نصوص في إثبات العلو ليست في كتاب العلو ولا اجتماع الجيوش

نصوص في إثبات العلو ليست في كتاب العلو ولا اجتماع الجيوش
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم

((وأجمعوا أنه تعالى فوق سمواته))

قائل هذا الكلام الموجود في العنوان …

“وأجمعوا أنه تعالى فوق سمواته”

“أشعري”!!!

“أشعري” أعني على مذهب أبي الحسن الأشعري لكنه في هذه المسألة ليس بـ”معتزلي ولا جهمي(1)”فكلمة أشعري أصبحت مرادفة لـ”ليس هو فوق العرش ولا تحت العرش ولا فوق السموات ولا تحت السموات لا داخل العالم ولا خارج العالم لا متصل ولا..!!”الخ سلسلة النفي ، ولكن هذا النفي وهذا التعطيل لما قد وقر في فطر الناس وأكده الله ورسوله فيما لا يحصى من الأدلة وأنكر سلف الأمة على منكريه من معتزلة وجهمية غاية الإنكار لم يكن مذهب أبي الحسن ولا مذهب أصحابة الاوائل، لذا ذهب بعض الباحثين إلى تسميه الأشاعرة الأوائل بالكلابية تفرقة بينهم وبين هؤلاء المتأخرين ، يعني أن أبا الحسن الأشعري يقال له كلابي ولا يقال له أشعري وعلى أي حال فصاحبنا -قائل هذا الكلام- متأخر نوعاً ما فقد توفي سنة 628 هـ مما يدل على إستمرار مذهب “الأشعرية الكلابية” إلى تلك الأزمنة ويبدو أنه يتبع لطريقة الباقلاني فتقريراته تشبه تقريرات الباقلاني بشكل كبير وقد خالفه في مسألة الإيمان.

ترجمته:
قال الذهبي: ابن القطان الحافظ العلامة قاضي الجماعة أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم الحميري الكتامي الفاسي.
سمع أبا ذر الخشني وطبقته وكان من أبصر الناس بصناعة الحديث وأحفظهم لأسماء رجاله وأشدهم عناية في الرواية معروفاً بالحفظ والإتقان.
صنف الوهم والإبهام على الأحكام الكبرى لعبد الحق. مات في ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وستمائة.انتهى

وقد طبع حديثاً كتاب فقهي له اسمه “الإقناع في مسائل الإجماع” بدأه بذكر بعض مسائل المعتقد بإختصار ثم الفقهيات ويذكر الإجماع بحسب ما يظنه على طريقة الكلابية فتجد فيه الحق والباطل والحق ما وافق الكتاب والسنة وإجماع السلف والباطل ما خالف ذلك ، وتجده ينقل الإجماع على إثبات اليدين لله-وهو حق- والإجماع على إثبات المجيء –وهو حق- ولكن يخلطه بنفي مصطلحات مجملة تحتمل حقاً وباطلاً فيقول-والترقيم من المحقق-:

((89- وأجمعوا أن لله يدين مبسوطتين.

90- وأجمعوا أن الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه من غير أن تكون جوارح

91- وأجمعوا أن يديه تعالى غير نعمتيه.

92-وأجمعوا أنه تعالى يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفا ، لعرض الأمم وحسابها وعقابها ، فيغفر لمن يشاء من المؤمنين ، ويعذب منهم من يشاء كما قال ، وليس مجيئه بحركة ولا انتقال.))

ومما يؤخذ عليه –على سبيل المثال- أنه يتأول المحبة والرضا والغضب بالإرادة وكذا قوله بكلام الخُرس -المعذرة أعني الكلام النفسي!!- وهو بهذا لا يخرج عن مذهب الكلابية وقد نقل إجماع الكلابية على أن الله فوق سمواته كما جاء في العنوان ، وأرجو أن لا يقول من “يهذي” بأن المراد أن الله أحسن رتبة من السموات!! او أفضل من السموات!! الخ وهذه هو النص المطلوب :

ملاحظة: هذا النقل مما فات على الذهبي في العلو وابن القيم في إجتماع الجيوش ومن المعلوم أن الإمام الحافظ الذهبي لم يستوعب في كتابه العلو كل ما ورد من كلام الأئمة في إثبات العلو ولا حتى الإمام العلامة ابن القيم في إجتماع الجيوش وأنى لهم ذلك وهذا بحر لا ساحل له ، وكيف لا يكون هذا وقد قال الإمامان أبو زرعة وأبو حاتم : “هذا ما أدركنا عليه العلماء في جميع الأمصار حجازاً!! وعراقاً !!وشاماً !!ومصرا!! ويمنا!!” وذكرا من ذلك”أن الله على عرشه بائن من خلقه “العلو 2/1155 وأصل السنة واعتقاد الدين ص19 وكذا قال الإمام وشيخ الإسلام قتيبة بن سعيد كما تجده هنا:

http://www.muslm.net/vb/showthread.php?t=161296

وهنا تجد المزيد:

http://www.muslm.net/vb/showthread.p…threadid=89817

ولم يكن يقول بهذا إلا الجهمية والمعتزلة ثم تبعهم متأخري الأشعرية للآسف كما هو معروف.وممن لم يذكره الذهبي وابن القيم كلام الإمام الحافظ خشيش بن أصرم النسائي شيخ أبو داود والنسائي في كتابه الإستقامة والذي نقله مقراً ومحتجاً به الإمام المحدث الملطي الشافعي في كتابه التنبيه وقد حقق كتاب الملطي الكوثري المريسي ثم طبع بعد ذلك عدة طبعات ، وكذا كلام القاضي عبد الوهاب لم يذكره الذهبي ولم يقف عليه ابن القيم بنفسه وإنما ذكره ابن القيم بواسطه شيخه ابن تيميه والقرطبي!! ولله در ابن تيميه هذا الإمام الموسوعة ، وقد طبع الأشاعرة أخيرا رسالة القاضي وفيها إثبات العلو على رغم تكلف الجهمي المكابر محقق الكتاب في نفي ذلك، وكذا كلام الإمام الحافظ القصاب في نكت القرآن وإن كان ذكر الذهبي كلامه من غير هذا الكتاب وكذا قول الإمام الداني في “الرسالة الوافية” وغيره مما لم أقف عليه والمجال كبير ولله الحمد وكنت أتمنى أن يتولى احد طلبة العلم إعادة تحقيق إجتماع الجيوش لابن القيم ثم يضيف ما يمكن إضافته في هذا الباب مما لا يحصيه إلا الله ويرد على تخريفات السقاف إن كان ثمة شيء يستحق.

