْ يَخْلُقُ ذَلِكَ الْكَلَامَ فِي غَيْرِهِ وَقَالَتِ الْكِلَابِيَّةُ الْكَلَامُ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ قَدِيمَةُ الْعَيْنِ لَازِمَةٌ لِذَاتِ اللَّهِ كَالْحَيَاةِ وَأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَتَكْلِيمِهِ لِمَنْ كَلَّمَهُ إِنَّمَا هُوَ خَلْقُ إِدْرَاكٍ لَهُ يَسْمَعُ بِهِ الْكَلَامَ وَنِدَاؤُهُ لِمُوسَى لَمْ يَزَلْ لَكِنَّهُ أَسْمَعَهُ ذَلِكَ النِّدَاءَ حِينَ نَاجَاهُ وَيُحْكَى عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ نَحْوُهُ لَكِنْ قَالَ خَلَقَ صَوْتًا حِينَ نَادَاهُ فَأَسْمَعَهُ كَلَامَهُ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ السَّلَفِ الَّذِينَ قَالُوا ان الْقُرْآن لَيْسَ بمخلوق وَأخذ بقول بن كِلَابٍ الْقَابِسِيِّ وَالْأَشْعَرِيِّ وَأَتْبَاعِهِمَا وَقَالُوا إِذَا كَانَ الْكَلَامُ قَدِيمًا لِعَيْنِهِ لَازِمًا لِذَاتِ الرَّبِّ وَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ فَالْحُرُوفُ لَيْسَتْ قَدِيمَةً لِأَنَّهَا مُتَعَاقِبَةٌ وَمَا كَانَ مَسْبُوقًا بِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا وَالْكَلَامُ الْقَدِيمُ مَعْنًى قَائِمٌ بِالذَّاتِ لَا يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَجَزَّأُ بَلْ هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ إِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ قُرْآنٌ أَوْ بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَهُوَ تَوْرَاةٌ مَثَلًا وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَلَامُ اللَّهِ وَكَذَا التَّوْرَاةُ وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِحُرُوفِ الْقُرْآنِ وَأَسْمَعَ مَنْ شَاءَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ صَوْتَهُ وَقَالُوا إِنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ قَدِيمَةُ الْعَيْنِ لَازِمَةُ الذَّات لَيْسَ مُتَعَاقِبَةً بَلْ لَمْ تَزَلْ قَائِمَةً بِذَاتِهِ مُقْتَرِنَةً لَا تُسْبَقُ وَالتَّعَاقُبُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ بِخِلَافِ الْخَالِقِ وَذَهَبَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ إِلَى أَنَّ الْأَصْوَاتَ وَالْحُرُوفَ هِيَ الْمَسْمُوعَةُ مِنَ الْقَارِئِينَ وَأَبَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَقَالُوا لَيْسَتْ هِيَ الْمَسْمُوعَةُ مِنَ الْقَارِئِينَ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بِالْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لَكِنَّهُ فِي الْأَزَلِ لَمْ يَتَكَلَّمْ لِامْتِنَاعِ وُجُودِ الْحَادِثِ فِي الْأَزَلِ فَكَلَامُهُ حَادِثٌ فِي ذَاتِهِ لَا مُحْدَثٌ وَذَهَبَ الْكَرَّامِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ حَادِثٌ فِي ذَاتِهِ وَمُحْدَثٌ وَذَكَرَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ يَقُومُ بِذَاتِهِ وَبِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ هُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ نَقْلًا وَعَقْلًا وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ تَرْكُ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ وَالتَّعَمُّقِ فِيهِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ثُمَّ السُّكُوتُ عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى 

فتح الباري ج13 ص455

 

وقال:

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْكَلَامِ فِي أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ هَلْ هُوَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ أَوْ لَا فَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لَا يَكُونُ الْكَلَامُ إِلَّا بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ وَالْكَلَامُ الْمَنْسُوبُ إِلَى اللَّهِ قَائِمٌ بِالشَّجَرَةِ وَقَالَتِ الْأَشَاعِرَةُ كَلَامُ اللَّهِ لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ وَأَثْبَتَتِ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَحَقِيقَتُهُ مَعْنًى قَائِمٌ بِالنَّفْسِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عَنْهُ الْعِبَارَةُ كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْعَجَمِيَّةِ وَاخْتِلَافُهَا لَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ هُوَ ذَلِكَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ وَأَثْبَتَتِ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ اللَّهَ مُتَكَلِّمٌ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ أَمَّا الْحُرُوفُ فَلِلتَّصْرِيحِ بِهَا فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَأَمَّا الصَّوْتُ فَمَنْ مَنَعَ قَالَ إِنَّ الصَّوْتَ هُوَ الْهَوَاءُ الْمُنْقَطِعُ الْمَسْمُوعُ مِنَ الْحَنْجَرَةِ وَأَجَابَ مَنْ أَثْبَتَهُ بِأَنَّ الصَّوْتَ الْمَوْصُوفَ بِذَلِكَ هُوَ الْمَعْهُودُ مِنَ الْآدَمِيِّينَ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَصِفَاتُ الرَّبِّ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ وَعَدَمِ التَّشْبِيهِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْحَنْجَرَةِ فَلَا يَلْزَمُ التَّشْبِيهَ وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ سَأَلْتُ أَبِي عَنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى لَمْ يَتَكَلَّمْ بِصَوْتٍ فَقَالَ لِي أَبِي بَلْ تَكَلَّمَ بِصَوْتٍ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُرْوَى كَمَا جَاءَتْ وَذَكَرَ حَدِيثَ بن مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ

فتح الباري ج13 ص460

وعادته أنه إذا ختم بكلام فإنه يتبناه، وقد ختم بكلام أحمد

ابن حجر يُبطل قول الأشاعرة في مسألة التكوين وصفة الخلق الحوادث

قال ابن حجر:

ومسئلة التَّكْوِينِ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَصْلُهَا إِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ صِفَةُ الْفِعْلِ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ

فَقَالَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ قديمَة

وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم ابن كِلَابٍ وَالْأَشْعَرِيُّ هِيَ حَادِثَةٌ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ قَدِيمًا

وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ يُوجَدُ فِي الْأَزَلِ صِفَةُ الْخَلْقِ وَلَا مَخْلُوقَ

وَأَجَابَ الْأَشْعَرِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ خَلْقٌ وَلَا مَخْلُوقٌ كَمَا لَا يَكُونُ ضَارِبٌ وَلَا مَضْرُوبٌ

فَأَلْزَمُوهُ بِحُدُوثِ صِفَاتٍ فَيَلْزَمُ حُلُولُ الْحَوَادِثِ بِاللَّهِ

فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تُحْدِثُ فِي الذَّاتِ شَيْئًا جَدِيدًا

فَتَعَقَّبُوهُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يُسَمَّى فِي الْأَزَلِ خَالِقًا وَلَا رَازِقًا وَكَلَامُ اللَّهِ قَدِيمٌ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ فِيهِ الْخَالِقُ الرَّزَّاقُ

فَانْفَصَلَ بَعْضُ الْأَشْعَرِيَّةِ بِأَنَّ إِطْلَاقَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ عَدَمُهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ. وَلَمْ يَرْتَضِ هَذَا بَعْضُهُمْ بَلْ قَالَ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ نَفْسِهِ إِنَّ الْأَسَامِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْأَعْلَامِ وَالْعَلَمُ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ فِي اللُّغَةِ وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَلَفْظُ الْخَالِقِ الرَّازِقِ صَادِقٌ عَلَيْهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْبَحْثُ إِنَّمَا هُوَ فِيهَا لَا فِي الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ

فَأَلْزَمُوهُ بِتَجْوِيزِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْفِعْلُ

فَأَجَابَ أَنَّ الْإِطْلَاقَ هُنَا شَرْعِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ انْتَهَى

وَتَصَرُّفُ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَقْتَضِي مُوَافَقَةَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالصَّائِرُ إِلَيْهِ يَسْلَمُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مَسْأَلَةِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ

فتح الباري ج13 ص440

اختلاف الأشاعرة في طريقة الاستدلال بحدوث الأجسام

اختلاف الأشاعرة في طريقة الاستدلال بحدوث الأجسام
وقع بين الجويني والرازي وغيرهما اختلاف ظاهر في دليل حدوث الأجسام ..
وأصل هذا الدليل ما ابتدعته الجهمية والمعتزلة وأسموه دليل حدوث الأجسام ، تم تبعهم على ذلك الكلابية والأشعرية والماتريدية وغيرهم ، بل بالغوا في الأمر وغلوا فيه حتى قالوا إن من لا يعتقد حدوث الأجسام لا أصل لاعتقاده في الصانع .
ودليل حدوث الأجسام هو المسمى بدليل الأعراض ، أو دليل حدوث العالم ، أو دليل حدوث الأجسام والأعراض ، وكلها أسماء لمعنى واحد هو الدليل على وجود الله عند الأشعرية ..
وقد عقد الجويني في كتابه الشامل فصلاً حول تبني المعتزلة لحدوث الأجسام وبيّن فيه عجزهم عن نصب الأدلة على استحالة كون القديم جسماً . [ الشامل للجويني ص218 ط الكتب العلمية ]
والرازي بين فساد هذا الدليل في كتابيه : المباحث الشرقية والمطالب العالية .
والآمدي ضعف استدلالات الرازي ووافقه على كثير منها الأرموي وقدح الغزالي فيها وكتب الأثير الأبهري كتابه المعروف ” تحرير الدلائل بتقرير المسائل ” وبين فساد أدلة الأشاعرة في مسألة حدوث العالم وأن الأعراض لا تبقى زمانيين الخ … “
فهل بعد هذا من تناقض بين هذه الفئة السبعية ؟ وهو الدليل عندهم على وجود الله ؟
ورحم الله شيخ الإسلام عندما قال مقررا عقيدتهم في هذا الدليل :
وأصل كلامهم أنهم قالوا لا يعرف صدق الرسول حتى يعرف إثبات الصانع، ولا يعرف إثبات الصانع حتى يعرف حدوث العالم ، ولا يعلم حدوث العالم إلا بما به يعلم حدوث الأجسام .
انظر : شرح الأصبهانية 2/ 631 ، الدرء 5/286 ، 7/71 ، ومنهاج السنة 2/268 ، 5/94 ، وشرح حديث النزول من مجموع الفتاوى 5/540 .
وقد سبق لنا نقل كلام من سفه أصحاب هذا القول من فتح الباري لابن حجر ..

قضية اثبات الحال ورد الباقلاني على شيخه الأشعري فيها
قال الشهرستاني في نهاية الإقدام في علم الكلام (1/44) :
اعلم أن المتكلمين قد اختلفوا في الأحوال نفياً وإثباتاً بعد أن أحدث أبو هاشم بن الجبائي رأيه فيها وما كانت المسألة مذكورة قبله أصلاً فأثبتها أبو هاشم ونفاها أبوه الجبائي وأثبتها القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله بعد ترديد الرأي فيها على قاعدة غير ما ذهب إليه ونفاها صاحب مذهبه الشيخ أبو الحسن الأشعري وأصحابه رضي الله عنهم وكان إمام الحرمين من المثبتين في الأول والنافين في الآخر والأحرى بنا أن نبين أولاً ما الحال التي توارد عليها النفي والإثبات وما مذهب المثبتين فيها وما مذهب النافين ثم نتكلم في أدلة الفريقين ونشير إلى مصدر القولين وصوابهما من وجه وخطأيهما من وجه.
أما بيان الحال وما هو أعلم أنه ليس للحال حد حقيقي يذكر حتى نعرفها بحدها وحقيقتها على وجه يشمل جميع الأحوال فإنه يودي إلى إثبات الحال للحال بل لها ضابط وحاصر بالقسمة وهي تنقسم إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل وما يعلل فهي أحكام لمعان قائمة بذوات وما لا يعلل فهو صفات ليس أحكاماً للمعاني. اهـ
فخلاصة كلامه أن الباقلاني أثبت الحال مع أن شيخه الأشعري وأصحابه نفوها ثم كان إمام الحرمين الجويني مثبت للحال أولا ونفى آخرا ..
وإن أردت أن تعرف ما هو الحال ؟ فلن تجد عندهم تعريف معقول عندهم وإذا رمت التعرف عليه فارجع إلى كلام الجويني في الشامل [ من ص 371 – 435 ] فستجد تخبيط وخربطة فلسفية كلامية ليس لها أي فائدة مع خطورة هذا الأمر عندهم ..
وانظر تخبطهم الكبير من كلام الشهرستاني في الملل والنحل [ 1/77] عند كلامه على الجبائية ثم في [ 1/93] عند كلامه على الأشعرية .