ذيل على الملاحظة: وجدت في احد المواقع الأشعرية إعترافاً بذكر نص عن أحد تلاميذ أبي الحسن الأشعري وهو ابن مجاهد وفي نصه ينقل الإجماع على “أنه تعالى فوق سمواته على عرشه دون أرضه” ، والمعترف هو الشيخ الأشعري محمد بن سلامة الأنصاري التونسي في كتابه النكت المفيدة ثم تكلف في تحريفه بما لا محصل تحته وأنا أنقل منه المراد ، قال محمد الأنصاري:

قوله-أي ابن أبي زيد-: ( وأنّه فوق عرشه المجيد بذاته )
..اعلم أوّلا أن هذا الكلام وهذا الإطلاق ليس من إطلاق المصنّف، وإنما هو إطلاق السلف الصالح والصدر الأول[شكراً للإعتراف ]؛ نصّ على ذلك الإمام أبو عبد الله بن مجاهد[تلميذ الأشعري] في رسالته إلى أهل باب من الأبواب، قال فيها ما نصّه: “وممّا أجتمعوا على إطلاقه أنّه تعالى فوق سمواته، على عرشه دون أرضه” …ثم تكلف تحريف النقول بما لا يروج إلا على الحمقى وأهل الأهواء فالله المستعان.

(1) ويتنبه إلى أن بعض الجهمية يقولون الله في كل مكان وبعضهم يقول: الله لا مباين ولا فوق ولا تحت الخ ينظر في ذلك ما ذكره الإمام الفقيه المحدث الثقة الملطي الشافعي في الرد والتنبيه وهو من أقدم الكتب في بيان الفرق وقد كان رد السلف على هؤلاء جميعاً قاصماً لظهورهم مبيناً عقيدتهم التي يدينون بها فقالوها: الله فوق العرش ، الله فوق سبع سموات ، إنما يحاولون أن يقولوا : ليس في السماء شيء، الخ الخ ونصوصهم في هذا كثيرة جداً وما قال أحد منهم قط الله لا داخل ولا خارج لا فوق العرش ولا تحت العرش الخ .

والعنوان بإعتبار أن العلو واجتماع الجيوش من أشهر وأجمع الكتب لهذه الآثار ، وهذا الموضوع مقصور على مشاركة أهل السنة منعاً للتشويش


قال ابن الأقليشي الأندلسي-وفيه كلابية- (ت:551) في كتابه إيضاح المعاني ص63 : ((فإذا اجتمعت هذه الكلمات أفادت العبد من الأنوار ملء الأرضين والسماوات بل علت على ذروة العرش وخرقت الحجب حتى تصل إلى الله تعالى فتقابل وجهه الكريم: ((إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه)) ))انتهى


ترجمته من السير:


الاقليشي : العلامة، أبو العباس، أحمد بن معد بن عيسى بن وكيع، التجيبي الاقليشي الداني.
سمع أباه، وتفقه بأبي العباس بن عيسى.
وسمع من صهره طارق بن يعيش، وابن الدباغ، وبمكة من أبي الفتح الكروخي، وبالثغر من السلفي.
وله تصانيف ممتعة، وشعر، وفضائل، ويد في اللغة.
مات بقوص بعد الخمسين وخمس مئة.
وقد تحصل عندنا الآن نصوص عن: ابن القطان والأقليشي وابن مجاهد وأشرنا إلى كلام الحافظ خشيش بن أصرم النسائي والذي نقله مقراً ومحتجاً به الإمام المحدث الملطي الشافعي في كتابه التنبيه والإمام الحافظ القصاب في “نكت القرآن” ووكذا قول الإمام الداني في “الرسالة الوافية” ، ومعنا الآن إمام كبير وحافظ جهبذ وهو في القراءات في المشارقة كابي عمر الداني في المغاربة وهو:((من يسبقني ويعرفه؟؟))
 
[ترجمته]

قال الذهبي: الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل. الحافظ، بو العلاء الهمذاني، العطار، المقرىء، المحدث، شيخ مدينة همذان. رحل إلى إصبهان، وقرأ القراءآت على أبي علي الحداد، وسمع منه الكثير. وقرأ القراءآت على أبي العز القلانسي بواسط وعلى: أبي عبد الله البارع، وأبي بكر المزرفي، وجماعة ببغداد.وسمع بها من: أبي القاسم بن بيان، وأبي علي بن المهدي، وخلق.ومن: أبي عبد الله الفراوي، وطبقته بخراسان. ثم رحل ثانية سنة نيف وعشرين وخمسمائة إلى بغداد، فقرأ بها لولده الكثير، ثم قدمها بعد الثلاثين. ثم قدمها بعد الأربعين، فقرأ بها لولده أحمد الكثير على: أبي الفضل الأرموي، وابن ناصر، وابن الزاغوني، وحدث إذ ذاك بها. وقرأ عليه القراءآت: أبو أحمد بن سكينة. وروى عنه: هو، والمبارك بن الأزهر، وأبو المواهب بن صصرى، وعبد القادر بن عبد الله الرهاوي، ويوسف بن أحمد الشيرازي، ومحمد بن محمود بن إبراهيم الحمامي، وأولاده أحمد، وعبد البر، وفاطمة، وعتيق بن بدل المكي بمكة، وسبط محمد بن عبد الرشيد بن علي بن بنيمان، وأخو هذا القاضي علي بن عبد الرشيد وماتا في شهر سنة إحدى وعشرين، وأخوهما القاضي عبد الحميد، وبقي إلى سنة سبع وثلاثين، وسماعه في الرابعة. وروى عنه بالإجازة: أبو الحسن بن المقير، وهو آخر من روى عنه فيما أعلم.

ذكره أبو سعد السمعاني فقال: حافظ، متقن، ومقرىء فاضل، حسن السيرة، جميل الأمر، مرضي الطريقة، عزيز النفس، سخي بما يملكه، مكرماً للغرباء، يعرف الحديث والقراءآت والأدب معرفة حسنة. سمعت منه بهمذان.

وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي: شيخنا الإمام أبو العلاء أشهر من أن يعرف، بل تعذر وجود مثله في أعصار كثيرة، على ما بلغنا من سيرة العلماء والمشايخ. ربى على أهل زمانه في كثرة السماعات، مع تحصيل أصول ما يسمع، وجودة النسخ، وإتقان ما كتبه بخطه. فإنه ما كان يكتب شيئاً إلا منقوطاً معرباً. وأول سماعه من عبد الرحمن بن حمد الدوني في سنة خمس وتسعين وأربعمائة. وبرع على حفاظ عصره في حفظ ما يتعلق بالحديث في الأنساب، والتاريخ، والأسماء، والكنى، والقصص، والسير. ولقد كان يوماً في مجلسه، وجاءته فتوى في أمر عثمان رضي الله عنه، فأخذها وكتب فيها من حفظه، ونحن جلوس، درجاً طويلاً، ذكر فيه نسبه، ومولده، ووفاته، وأولاده، وما قيل فيه، إلى غير ذلك. وله التصانيف في الحديث، والزهد والرقائق، وصنف زاد المسافر في نحو خمسين مجلداً. وكان إماماً في القرآن وعلومه، وحصل من القراءآت المسندة، إنه صنف العشرة والمفردات، وصنف في الوقف والإبتداء، والتجويد، والماءآت، والعدد ومعرفة القراء وهو نحو من عشرين مجلداً. واستحسنت تصانيفه في القرآن، وكتبت، ونقلت إلى خوارزم والشام. وبرع عليه جماعة كثيرة في علوم القرآن. وكان إذا جرى ذكر القراء يقول: فلان مات في سنة كذا، وفلان مات في سنة كذا، وفلان يعلو إسناده على فلان بكذا، وكان إماماً في النحو واللغة، سمعت أن من جملة ما حفظ في اللغة كتاب الجمهرة، وخرج له تلامذة في العربية أئمة يقرأون بهمذان. وفي بعض من رأيت من أصحابه من جملة محفوظاته كتاب الغرايبين للهروي.

وكان عتيقاً من حب المال، مهيناً له، باع جميع ما ورثه، وكان من أبناء التجار، وأخرجه في طلب العلم، حتى سافر إلى بغداد، وإصبهان مرات كثيرة ماشياً، وكان يحمل كتبه على ظهره. وسمعته يقول: كنت أبيت ببغداد في المساجد، وآكل خبز الدخن. وسمعت شيخنا أبا الفضل بن بنيمان الأديب بهمذان يقول: رأيت الحافظ أبا العلاء في مسجد من مساجد بغداد يكتب وهو قائم على رجليه، لأن السراج كان عالياً. ثم نشر الله ذكره في الآفاق، وعظم شأنه في قلوب الملوك وأرباب المناصب والعوام…..وكان لا يأكل من أموال الظلمة، ولا قبل منهم مدرسة قط ولا رباطاً، وإنما كان يقرىء في داره، ونحن في مسجده، فكان يقرىء نصف نهاره الحديث، ونصفه القرآن والعلم. وكان لا يغشى السلاطين، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يمكن أحداً أن يعمل في محلته منكراً ولا سماعاً. وكان ينزل كل إنسان منزلته، حتى تألفت القلوب على محبته وحسن الذكر له في الآفاق البعيدة. حتى أهل خوارزم، الذين هم من أشد الناس في الاعتزال كتبوا تصانيفه، وصار له عندهم من الصيت لعل قريباً من همذان، مع مباينتهم له في الإعتقاد، ومعرفتهم شدته في الحنبلية ، وكان حسن الصلاة، لم أر أحداً من مشايخنا أحسن صلاة منه…وكانت السنة شعاره ودثاره اعتقاداً وفعلاً. كان لا يكاد يبدأ في أمر إلا ابتدأ فيه بسنة إما دعاء وإما غير ذلك.وكان معظما للسنة بحيث أنه كان إذا دخل مجلسه أحد، فقدم له رجله اليسرى كلف أن يرجع فيقدم اليمنى.وكان لا يمس أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو على وضوء، ولا يدع شيئاً قط إلا مستقبل القبلة تعظيماً لها. ورآني يوماً وعلى رأسي قلنسوة سوداء مكشوفة فقال: لا تلبسها مكشوفة، فإن أول من أظهر لبس هذه القلانس أبو مسلم الخراساني، ثم شرع في ذكر أبي مسلم، فذكر أحواله من أولها إلى آخرها…وسمعت الحافظ أبا القاسم علي بن الحس يقول، وذكر رجلاً من أصحابه رحل: إن رجع ولم يلق الحافظ أبا العلاء ضاعت سفرته..وقال الحافظ محمد بن محمود الحماني الهمذاني: ولد شيخنا أبو العلاء في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.قال: وتوفي في تاسع عشر جمادى الأولى.وذكره ابن النجار فقال: إمام في علوم القراءآت، والحديث، والأدب، والزهد، والتمسك بالسنن، رحمه الله. انتهى من تاريخ الإسلام.

قال ابن الجزري في غاية النهاية 1/204 : ((الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل الأمام الحافظ الأستاذ أبو العلاء الهمذاني العطار شيخ همذان وإمام العراقيين ومؤلف كتاب الغاية في القراآت العشر وأحد حفاظ العصر ثقة دين خير كبير القدر، اعتنى بهذا الفن أتم عناية وألف فيه أحسن كتب كالوقف والابتداء والماآت والتجويد وأفرد قراآت الأئمة أيضاً كل مفردة في مجلد وألف كتاب الانتصار في معرفة قراء المدن والأمصار ومن وقف على مؤلفاته علم جلالة قدره وعندي أنه في المشارقة كأبي عمرو الداني في المغاربة بل هذا أوسع رواية منه بكثير ، مع أنه في غالب مؤلفاته اقتفى أثره وسلك طريقه))

وكان معتقده سلفياً ، السنة شعاره ودثاره اعتقاداً وفعلاً ، داعياً لها شديد التمسك بها أو كما مر معنا في كلامه تلميذه انه كان شديداً في الحنبلية

وقد وردت الإمام فتيا من دمشق عن وقوع التأويل والاختلاف في الصفات وعن إنكار أهل الكلام هناك أن يكون الله في جهة العلو الخ وطُلب منه أن ينعم ويحقق هذه المسائل باوضح الدلائل ويحذر من أهل البدع الخ فأجاب الإمام بجواب حسن على طريقة المحدثين في سوق المرويات وقد طبع هذا الجزء باسم [فتيا وجوابها في ذكر الاعتقاد وذم الاختلاف] تحقيق عبد الله الجديع طباعة دار العاصمة

بدأ الجواب بذكر آيات وأحاديث تنبأ عن اختلاف الأمة وانتقاض عرى الإسلام والسنة ثم فصل في [ومما جاء في اختلاف التأويل وتنافر القلوب] ثم فصل في [ذم الأهواء المردية والآراء المغوية] ثم فصل [في الاستواء] ثم فصل [في إيصاء النبي صلى الله عليه وسلم بملازمة سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين] ثم فصل [في ذكر الاعتقاد الذي اجمع عليه علماء البلاد]

قال في فصل [في الاستواء] : ((قال الله تعالى: (( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)) وقال: (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)) وقال (( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)) في نظائرها كثيرة

[ثم ساق أحاديث في في إثبات العلو كحديث الجارية والاوعال الخ]..))

وفي فصل [في ذكر الاعتقاد الذي أجمع عليه علماء البلاد] ساق بسنده الصحيح(1) عقيدة الإمام أبو حاتم والإمام أبو زرعة رحمهما الله وفيها:

سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة وما ادركا عليه العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً ومصر وشاماً ويمنا؟ فكان من مذاهبهم: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته إلى قوله وأن الله على عرشه باين من خلقه كما وصف نفسه وعلى لسان رسوله بلا كيف..الخ

رحم الله الإمام رحمة واسعة

(1) وهو واحد من ثلاثة أسانيد مروية لهذه العقيدة المجيدة ينظر العلو بتحقيق الدكتور البراك ج2/1153-1159 .

 

 
قول الشيخ الإمام العلامة الخطابي في كتابه شعار الدين ونصه:

((القول في أن الله تعالى مستو على العرش:هذه المسألة سبيلها التوقيف المحض ولا يصل إليها الدليل من غير هذا الوجه [الاستواء صفة خبرية بخلاف العلو الذي هو صفة عقلية فطرية أيضا]وقد نطق به الكتاب في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة فقبوله من جهة التوقيف واجب والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز وقد قال مالك الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة فمن التوقيف الذي جاء به الكتاب قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) وقال (ثم استوى على العرش الرحمن )
وقال ( رفيع الدرجات ذو العرش )
وقال ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا )
وقال ( تعرج الملائكة والروح إليه )
وقال ( بل رفعه الله إليه )
وقال ( إليه يصعد الكلم الطيب )
وقال حكاية عن فرعون أنه قال ( يا هامان ابن لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى ) فوقع قصد الكافر إلى الجهة التي أخبره موسى عنها ولذلك لم يطلبه في طول الأرض ولا عرضها ولم ينزل إلى طبقات الأرض السفلي فدل ما تلوناه من هذه الآي على أن الله سبحانه في السماء مستو على العرش ولو كان بكل مكان لم يكن لهذا التخصيص معنى ولا فيه فائدة وقد جرت عادة المسلمين خاصتهم وعامتهم بأن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه ويرفعوا أيديهم إلى السماء وذلك لاستفاضة العلم عندهم بأن ربهم المدعو في السماء سبحانه ، و زعم بعضهم أن معنى الاستواء هاهنا الاستيلاء ، ونزع فيه ببيت مجهول لم يقله من يصح الاحتجاج بقوله إلخ كلامه ، ينظر تهذيب مختصر سنن أبي داود لابن القيم7/109-109 ومختصر الصواعق له 2/318

ونص على هذا الإمام النووي فقد قال في ترجمة الخطابي من تهذيبه على طبقات الفقهاء الشافعية 1/469-470 : ((وله تصانيف في فنون جميلة بديعة منها كتابه الموسوم بـ”شعار الدين” في أصول الدين التزم فيه إيراد أوضح ما يعرفه من الدلائل من غير أ ن يجرد طريقة المتكلمين…إلى أ ن قال..وصرح بأنه سبحانه في السماء وقال: زعم بعضهم أن معنى الاستواء هاهنا الاستيلاء ، ونزع فيه ببيت مجهول لم يقله من يصح الاحتجاج بقوله.)) انتهى المقصود وقد استفدت الإحالة من الشيخ مشهور آل سلمان في أحد أشرطته في عقيدة النووي بارك الله في عمره ثم رجعت ونقلت النص بنفسي من الكتاب.

وقول الإمام القدوة، شيخ الاسلام أبو الفرج المقدسي المتوفى سنة 486 هـ في كتابه امتحان السني من البدعي ص215-216:

((يسأل عن الفوقية فإن قال به ، فهو سني ، وإن أنكره[يعني بالتأويل الإجمالي أو التفصيلي] فهو أشعري ملعون ، دليلنا:
قوله تعالى : ((يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ))
وقوله: (( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ))
وقوله : ((يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ))
وقوله : ((ِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)) )) انتهى وينظر تعليق المحقق على قوله (ملعون).

وقول الإمام أبو الخطاب الكلوذاني الحنبلي(ت:510 هـ) في منظومته المشهورة-من رواية ابن الجوزي-:

قالوا فهل هو في الأماكن كلها ** فأجبت بل هو في العلو مذهب أحمد

قَالوا : أَبان الكلوذانِيَّ الهُدى=قلتُ : الَّذِي فوقَ السماءِ مُؤيِّدي

ينظر تمام المنة بشرح اعتقد أهل السنة ص58

وقول الإمام العمراني شيخ الشافعية في اليمن(ت:558) ينظر الإنتصار 2/607-625 وقد نقل بعض شبهات الغزالي في تأويل العلو ونسفها وذكره بكلام شيوخهم القدماء كالباقلاني في التمهيد والوقت يضيق عن نقل كلامه ، وليس هو ما أشار له ابن القيم في اجتماع الجيوش ينظر مقدمة الإنتصار1/27.

وقول الإمام العلامة الحافظ تقي الدين عبد الغني المقدسي(ت:600) في عقيدته المطبوعة باسم (الاقتصاد في الاعتقاد) ص80-95 : ((فمن صفات الله التي وصف بها نفسه ونطق بها كتابه وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أنه مستو على العرش كما أخبر عن نفسه فقال…وسرد الآيات والأحاديث في ذلك ثم ذكر حديث الجارية ثم قال..

ومن أجهل جهلاً وأسخف عقلاً وأضل سبيلاً ممن يقول إنه لا يجوز أن يقال أين الله، بعد تصريح صاحب الشريعة بقول أين الله؟؟ ، ثم سرد أحدايث وآثار سلفية أخرى ثم قال..

وفي هذه المسألة أدلة من الكتاب و السنة يطول بذكرها الكتاب ، ومنكر أن يكون الله في جهة العلو بعد هذه الآيات والأحاديث مخالف لكتاب الله منكر لسنة رسول الله..ثم نقل عن ابن المبارك والشافعي ومالك إثبات العلو)).انتهى

 
 

ومنهم:


الإمام الحافظ الجهبذ أبو أحمد الحاكم شيخ أبو عبد الله الحاكم صاحب المستدرك له كتاب “شعار أصحاب أصحاب الحديث” ذكر فيه ما يتميز به أهل الحديث عن غيرهم في العقيدة وفي شدة التمسك بالسنة والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم فأورد عدة أبواب تدل على هذا منها باب “ذكر الدليل على أن الإيمان يزيد وينقص” وباب “ذكر الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق” وأورد أبواباً في الفقهيات كذلك.