الغزالي ينقض رأي الاشعرية في السمعيات
الغزالي ينقض قول الاشعرية في قبول السمعياتفيؤول الميزان والموت بأنهما أعراض .
وهذا من الأمثلة على توافق الغزالي مع المعتزلة في التأويلات وتصريحه
قال الغزالي في قانون التأويل [ص21-22 ] :
والوصية الثانية : أن لا يكذب برهان العقل أصلاً ، فإن العقل لا يكذب ، ولو كذب العقل فلعله كذب في إثبات الشرع ، إذ به عرفنا الشرع ، فكيف يعرف صدق الشاهد بتزكية المزكي الكاذب ؟ والشرع شاهد بالتفاصيل ، والعقل مزكي الشرع .
وإذا لم يكن بدٌّ من تصديق العقل لم يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ، ونفي الصورة .
وإذا قيل لك : إن الأعمال توزن ، علمتَ أن الأعمال عرض لا يوزن ، فلا بد من تأويل .
وإذا سمعت : ( أن الموت يؤتى به في صورة كبش أملح فيذبح ) علمت أنه مؤول ، إذ الموت عرض لا يؤتى به ، إذ الاتيان انتقالٌ ، ولا يجوز على العرض ، ولا يكون له صورة كصورة كبش أملح ، إذ الأعراض لا تنقلب أجساماً ، ولا يذبح الموت ، إذ الذبح فصل الرقبة عن البدن ، والموت ما له رقبة ولا بدن ، فإنه عرض أو عدم عرض عند من يرى أنه عدم الحياة ، فإذن لا بد من التأويل . اهـ

إذا هو نادى بضرورة تأويل الميزان لأنه عرض والأعراض لا توزن ، وبضرورة تأويل خبر الإتيان بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح بدعوى أن الموت عرض والعرض لا يؤتى به ولا ينقلب جسماً .
وقد وافق بذلك المعتزلة الذين أولوا الميزان بناء على مذهبهم أن الميزان عرض وأن الأعراض لا توزن .
وقد نقل ابن حجر في الفتح كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار اعتراض أبو بكر بن العربي والمازري والقرطبي .. مع أن مذهب الأشعرية تقديم النقل على العقل في باب السمعيات وهو أمور الآخرة ..
فلماذا هذا التناقض ؟ فالقوم ما تركوا باب التأويل حتى في أمور الآخرة التي ادعوا التسليم للنصوص فيها بلا تأويل .

القول بالمجاز ورده
الأشعري يرد على المتأخرين في موضوع المجاز
ذكر الإمام السيوطي في كتابه المزهر (1/24) قوله : إذا قلنا بقول الأشعري إن اللغات توقيفيَّة ففي الطريق إلى علمها مذاهب حكاها ابنُ الحاجب وغيره : أحدُها بالوَحْي إلى بعض الأنبياء والثاني بخَلق الأصوات في بعض الأجسام والثالث بعلمٍ ضروري خلَقه في بعضهم حَصَل به إفادةُ اللَّفظ للمعنى . اهـ
إذا : فموقف الإمام الأشعري من اللغة أنها توقيفية ، وأن أصل صحة الاستعمال السماع ، وذلك خلافاً للمعتزلة الذين قالوا إنها اصطلاحية حتى جعلوا أكثرها مجازاً لا حقيقة !!
والمعتزلة ويمثلهم القاضي عبد الجبار والجاحظ والزمخشري وأضرابهم ، قالوا بهذا المجاز ونافحوا عنه ، وحملهم هذا على التوسع في تأويل النصوص ، بذريعة القول بالمجاز ..
فاتبع الأشعرية المتأخرين أصحابهم من المعتزلة وقالوا بقولهم بالمجاز حتى أصبح معولاً يهدمون به النصوص من الكتاب والسنة ..
والغريب أنهم يصفون أنفسهم بمحاربة المعتزلة وهم يسيرون وراءهم حذو القذة بالقذة .
والأدهى من ذلك أنهكم منسوبون للإمام الأشعري ويخالفونه جهارا !!
وحبذا لو قرأ طالب العلم كلام ابن القيم على طاغوت المجاز في تحفته الرائعة القالتة للمبتدعة الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة .
وقال الألوسي في تفسير سورة الفاتحة (1/27) :
ولو أوجب كون الرحمة فينا رقة القلب ارتكاب المجاز في الرحمة الثابتة له تعالى لاستحالة اتصافه بما نتصف به فليوجب كون الحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر ما نعلمه منها فينا ارتكاب المجاز أيضاً فيها إذا أثبتت لله تعالى وما سمعنا أحداً قال بذلك وما ندري ما الفرق بين هذه وتلك وكلها بمعانيها القائمة فينا يستحيل وصف الله تعالى بها فأما أن يقال بارتكاب المجاز فيها كلها إذا نسبت إليه عز شأنه أو بتركه كذلك وإثباتها له حقيقة بالمعنى اللائق بشأنه تعالى شأنه . والجهل بحقيقة تلك الحقيقة كالجهل بحقيقة ذاته مما لا يعود منه نقص إليه سبحانه بل ذلك من عزة كماله وكمال عزته والعجز عن درك الإدراك إدراك فالقول بالمجاز في بعض والحقيقة في آخر لا أراه في الحقيقة إلا تحكماً بحتاً . اهـ