والشاهد أنه أورد باباً ذكر فيه -محتجاًُ -عقيدة الإمام قتيبة بن سعيد التي أولها: هذا قول الأئمة المأخوذ في الإسلام والسنة …وذكر قوله..ويعرف الله في السماء السابعة على عرشه كما قال: ((الرحمن على العرش استوى)).


ومنهم تلميذه الإمام أبو عبد الله الحاكم صاحب المستدرك فقد استحسن كلام إمام الأئمة في إثبات العلو ، يراجع هنا:http://www.muslm.net/vb/showpost-p_1…tcount_18.html
اعتراف ابن بزيزة


ابن بزيزة من أعيان أئمة المالكية ومن علماء بلده – تونس- الكبار ، له: شرح الإرشاد للجويني وله غير ذلك من التصانيف توفى سنة 673 هـ قالوا فيه ((الإمام العلامة المؤلف المحصل المحقق نزيل تونس كان عالماً صوفياً فقيهاً جليلاً))إلخ وقد اعترف في شرحه للإرشاد بأن إثبات العلو مذهب القلانسي وهو معروف من أئمة الكلابية وواعترف أيضاً أن هذا هو مذهب الإمام البخاري ، وقد نقل هذا الاعتراف في فتاواه ، البرزلي المتوفى سنة 841 وهو فقيه تونس وأحد أئمة المالكية وقد اعترف البرزلي –كما اعترف قبله القاضي عياض- أن هذا المذهب هو مذهب عامة المحدثين ، فرحم الله أهل الحديث والسنة وجمعنا وإياهم في جنته وهذه هي الفتوى بإختصار وقد ورد بعض الأجزاء منها في الفتاوى الحديثية للهيتمي وما بين الـ[ ] من كلامي:

…هذه مسألة وقع الكلام فيها قديماً وحديثاً وهي كما قال القاضي عياض وإن تساهل في الكلام فيها بعض الشيوخ المتقدمين أو جلهم[سبحان الله جلهم تساهلوا في الضلال والكفر!!؟؟] فهي من عويصات [في المطبوع تحريف والنقل عن الفتاوى الحديثية ص151 للهيتمي] مسائل التوحيد، واللائق بالزمان عدمُ ذكرها[!!!]، وإن كان ولا بد…أقول وبالله التوفيق:

أجمع المسلمين قاطبة على استحالة التجسيم، والحلول، والاستقرار على الله تعالى وحكم بذلك صريح العقل. وأجمعوا أيضاً على استحالة إرادة الحقيقة فيما ورد من ظواهر الآي والأخبار مما يوهم ذلك[هم أجمعوا على تنزيهه عن كل نقص وعيب وليس في ظاهر الكتاب والسنة ما يوهم هذا أصلاً لكن إن قصد ببعض ماذكره من ألفاظ ما دل الكتاب أو صحيح السنة عليه من علو الله وارتفاع ذاته فوق عرشه فوق سبع سموات فهذا الإجماع لم يقع قط!] .

واختلفوا بعد ذلك في مسألة منها، وهي: هل يصح إطلاق جهة الفوقية والعلوّ من غير تكييف ولا تحديد عليه تعالى؟؟ فمذهب جميع المتكلمين وفحول العلماء وأهل أصول الديانات على استحالة ذلك كما نص عليه أبو المعالي إمام الحرمين في الإرشاد وغيره من المتكلمين والفقهاء[على هذا كثير من المعتزلة ومتأخري الأشعرية وليس هو مذهب جميع المتكلمين إلخ!] ، وقالوا: إن ذلك ملزوم للتجسيم والحلول والتحيز والمماسَّة والمباينة والمحاذاة، وهذه كلها حادثة، وما لا يَعْرى من الحوادث أو يفتقر للحوادث فهو حادث، والله سبحانه وتعالى يستحيل عليه الحدوث شرعاً وعقلاً كما هو مبين في كتب الأصول[آفة أهل الكلام هو قياس الله على أجسامهم وظنهم لزومه جل وعلا لما يلزمهم!! والآفة الثانية تكلمهم بألفاظ مجملة موهمة وقياسات فاسدة كبعض هذه التي مرت وهي من دليل حدوث الأجسام عندهم مع تسرعهم بالخوض والنفي بلا دليل شرعي صحيح].

واختلف هؤلاء فيما ورد من ظواهر الآي والأحاديث التي خرجها أهل الصحيح مما يوهم ذلك فذهب بعض السلف كالشعبي وابن المسيب وسفيان إلى الوقف عنها، وقالوا: يجب الإيمان بها كما وردت ولا نتعدى إلى تفسيرها. وضُعِّف هذا القول بما مر من الإجماع على عدم إرادة حقيقتها في عرف اللسان، فقد تكلموا فيها بصرفها عن ظواهرها فالسكوت عنها موهم للعوام وتنبيه للجهلة[هذا هو التفويض وهو باطل كما اعترف البرزلي ببطلانه وبما يلزم منه من لوازم شنيعة ونسبته لمن مر من السلف لا تصح وكذا قوله أنهم صرفوها عن ظواهرها!]. وذهب الجمهور[هذا يصح على متأخري قومه] إلى الكلام عليها وإلى حملها على محامل قريبة المأخذ منها بينة تليق بها من جهة الشرع والعقل، ولسان العرب ، وتقتضي تنزيه الرب جل وعلا عما يوهم ظاهرها، وقد نص على هذا الإمام أبو المعالي إمام الحرمين وغيره من حذاق المتكلمين[هذا هو مذهب التحريف ويسمونه التأويل وقد أبطله الجويني نفسه في آخر عمره ونقل إجماع السلف على خلافه فالحمد لله]. وذهب القاضي الباقلاني وغيره في بعضها إلى أنها دالة على صفة زائدة تليق بجلاله تعالى من غير تكييف ولا تحديد[يعني بهذا المذهب : إثبات الصفة فقط لفظاً لا يٌعرف معناه!؟ فلا يعرفون مرادفه ولا آثاره ولا ما يضاده ولا الأفعال المتعلقة به إلخ وهذا باطل بلا شك فالمعني بالعلو هنا ما فطر الله به عباده من أن ربهم فوق السموات بحيث ترتفع له الأيدي ويشار له بالأصابع وإلا فلا يختلف هؤلاء عن فرقة التفويض الأولى إلا بإثبات لفظ فقط كصفة بلا معنى ولا دليل!والباقلاني في التمهيد على خلاف هذا المذهب ]، ولكل فريق تأويلات ومآخذ تليق بجلاله تعالى تطول…

والمذهب الثاني: جواز إطلاق جهة فوق من غير تكييف ولا تحديد نقله أبو المعالي إمام الحرمين في الإرشاد عن الكرامية وبعض الحشوية، ونقله القاضي عياض عن الفقهاء والمحدثين وبعض المتكلمين من الأشعرية وأنكر شيخنا الإمام [يعني ابن عرفة] عليه ما نقله عن بعض الأشعرية إنكاراً شديداً، وقال: لم يقله أحد منهم فيما علمته واستقريْتُه من كتبهم، وسمعته يقول: “القاضي ضعيف في علم الأصول[هذا يدل على ضعفه هو وإلا فلم ينفرد القاضي عياض بهذا النقل عن الأشاعرة بل القرطبي نقل هذا بل نص على مواضعه من كتب الأشاعرة القدماء فهل القرطبي ضعيف في الأصول؟؟ وسيأتي نقل البرزلي عن ابن بزيزة] ويعرف ذلك من تواليفه وكان عالماً بالأحاديث ورجالها وضبطها ولغاتها مقدَّماً في ذلك فلا يلتفت لنقله عن أهل الأصول في هذه المسألة”.