الجويني وخبر الآحاد
خبر الآحاد مقبول في العقائد وفي غيرها ؛ لأن العبرة فيه بالصحة ، فإذا صح وعلمت صحته حصلت الثقة به ، وقد ذهب بعض المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم إلى أن أخبار الآحاد إنما يعمل بها في الجانب العملي لا في العقدي ، وهذا القول لا حجة عليه ، فإذا اتفقوا على صحتها وأنها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمكن الطعن فيها لا من ناحية الدلالة ولا من ناحية الإسناد.
والجويني مضطرب في هذا الباب ، ففي الورقات (ص25) قال :
والخبر ينقسم إلى قسمين آحاد ومتواتر ، فالمتواتر ما يوجب العلم … والآحاد هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم . اهـ
وقال في البرهان في أصول الفقه (1/388) : أطلق الفقهاء القول بأن خر الواحد لا يوجب العلم ويوجب العمل وهذا تساهل منهم والمقطوع به أنه لا يوجب العلم ولا العمل فإنه لو ثبت وجوب العمل مقطوعا به لثبت العلم بوجوب العمل وهذا يؤدي إلى إفضائه إلى نوع من العلم وذلك بعيد .اهـ
وهذا رد صريح منه لخبر الآحاد وأنه لا يفيد علما ولا عملا بخلاف قوله في الورقات ..
ومرة يرجح الوقف فيقول (1/388) :
ثم افترق نفاة العمل بخبر الواحد فذهب بعضهم إلى أن العقل يحيل التعبد بالعمل به وذهب الأكثرون إلى أنه لا يستحيل ورود الشرع به وهو من تجويزات العقل ثم افترق هؤلاء من وجه اخر فذهب ذاهبون إلى أن في الشرع ما يمنع التعلق به وقال اخرون لم تقم دلالة قاطعة على العمل به فتعين الوقف . اهـ
ثم يأتي لاإثبات حجيته والإجماع عليه فقال أبو المعالي الجويني في البرهان (1/388-389) :
والمختار عندنا مسلكان أحدهما يستند إلى أمر متواتر لا يتمارى فيه إلا جاحد ولا يدرؤه إلا معاند وذلك أنا نعلم باضطرار من عقولنا أن الرسول عليه السلام كان يرسل الرسل ويحملهم تبليغ الأحكام وتفاصيل الحلال والحرام وربما كان يصحبهم الكتب وكان نقلهم أوامر رسول الله عليه السلام على سبيل الآحاد ولم تكن العصمة لازمة لهم فكان خبرهم في مظنة الظنون وجرى هذا مقطوعا به متواترا لا اندفاع له إلا بدفع التواتر ولا يدفع المتواتر إلا مباهت فهذا أحد المسلكين .
والمسلك الثاني مستند إلى إجماع الصحابة وإجماعهم على العمل بأخبار الاحاد منقول متواترا فإنا لا نستريب أنهم في الوقائع كانوا يبغون الأحكام من كتاب الله تعالى فإن لم يجدوا للمطلوب ذكرا مالوا إلى البحث عن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم … اهـ
وبعد اعترافه بهذا يعود متخبطا سابا أهل السنة بالحشوية فقال (1/392) :
ذهبت الحشوية من الحنابلة وكتبة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم وهذا خزى لا يخفى مدركه على ذي لب . اهـ
فأي تخبط هذا ؟
قال أبو المظفر السمعاني الشافعي في رسالته الإنتصار لأصحاب الحديث (1/34):
إن الخبر إذا صح عن رسول الله ورواه الثقات والأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم ، هذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة ، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال ولابد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأخبار وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول .
ولو أنصفت الفرق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد .
ترى أصحاب القدر يستدلون بقول النبي كل مولود يولد على الفطرة وبقوله خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم .
وترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله من قال لا إله إلا الله دخل الجنة قالوا وإن زنى وإن سرق قال نعم وإن زنى وإن سرق . اهـ
فماذا ننتظر بعد ذلك إلا تسفيه الصحابة وتكذيبهم فيما نقلوه عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ؟
قال إمامهم الرازي في أساس التقديس [ص216 ] : إن أجلّ طبقات الرواة قدراً وهم الصحابة . ثم إنا نعلم أن رواياتهم لا تفيد القطع واليقين.
ولو أنصف الأشاعرة لاتبعوا إمامهم الشافعي الذي أكد : أن أهل السنة قد تلقوا خبر الواحد العدل بالقبول ، كما في الرسالة [ ص 453-457 تحقيق أحمد شاكر ].
وقد ناظر الشافعي إبراهيم بن إسماعيل بن عليَّة أحد كبار الجهمية في حجية خبر الآحاد وهزمه شر هزيمة ..
فيظهر تناقض الأشعرية من اتباعهم للمعتزلة الذين قالوا : إن أخبار الآحاد لا يجوز قبولها في توحيد الله وعدله ، ثم تأتي الأشعرية بتعديل متناقض حيث حرّموا الأخذ بخبر الواحد في العقائد وأحلّوه في الأحكام ومسائل الحلال والحرام .
قال عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق [ص 164] :
وكان الخياطي [ وهو أبو الحسين الخياط ] منكر الحجة في أخبار الآحاد ، وما أراد بإنكاره إلا إنكار أكثر أحكام الشريعة فإن أكثر فروض الفقه مبنية على أخبار من أخبار الآحاد .
والأغرب : أنهم أخذوا عقيدتهم في اليوم الآخر وهو غيب من السمعيات وكلها في هذا الباب أحاديث آحاد أو أغلبها .. فأي تناقض بعد هذا ؟