ثم قال البرزلي متعقباً شيخه: وكلامه في الشفاء يدل على علمه في هذا الفن [يعني الأصول] وغيره وتَضَّلُّعه ، وما نقله [يعني القاضي] عن بعض الأشعرية حكاه ابن بزيزة في شرح الإرشاد عن القلانسي من مشايخ الأشعرية[في فتاوى البرزلي تحريف في اسم القلانسي والضبط من الفتاوى الحديثية] ، وعن البخاري وغيره، غير أن هذا مُحدث [يعني أن البخاري من أهل الحديث ليس من الأشعرية حيث أن الكلام فيهم]، واختار هذا المذهب ابن عبد البرّ في “الاستذكار” واشتد نكير شيخنا المذكور عليه وقال: لم تزل فقهاء المذهب ينكرونه عليه بحمل ما ورد على ظاهره ولتدافع مذهبه في نفسه عند تحقيقه وهو ظاهر كلام الشيخ أبي محمد بن أبي زيد في رسالته.

وفي أسئلة الشيخ عز الدين: ما تقول في قول ابن أبي زيد، وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه هل يفهم منه القول بالجهة وهل يكفر معتقدها أم لا؟.
فأجاب الشيخ عز الدين: بأن ظاهره ما ذكر من القول بالجهة، لأنه فرق بين كونه على العرش وكونه مع خلقه بعلمه، والأصح أن معتقد الجهة لا يكفر لأن علماء المسلمين لم يخرجوهم عن الإسلام، بل حكموا لهم بالإرث من المسلمين وبالدفن في مقابر المسلمين، وتحريم دمائهم وأموالهم وإيجاب الصلاة عليهم، وكذا سائر أرباب البدع لم يزل الناس يجرون عليهم أحكام الإسلام ولا مبالاة بمن كفرهم لمراغتمه لما عليه الناس انتهى كلام عز الدين…

ثم تكلم عن تكفير القائل بالعلو ونصر عدم التكفير ثم نقل ما قاله السبكي عن شيخ الإسلام ابن تيميه في المسائل التي زعم أنه خالف الإجماع فيها في الفروع والأصول !!

ثم قال البرزلي: لا خفاء أن من نظر كلام الرجل مما نسب إليه من التواليف يقتضي نفي أكثر ما نسب إليه من هذه المسائل غير انه من القائلين بالجهة ، وله في إثباتها جزء ، وهو من الحنابلة وعلى هذا المذهب عامة المحدثين ، وسماهم أبو المعالي حشوية لكنهم يقولون من غير تكييف ويلزمهم جميع ما يلزم هذا القول إلخ )) فتاوى البرزلي 6/197-206

 
 
ولنبدأ بترقيم الأئمة :

23- صاحب “رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري” وهو إما: الإمام العلامة قاضي الديار المصرية ابن درباس الشافعي أو ابن أخيه الإمام الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن عيسى بن درباس ينظر ما كتبه الشيخ حمدي السلفي في بحثه في سلسلة بحوث وتحقيقات مختارة من مجلة الحكمة(33) وهي منشورة على الشبكة وفيها انتصر ابن درباس لما جاء في الإبانة للأشعري التي ينفر منها المتمشعرة ومن ضمنها مسألة العلو وقد ورد فيها ذكر عدد من الأعلام ممن يوافقه ممن سيرد مرقما، قال ابن درباس:

ومنهم الإمام الحافظ أبو العباس أحمد بن ثابت الطرقي [كان حافظاً عارفاً بالفقه والأصول والأدب، حسن التصنيف]، فإنه قال في بيان مسألة الاستواء[ذكر هذا النص الذهبي في العلو حين تعرض للإبانة ]:
ما أخبرنا به الإمام الحافظ أبو العباس أحمد بن ثابت قال: رأيت هؤلاء الجهمية ينتمون في نفي العرش وتأويل الاستواء إلى أبي الحسن الأشعري.
وما هذا بأول باطل ادَّعوه وكذب تعاطوه، فقد قرأت في كتابه المرسوم بـ (الإبانة عن أصول الديانة) أدلة من جملة ما ذكرته في إثبات الاستواء.
وقال في [جملة] ذلك: ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل [هم] يقولون: يا ساكن العرش.
ثم قال: ومن حَلِفِهِمء جميعًا [قولهم:] لا والذي احتجب بسبع سماوات.
هذا آخر ما حكاه، وهو في الإبانة كما ذكره.

(24-)ومنهم الإمام الفقيه أبو الفتح نصر المقدسي رحمه الله[الإمام والزاهد الشافعي المعروف وله كلام في العلو مذكور في علو الذهبي]، فإني وجدت (كتاب الإبانة) في كتبه ببيت المقدس حرسه الله، ورأيت في بعض تواليفه في الأصول فصولاً منها بخطه.
(25-) ومنهم الفقيه أبو المعالي مجلي صاحب (كتاب الذخائر) في الفقه[الإمام و العلامة الفقيه الشافعي. ولي قضاء ديار مصر وقد صنّف كتاب الذخائر في الفقه، وهو من الكتب المعتبرة، قاله الذهبي].
فقد أنبأني غير واحد عن الحافظ أبي محمد المبارك بن علي البغدادي ونقلت [له] أنا من خطه في آخر (كتاب الإبانة): نقلت هذا الكتاب جميعه من نسخة كانت مع الشيخ الفقيه مجلي الشافعي أخرجها إلي في مجلد، فنقلتها وعارضت بها، وكان رحمه الله يعتمد عليها وعلى ما ذكرناه فيها، ويقول: لله من صنفه، ويناظر على ذلك لمن ينظره، وذكر ذلك لي وشافهني به.
وقال: هذا مذهبي وإليه أذهب، فرحمنا الله وإياه.
نقلت ذلك في سنة أربعين وخمس مئة بمكة حرسها الله.