ابن عساكر والسبكي يثبتان معتقد الاشعري من الابانة جملة
من راجع كتاب الحافظ ابن عساكر تبيين كذب المفتري يراه قد نقل جملة صالحة عن مذهب إمامه أبي الحسن الأشعري من كتاب الإبانة .
ومن طالع كتاب طبقات الشافعية للسبكي تراه ينقل صحة نسبة كتاب الإبانة للأشعري وينقل منه أهم فقرة وهي قوله في طبقات الشافعية الكبرى (4/127) :
وأطالوا ألسنتهم في سب الشيخ أبي الحسن الأشعري وهو كبيرهم أهل السنة بعده وعقيدته وعقيدة الإمام أحمد رحمه الله واحدة لا شك في ذلك ولا ارتياب وبه صرح الأشعري في تصانيفه وكرر غير ما مرة أن عقيدتي هي عقيدة الإمام المبجل أحمد بن حنبل هذه عبارة الشيخ أبي الحسن في غير موضع من كلامه . اهـ
فإن صح عندهم ما في الإبانة فليقولوا بها ويثبتوا الصفات كما أثبتها إمامهم مختارا مذهب السلف .
قضية حلول الحوادث في الله
موضوع قيام الحوادث بالله موضوع شائك وله وجه صحيح شرعا ..
فقد نص البخاري في باب قول الله تعالى { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } وقوله { لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } بأن حدَثه سبحانه لا يشبه حدَث المخلوقين لقوله تعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } .
وقال ابن مسعود رضي الله عنه في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل يُحدث من أمره ما يشاء . الحديث .
فالمتكلم إذا تكلم بعد سكوت لا يقال إنه حدَث له كلام ولكن يقال للأبكم إنه حدث له الكلام بعد أن لم يكن الكلام صفة له .
فمن شبه هذا الحدث مثل حدث المخلوقات فهذا يُنزّه الله عنه لأنه تشبيه وأبعد خلق الله عنه هم أهل السنة .
ومسألة قيام الحدث فى الله محل خلاف بين الأشعرية والماتريدية قبل أن تكون خلافاً مع ابن تيمية .
وقد اعترف ابن حجر المكي الهيتمي في فتح المبين شرح الأربعين (78 ) فقال : صفات الأفعال حادثة عند الأشاعرة قديمة عند الماتريدية .
وصرح ابن حجر في فتح الباري (13/439) بهذا الخلاف بين الفرقتين .
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري ايضا [13/455] اعتراف الفخر الرازي في المطالب العالية بأن قول من قال : إنه تعالى متكلم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال نقلاً وعقلاً .
وصرّح الرازي بنفسه في الأربعين في أصول الدين [ص118] بأن مذهب ابو البركات البغدادي إثبات إرادات محدثة وعلوم محدثة في ذات الباري.. وأن هذا المذهب قال به أكثر فرق العقلاء وإن كانوا ينكرونه باللسان . اهـ
وذكر شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل [4/27] أن الآمدي ذكر أن المحتجين بنفي الحوادث احتجوا بحجج ضعيفة .
وإن كان ابن تيمية كافراً لقوله بقيام الحدث في صفات الله فليكن أبو الحسن الأشعري والبيهقي والبخاري والحافظ ابن عساكر والكرماني كفاراً أيضاً لأنهم موافقون لابن تيمية قائلون بقوله لا سيما أبو الحسن الأشعري كما نص عليه الحافظ في الفتح .

وأخيرا : الشافعي يرد على أتباعه من الأشاعرة
نقل الامام الذهبي في سير أعلام النبلاء 10 / 28 عن الامام الشافعي قوله :
” إني قد اطلعت من أهل الكلام على التعطيل ” .
ونقل عنه ابن حجر في فتح الباري 13 / 407 قوله :
” لله أسماءٌ وصفات جاء بها كتابه ، وأخبر بها نبيه – صلى الله عليه وسلم – أمّتَه لا يسع أحداً ردها . فمن خالف في ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة فمعذور بالجهل ، لأن عِلْمَ ذلك لا يُدرك بالعقل، ونثبت هذه الصفات وننفي عنها التشبيه ، كما نفاه عن نفسه فقال { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }
ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء 10 / 80 .
وروى ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة بإسناده المتصل إلى الشافعي 1/ 283 قوله : ” السنّة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا أهل الحديث الذين رأيتهم عليها فأحلف عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما : الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وأن الله على عرشه في سمائه ، يقرب من خلقه كيف يشاء، وأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كيف يشاء ” .

الأشاعرة وإثبات الناسخ والمنسوخ

إن قال : هو أزلي؛ فقد جَوّزَ على الله أن يأمر بأمرين متناقضين في وقتٍ واحدٍ ..

إن قال : هو حادثٌ؛ فقد خالف أصله بأن الكلام نفسي قديم ..

إن قال : هو قديم بتعلقه بالله، حادث بتعلقه بمن نزلت عليهم الرسالة؛ فقد عاد للنقطة الأولى ولم يفعل شيئا .. فيجوز عندهم أن الله في نفس الوقت الذي قال فيه ((إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا )) كان يقول في ذات الوقت عن الخمر أيضا (( الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ ))

الأشاعرة مشبّهة، يشبهون الله صراحة

يقول الشيخ محمد بن شمس الدين: الأشاعرة شبهوا الله تعالى بالإنسان حينما قالوا: “إن كلام الله تعالى كلام نفسي لأن للإنسان كلام نفسي” واستشهدوا بقوله تعالى عن المنافقين {ويقولون في أنفسهم} فقالوا: إن كيفية قول الله تعالى ككيفية قول المنافقين.
وكذلك استشهدوا بقول منسوب للأخطل وهو (إن الكلام لفي الفؤاد) فأنزلوا هذا القول على الله تعالى فأثبتوا لله تعالى فؤادًا، وهذا تجسيم. تعالى الله عمّا يصفون.

هل اهل السنة يقولون ان لله جوارح

قال عثمان بن سعيد (280هـ) ” فَمِنْ أَيِّ النَّاسِ سَمِعْتَ أَنَّهُ قَالَ: جَارِحٌ مُرَكَّبٌ؟ فأشِرْ إِلَيْهِ، فَإِنَّ قَائِلَهُ كَافِرٌ، فَكَمْ تُكَرِّرُ قَوْلَكَ: جِسْمٌ مُرَكَّبٌ، وأَعْضَاءٌ وَجَوَارِحُ، وَأَجْزَاءٌ، كَأَنَّكَ تُهَوِّلُ بِهَذَا التَّشْنِيعِ عَلَيْنَا أَنْ نَكُفَّ عَنْ وَصْفِ اللهِ بِمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا وَصَفَهُ الرَّسُولُ.
وَنَحْنُ وَإِنْ لَمْ نَصِفِ اللهَ بِجِسْمٍ كَأَجْسَامِ المَخْلُوقِينَ، وَلَا بِعُضْوٍ وَلَا بِجَارِحَةٍ؛ لَكِنَّا نَصِفُهُ بِمَا يَغِيظُكَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي أَنْتَ ودُعَاتُك لَهَا مُنْكِرُونَ” [النقض على المريسي 321]

الحيز والمكان والجهة والخلاء…… ومعتقدات الأشاعرة والماتوردية والمعتزلة والجهمية فيهم…

الحيز والمكان والجهة والخلاء……
ومعتقدات الأشاعرة والماتوردية والمعتزلة والجهمية فيهم….
إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل الله فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : فإن البدعة لو كانت باطلا محضا لظهرت وبانت وما قبلت , ولو كانت حقا محضا لا شوب فيه لكانت موافقة للسنة؛ فإن السنة لا تناقض حقا محضا لا باطل فيه , ولكن البدعة تشتمل علي حق وباطل .
درء التعارض (1|120)
ولو تأمل طالب العلم في كثير من ضلالات أهل البدع وأخطائهم , لوجدها على هذا النحو , ظاهرها التنزيه وحقيقتها التعطيل والتحريف , وقد يكون من أسباب الخلط الاعتقاد قبل الاستدلال , فأخذ كثير من القواعد والأقوال على وجه التسليم ثم البناء على هذا الاعتقاد الخاطئ أو التسليم الفاسد ,وهذا بين في كثير من المسائل التي خلط فيها أهل البدع .
ومن مسائل ذلك نفي صفة العلو لله تعالى التي دل على إثباتها مئات النصوص والتي هي من الضروريات ومعارضتها بالأقيسة النظرية والعقلية والشبه الفلسفية.

//الأشاعرة ومعتقدهم فوق العالم أو خارج العالم//
يعتقد الأشاعرة أن فوق العالم أو خارجه خلاء , ويعنون بالخلاء الفراغ الموهوم الذي يمكن أن يحل فيه الشيء .
ففي شرح المواقف : ( وأما ) الخلاء ( خارج العالم فمتفق عليه ) إذ لا تقدر هناك بحسب نفس الأمر ( فالنزاع ) فيما وراء العالم إنما هو ( في التسمية بالبعد فإنه عند الحكماء عدم محض ) ونفي صرف ( يثبته الوهم ) ويقدره من عند نفسه، ولا عبرة بتقديره الذي لا يطابق نفس الأمر، فحقه أن لا يسمى بعداً ولا خلاء أيضا. ( وعند المتكلمين ) هو ( بعد ) موهوم كالمرفوض فيما بين الأجسام على رأيهم .
شرح المواقف (1|566) للجرجاني
وهذا الخلاء عند الأشاعرة منهم من يجعله أمرا عدميا وهم الأكثر , ومنهم من يجعله أمرا وجوديا كالرازي .
وقد رد عليهم ابن رشد فقال : وليس لهم أن يقولوا : إن خارج العالم خلاء , وذلك أن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية امتناعه لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئا أكثر من أبعاد ليس فيها جسم أعني طولا وعرضا وعمقا لأنه إن وقعت الأبعاد عنه عاد عدما , وإن أنزل الخلاء موجودا لزم أن تكون أعراض موجودة في غير جسم وذلك لأن الأبعاد هي أعراض من باب الكمية .
الكشف عن مناهج الأدلة (148)
وقال ابن رشد : والمقدمة ..القائلة إن العالم في خلاء يحيط به كاذبة أو غير بينة بنفسها ,ويلزم عن وضعه هذا الخلاء أمر شنيع عندهم وهو أن يكون قديما، لأنه إن كان محدثا احتاج إلى خلاء .انتهى
بيان تلبيس الجهمية (1|222)
فترتب على هذا الاعتقاد أن خارج العالم أو فوقه خلاء وفراغ موهوم , ومنهم من يجعله وجودي دخلت شبهة الحيز والجهة والمكان .
الحيز , المكان , الجهة
فقالوا : لو كان فوق العرش ولو كان مختصا بجهة العلو للزم من ذلك أنه متحيز أو في مكان أو في جهة .
قال ابن رشد : والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هو أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان, وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية .
الكشف عن مناهج الأدلة (145)
وقد رد العلماء عن من هذه الشبه بدقة متناهية , وأصول منضبطة , توافق السمع والنظر والعقل واللغة والفطرة .
ومن تلك الأصول طلب الاستفسار عن المعاني التي لم ترد في الكتاب والسنة , فالتفصيل في مثل هذه الألفاظ يزيل الإشكال .
فهؤلاء أخذوا هذه الألفاظ بالاشتراك وتوهموا وأوهموا إذا كان له صفة العلو كان في جهة أو حيز أو مكان كما يكون الإنسان في بيته ثم رتبوا على ذلك أنه يكون محتاجا إلى غيره , والله تعالى غني عن كل ما سواه , وهذا موضع الاشتباه , ولذلك أجاب أهل السنة عن ذلك بالاستفصال عن المراد بهذه الألفاظ .
فهذه الألفاظ تحتمل أمورا وجودية وأمورا عدمية , فإن كانت وجودية فأهل السنة ينزهون الله تعالى عن الحلول في شيء من مخلوقاته , وإن كانت عدمية , فالعدم لا شيء , ولا إشكال في وصف الله تعالى بالعلو , وإليك التفصيل :