(26-)ومنهم الحافظ أبو محمد بن علي البغدادي نزيل مكة حرسها الله، فإني شاهدت نسخة لكتاب (الإبانة) بخطه من أوله إلى آخره، وفي آخره بخطه ما تقدّم ذكره آنفًا، وهي بيد (27-)شيخنا الإمام رئيس العلماء الفقيه الحافظ العلامة أبي الحسن علي بن المفضل المقدسي، ونسخت منها نسخة وقابلتها عليها بعد أن كنت كتبت نسخة أخرى مما وجدته في كتاب الإمام نصر المقدسي ببيت المقدس حرسه الله، ولقد عرضها بعض أصحابنا على عظيم من عظماء الجهمية المنتمين افتراءً إلى أبي الحسن الأشعري ببيت المقدس، فأنكرها وجحدها، وقال: ما سمعنا بها قط، ولاهي من تصنيفه، واجتهد آخرًا في إعمال روايته ليزيل الشبهة فطنته، فقال بعد التحريك – تحريك لحيته -: لعله ألفها لما كان حشويًا، فما دريت من أي أمريه أعجب؟ أمن جهله بالكتاب مع شهرته وكثرة من ذكره في التصانيف مع العلماء، أو من جهله لحال شيخه الذي يفتري عليه بانتمائه إليه واشتهاره قبل توبته بالاعتزال بين الأمة عالمها وجاهلها؟ وشبهت [أمره] في ذلك بحكاية:
أنبأناها الإمام أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي الحافظ رحمه الله قال:
فإذا كانوا بحال من ينتمون إليه بهذه المثابة يكونون بحال السلف الماضي وأئمة الدين من الصحابة والتابعين وأعلام الفقهاء والمحدثين، وهم لا يلوون على كتبهم ولا ينظرون في آثارهم، وهم والله بذلك أجهل وأجهل، كيف لا [و] قد قنع أحدهم بكتاب ألفه الجهمية بعض من ينتمي إلى أبي الحسن بمجرد دعواه، وهو في الحقيقة مخالفة لمقالة أبي الحسن التي رجع إليها واعتمد في تدينه عليها، قد ذهب صاحب [ذلك] التأليف إلى المقالة الأولى وكان خلال ذلك أحرى به وأولى، لتستمر القاعدة وتصير الكلمة واحدة.))

28- الإمام أبو اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي شيخ العربية والقراءات وشيخ الحنفية ومسند الشام المتوفى سنة 613 : فقد ناصر الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي في محنته المشهورة في مسألة العلو والنزول والكلام ، يقول الذهبي في تاريخ الإسلام ترجمة الحافظ عبد الغني: ((قوله-يعني السبط- وإجماع الفقهاء على الفتيا بتكفيره كلام ناقص، وهو كذب صريح، وإنما أفتى بذلك بعض الشافعية الذين تعصبوا عليه، وأما الشيخ الموفق وأبو اليمن الكندي شيخا الحنفية والحنابلة فكانا معه. ولكن نعوذ بالله من الظلم والجهل.)) وقد ذكر غير واحد منهم الذهبي وابن كثير والموفق رحمهم الله انه على معتقد أهل السنة السلفي ، وقد وقف له الذهبي على فتيا في القرآن تدل على خير وتقرير جيد وذكر الذهبي أنها تخالف قول الأشاعرة -مستفاد من رسالة دكتوراة بعنوان”جهود علماء السلف في تقرير العقيدة” “القرن السابع” غير مطبوعة-.

29- الإمام الحافظ محدث الإسلام أبو عبد الله ابن مندة المتوفى سنة 395 هـ فقد ذكر مسألة العلو وكررها في كتابه المفيد التوحيد فقال على سبيل المثال:

((ذكر الآي المتلوة والأخبار المأثورة في ان الله عز وجل فوق خلقه بائناً عنهم..))
((بيان آخر يدل على أن العرش فوق السموات وأن الله تعالى فوق الخلق بائناً عنهم))..
((بيان آخر يدل على أن الله تعالى فوق عرشه بائناً عن خلقه))
((بيان آخر يدل على ما تقدم وأن الإقرار بأن الله عز وجل في السماء من الإيمان)) وذكر حديث الجارية ينظر التوحيد 3/185 و187 و190 و274 و268 و288.

يأتي قول ابن رشد “الجد” !

 
30- مجموعة اعترافات للغزالي الإمام الأشعري الكبير:


أ- قال: ((فإن قيل فلم لم يكشف الغطاء عن المراد بإطلاق لفظ الإله ولم يقل[يعني الرسول صلى الله عليه وسلم] أنه موجود ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا هو داخل العالم ولا خارجه ولامتصل ولا منفصل ولا هو في مكان ولا هو في جهة بل الجهات كلها خالية عنه فهذا هوالحق عند قوم والإفصاح عنه كذلك كما فصح عنه المتكلمون ممكن ولم يكن في عبارته قصور ولا في رغبته في كشف الحق فتور ولا في معرفته نقصان قلنا: من رأى هذا حقيقة الحق اعتذر بان هذا لو ذكره لنفر الناس عن قبوله ولبادروا بالإنكار وقالوا هذا عين المحال ووقعوا في التعطيل ولا خير في المبالغة في تنزيه ينتج التعطيل في حق الكافة إلا الأقلين وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم داعياً للخلق إلى سعادة الآخرة رحمة للعالمين ، كيف ينطق بما فيه هلاك الأكثرين…وأما إثبات موجود في الاعتقاد على ماذكرناه من المبالغة في التنزيه شديد جداً بل لا يقبله واحد من الألف لا سيما الأمة الأمية))إلجام العوام عن علم الكلام ص56-57 طبعة المكتبة الأزهرية

وفي هذا النص:

1- إقرار صريح بأن الرسول لم يتكلم بعقيدتهم.

2- لو ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم عقيدتهم لنفر الناس عن قبولها ولبادروا بالإنكار.