:::الحيز:::
قال شيخ الإسلام : إن المتحيز في لغة العرب التي نزل بها القرآن يعنى به ما يحوزه غيره كما في قوله تعالى:{ أو متحيزا إلى فئة} فهذا تحيز موجود يحيط به موجود غيره إلى موجودات تحيط به , وسمى متحيزا لأنه تحيز من هؤلاء إلى هؤلاء , والمتكلمون يريدون ب التحيز ما شغل الحيز والحيز عندهم تقدير مكان ليس أمرا موجودا ؛ فالعالم عندهم متحيز , وليس في حيز وجودي, والمكان عند أكثرهم وجودى .
الرد على المنطقيين (1|239)
وقال : وأما التحيز الذي يعنيه المتكلمون فأعم من هذا فإنهم يقولون العالم كله متحيز , وإن لم يكن في شيء آخر موجود إذ كل موجود سوى الله ؛ هو من العالم وقد يفرقون بين الحيز والمكان فيقولون الحيز تقدير المكان , وكل قائم بنفسه مباين لغيره بالحهة متحيز عندهم , وإن لم يكن في شيء موجود .
ولهذا يقول بعضهم : التحيز من لوازم الجسم ويقول بعضهم : هو من لوازم القيام بالنفس كالتحيز والمباينة , وعلى هذا التفسير فالحيز إما وجودي وإما عدمي فإن كان عدميا فالقول فيه كالقول في معنى الجهة العدمية , وإن كان وجوديا فإما أن يراد به ما ليس خارجا أو ما هو خارجا عنه فالأول مثل حدود المتحيز وجوانبه فلا يكون الحيز شيئا خارجا على المتحيز على هذا التفسير , وأما أن يعني به شيء موجود منفصل عن المتحيز خارج عنه فهذا هو التفسير الأول وليس غير الله إلا العالم ؛ فمن قال إنه في حيز موجود منفصل عنه فقد قال: إنه في العالم أو بعضه , وهذا مما قد صرحنا بنفيه , وإذا كان كذلك فلا بد من تفصيل المقال ليزول هذا الإبهام والإجمال .
الفتاوى الكبرى (6|357)
وقال : وأما لفظ المتحيز فهو في اللغة اسم لما يتحيز إلى غيره كما قال تعالى {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة } وهذا لا بد أن يحيط به حيز وجودي , ولا بد أن ينتقل من حيز إلى حيز , وعلم أن الخالق جل جلاله لا يحيط به شيء من مخلوقاته ؛ فلا يكون متحيزا بهذا المعنى اللغوي , وأما أهل الكلام فاصطلاحهم في المتحيز أعم من هذا ؛ فيجعلون كل جسم متحيز والجسم عندهم ما يشار إليه فتكون السموات والأرض وما بينهما متحيزا على اصطلاحهم وإن لم يسم ذلك متحيزا في اللغة , والحيز تارة يريدون به معنى موجودا وتارة يريدون به معنى معدوما , ويفرقون بين مسمى الحيز ومسمى المكان؛ فيقولون المكان أمر موجود , والحيز تقدير مكان عندهم ؛ فمجموع الأجسام ليست في شيء موجود ؛ فلا تكون في مكان وهي عندهم متحيزة , ومنهم من يتناقض فيجعل الحيز تارة موجودا وتارة معدوما كالرازي وغيره كما بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع ؛ فمن تكلم باصطلاحهم وقال إن الله متحيز بمعنى أحاط به شيء من الموجودات فهذا مخطىء ؛ فهو سبحانه بائن من خلقه وما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق , وإذا كان الخالق بائنا عن المخلوق امتنع أن يكون الخالق في المخلوق وامتنع أن يكون متحيزا بهذا الاعتبار , وإن أراد بالحيز أمرا عدميا؛ فالأمر العدمي لا شيء, وهو سبحانه بائن عن خلقه ؛ فإذا سمي العدم الذي فوق العالم حيزا , وقال يمتنع أن يكون فوق العالم لئلا يكون متحيزا ؛ فهذا معنى باطل لأنه ليس هناك موجود غيره حتى يكون فيه , وقد علم بالعقل والشرع أنه بائن عن خلقه كما بسط في غير هذا الموضع .
بيان تلبيس الجهمية (1|521)

:::الجهة:::
قال شيخ الإسلام : وقد قدمنا فيما مضى أن لفظ الجهة يراد به أمر موجود وأمر معدوم ؛ فمن قال إنه فوق العالم كله لم يقل أنه في جهة موجودة إلا أن يراد بالجهة العرش ,ويراد بكونه فيها أنه عليها كما قيل في قوله: أنه في السماء: أي على السماء , وعلى هذا التقدير؛ فإذا كان فوق الموجودات كلها وهو غني عنها لم يكن عنده جهة وجودية يكون فيها فضلا عن أن يحتاج إليها, وإن أريد بالجهة ما فوق العالم؛ فذلك ليس بشيء ولا هو أمر وجودي حتى يقال أنه محتاج إليه أو غير محتاج إليه , وهؤلاء أخذوا لفظ الجهة بالاشتراك وتوهموا وأوهموا إذا كان في جهة كان في شيء غيره كما يكون الإنسان في بيته ثم رتبوا على ذلك أنه يكون محتاجا إلى غيره والله تعالى غني عن كل ما سواه وهذه مقدمات كلها باطلة .
بيان تلبيس الجهمية (1|520)

:::المكان:::
وقال : وما ذكره ابن رشد في اسم المكان يتوجه من يسلم له مذهب أرسطو , وأن المكان هو السطح الداخل الحاوي المماس للسطح الخارج المحوي , ومعلوم أن من الناس من يقول : إن للناس في المكان أقوالا آخر منهم؛ من يقول : إن المكان هو الجسم الذي يتمكن غيره عليه ومنهم من يقول : إن المكان هو ما كان تحت غيره وإن لم يكن ذلك متمكنا عليه ومنهم من يزعم أن المكان هو الخلاء وهو أبعاد
والنزاع في هذا الباب نوعان : أحدهما معنوي كمن يدعي وجود مكان هو جوهر قائم بنفسه ليس هو الجسم وأكثر العقلاء ينكرون ذلك .
والثاني: نزاع لفظي وهو من يقول المكان من يحيط بغيره يقول آخر : ما يكون غيره عليه أو ما يتمكن عليه .
ولا ريب أن لفظ ( المكان ) يقال على هذا وهذا ومن هنا نشأ تنازع أهل الإثبات : هل يقال : أن الله تعالى في مكان أم لا ؟ هذا كتنازعهم في الجهة والحيز لكن قد يقر بلفظ الجهة من لا يقر بلفظ ( الحيز ) أو ( المكان ) وربما أقر بلفظ الحيز أو المكان ومن لا يقر بالآخر وسبب ذلك إما إتباع ما ورد أو اعتقاد في أحد اللفظين من المعنى المردود ما ليس في الآخر .
وحقيقة الأمر في المعنى أن ينظر إلى المقصود فمن اعتقد أن المكان لا يكون إلا ما يفتقر إليه المتمكن سواء كان محيطا به أو كان تحته؛ فمعلوم أن الله سبحانه ليس في مكان بهذا الاعتبار ومن اعتقد أن العرش هو المكان وأن الله فوقه مع غناه عنه فلا ريب أنه في مكان بهذا الاعتبار .
درء التعارض (3|221)
وقال : وأما علماء المسلمين فليس عندهم ولله الحمد من ذلك ما هو خفي بل لفظ المكان قد يراد به ما يكون الشيء فوقه محتاجا إليه كما يكون الإنسان فوق السطح , ويراد به ما يكون الشيء فوقه من غير احتياج إليه مثل كون السماء فوق الجو وكون الملائكة فوق الأرض والهواء وكون الطير فوق الأرض .
ومن هذا قول حسان بن ثابت رضي الله عنه
تعالى علوا فوق عرش إلهنا … وكان مكان الله أعلى وأعظما
مع علم حسان وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الله غنى عن كل ما سواه , وما سواه من عرش وغيره محتاج إليه , وهو لا يحتاج إلى شيء وقد أثبت له مكانا… وقد يراد بالمكان ما يكون محيطا بالشيء من جميع جوانبه ؛ فأما أن يراد بالمكان مجرد السطح الباطن أو يراد به جوهر لا يحس بحال ؛ فهذا قول هؤلاء المتفلسفة , ولا أعلم أحدا من الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة المسلمين يريد ذلك بلفظ المكان وذلك المعنى الذي أراده أرسطو بلفظ المكان عرض ثابت لكن ليس هذا هو المراد بلفظ المكان في كلام علماء المسلمين وعامتهم ولا في كلام جماهير الأمم علمائهم وعامتهم ,وأما ما أراده أفلاطون فجمهور العقلاء ينكرون وجوده في الخارج وبسط هذه الأمور له موضع آخر..
منهاج السنة (2|357)
وقال : أن يقال لفظ الحيز والمكان قد يعني به أمر وجودي وأمر عدمي وقد يعني بالمكان أمر وجودي وبالحيز أمر عدمي , ومعلوم أن هؤلاء المثبتين للعلو يقولون : إنه فوق سماواته وعلى عرشه بائن من خلقه , وإذا قالوا : إنه بائن من جميع المخلوقات ؛ فكل ما يقدر موجودا من الأمكنة والأحياز فهو من جملة الموجودات فإذا كان بائنا عنها لم يكن داخلا فيها فلا يكون داخلا في شيء من الأمكنة والأحياز الوجودية على هذا التقدير , ولا يلزم قدم شيء من ذلك على هذا التقدير
وإذا قالوا : إنه فوق العرش لم يقولوا : إن العرش كان موجودا معه في الأزل بل العرش خلق بعد أن لم يكن وليس هو داخلا في العرش ولا هو مفتقر إلى العرش بل هو الحامل بقوته للعرش ولحملة العرش؛ فكيف يلزم على هذا أن يكون معه في الأزل ؟ بل كيف يلزم على هذا أن يكون داخلا في العرش أو مفتقرا إليه وإنما يلزم ما ذكره من لا بد له من شيء مخلوق يحتوي عليه , وهذا ليس قول من يقول : إنه بائن عن جميع المخلوقات .
درء التعارض (3|266)
فالملخص : أن إثبات العلو لله جل وعلا لا يلزم منه الجهة والحيز والمكان الوجودي , وأما ما يتوهمه العقل من ذلك , فالعقل يفرض المستحيل والعدم , وهو عند التحقيق لا شيء , ومن اعتقد منهم أن خارج العالم خلاء وجودي فقد ناقض المعقول ولزم منه لوازم فاسدة كما تقدم من كلام ابن رشد.
والله أعلم .

هل أهل السنة يأولون معية الله وقربه؟

أهل السنة لا يأولون المعية، بل هي معية حقيقية على ظاهرها.

نقول: أنا مع المظلومين حيثما كانوا. أنا مع الحق، أنا معك على الهاتف.
وهذه معية حقيقية غير مأولة

كذلك نقول: أنا أقرب الناس إلى أبي، المغاربة هم أقرب الناس إلى المصريين، امريكا هي أقرب دولة إلى المحتل الصهيوني.
هذه حقيقة لا تأويل فيها.

ثم قال الإمام أحمد:
👈 تقول العرب: ما زلنا نسيرُ والقمر معنا، والقمر فوقَ رأسِك، هذه معيَّة المعيَّة؛ معناها المصاحبةُ، فهؤلاء تعلَّقوا بنصوص المعيَّة، وأبطلوا بها النصوص الفوقيَّة؛ لمرض في قلوبِهم”.
#الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله
#أصول السنة: 1/52

القدر المشترك

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في نقل يبين أهمية القدر المشترك :
” ولولا أن هذه الأسماء والصفات تدل على معنى مشترك كلي يقتضي من المواطاة والموافقة والمشابهة 1 – ما به نفهم 2 – ونثبت هذه المعاني لله: أ- لم نكن قد عرفنا عن الله شيئا… 2 – ولا صار في قلوبنا إيمان به، ولا علم، ولا معرفة، ولا محبة، ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه…
فإن جميع هذه الأمور لا تكون إلا مع العلم، ولا يمكن العلم إلا بإثبات تلك المعاني، التي فيها من الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب عن شهودنا”

شرح حديث النزول..