3- لا يقبل عقيدتهم واحد من الألف وهذا يعني أنه لو فرضنا أن كل الأمة الأمية سمعوا بهذه العقيدة تصبح نسبة المنكرين لها 99.9% من هذه الامة الأمية فكيف لو عرفنا أن الكثير لم يسمع بهذا الاعتقاد قط فضلاً عن أن يفهمه فضلاً عن أن يأخذ به!! ، إذاً كم ستصبح نسبة من يقول بقولهم من هذه الأمة!؟؟

ب- ذكر الغزالي في ميزان العمل ص407 في طريقة “الإنسان الكامل” : “إن وقع له مسترشد [يعني يطلب الإرشاد والتعليم] تركي أو هندي ، أو رجل بليد جلف الطبع ، وعلم أنه لو ذكر له أن الله تعالى ليس ذاته في مكان وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه ، لم يلبث أن ينكر وجود الله تعالى ويكذب به ، فينبغي أن يقرر عنده أن الله تعالى على العرش!!! وأنه يرضيه عبادة خلقه ، ويفرح بها!! فيثيبهم ويدخلهم الجنة عوضاً وجزاءً. وإن احتمل أن يذكر له ما هو الحق المبين يكشف له

أقول: وهل وجد في الصحابة رضوان الله عليهم من يحتمل أن يكشف له النبي صلى الله عليه وسلم الحق المبين في هذه المسألة ويصرح له بأنه سبحانه ليس على العرش ولا فوق السموات ؟؟؟ إن وجد فانقلوه مسنداً وهيهات، وإن لم يوجد ولابد من هذا، فهل كان الصحابة كلهم بهذه الصفة “” تركي أو هندي[الظاهر أنه يعني أنه لا يفقه اللغة جيداً] ، أو رجل بليد جلف الطبع”” ؟؟

يعني هل عدم فيهم من يتصف بالكمال الذهني والعقلي بحيث يحتمل أن يكشف له هذا؟ا!؟

لابد من “لا لم يعدم فيهم”، إذاً لم لم يبين النبي صلى الله عليه وسلم لهم هذا !!هل من جواب ؟؟ وماذا عن التابعين وتابعيهم ومن تابعهم الذي لم ينطق واحد منهم بنفي العلو فهل كلهم بهذه الصفة؟ أهذه خير أمة؟؟ فكيف إذا علمنا أن جهماً لما ادعى أنه سبحانه في كل مكان أجابه كثير ممن أدرك قوله من تابعين وأتباع : بل هو في السماء بل هو على العرش نعرف ربنا فوق السماء على العرش إلخ

وحقيقة مذهب هؤلاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين الحق ولا أوضحه لأمته ، مع أمره صلى الله عليه وسلم أمته أن يعرفوا الحق ويعتقدوه ، لكنه لم يبينه لهم بل دلهم على نقيضه ، والمطلوب اعتقاد مالم يدل كلامه صلى الله عليه وسلم عليه بل دل على نقيضه!!!

قال ابن تيميه رحمه الله : ((فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور وأنزل معه الكتاب بالحق ؛ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينهم وأتم عليهم نعمته – محال مع هذا وغيره : أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسا مشتبها ولم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا وما يجوز عليه وما يمتنع عليه . فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادا وقولا ومن المحال أيضا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة وقال : ” تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ” وقال فيما صح عنه أيضا : ” ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم ” . وقال أبو ذر : لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما . وقال عمر بن الخطاب : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فذكر بدء الخلق ؛ حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه … ومحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين – وإن دقت – أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه في قلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين الذي معرفته غاية المعارف وعبادته أشرف المقاصد والوصول إليه غاية المطالب . بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام ثم إذا كان قد وقع ذلك منه : فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه . ثم من المحال أيضا أن تكون القرون الفاضلة – القرن الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم – كانوا غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق . وكلاهما ممتنع . ))إلخ كلامه المهم فليراجع في الفتوى الحموية.

ج- وقد اعترف أيضاً في نص سيأتي -وقد استفدت الإحالة عليه من المعلمي رحمه الله- أن إثبات العلو لا يتميز عن الأوليات القطعيات بل تشهد به الفطرة كما تشهد بالأوليات العقلية!!! ، وأقول: إن كانت تشهد به الفطرة فلما لم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم حرفاً واحداً صريحاً في تبيين الحق وإنقاذ الناس عن الضلال الذي فطرهم الله عليه؟؟ حاشاه بأبي هو وأمي أن يتركهم في ظلمات الضلال وهو المبعوث ليخرجهم من الظلمات إلى النور.

د-ثم اعترف الغزالي في نص رابع يأتي أن عدم تأويل الجهة يعني إثبات العلو هو قول الإمام أحمد بن حنبل واعتذر عنه بأن الإمام لم يكن ممعنا في النظر العقلي يعني علم الكلام!! فعيب أحمد إمام أهل السنة كان في ترك الكلام الموروث عن بعض الفلاسفة ، وإمعانه في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم المشتمل على زبدة وأصح الأدلة العقلية التي يحتاجها المسلم!!، لكن ما ضر الإمام إن تبع ما لا يتميز عن الأوليات القطعيات بل تشهد به الفطرة كما تشهد بالأوليات العقلية!!! وقبل هذا تشهد له نصوص الكتاب والسنة ولم يأخذ بمذهب لم ينطق الرسول صلى الله عليه وسلم به قط كما اعترف الغزالي نفسه؟ ماذنبه؟؟

أما قوله بأن العلو لا يتميز عن الأوليات القطعيات بل تشهد به الفطرة كما تشهد بالأوليات العقلية فقد قال الغزالي في المستصفى ج1 ص46:

“السادس : الوهميات وذلك مثل قضاء الوهم بأن كل موجود ينبغي أن يكون مشارا إلى جهته فإن موجوداً لا متصلا بالعالم ولا منفصلا عنه ولا داخلا ولا خارجا محال وأن إثبات شيء مع القطع بأن الجهات الست خالية عنه محال ، … ومن هذا القبيل نفرة الطبع عن قول القائل ليس وراء العالم خلاء ولا ملاء وهاتان قضيتان وهميتان كاذبتان والأولى منهما ربما وقع لك الأنس بتكذيبها لكثرة ممارستك للأدلة العقلية الموجبة لإثبات موجود ليس في جهة …وهذه القضايا مع أنها وهمية فهي في النفسلاتتميز عن الأوليات القطعية … بل تشهد بها أول الفطرة كما يشهد بالأوليات العقلية”.

قال المعلمي معلقاً على كلامه: أما أن القضية بديهية فطرية فحق لا ريب فيه. وأما زعم أنها وهمية فباطل فإن القضايا الوهمية من شأنها أن ينكشف حالها بالنظر انكشافاً واضحاً ومن شأن الشرع إذا كانت ماسة بالدين كهذه أن يكشف عنها. وكلا هذين منتف أما الشرع فإنما جاء بتقرير هذه القضية وتثبيتها وتأكيدها بنصوص صريحة تفوق الحصر ، بل أصل بناء الشرائع على نزول الملك من عند الله عز وجل بالوحي على أنبيائه.

وأما النظر فقد اعترف الغزالي بأن أقصى ما يمكن من مخالفته لهذه القضية أنه ربما حصل الإنس بتكذيبها!! لمن كثرت ممارسته للأدلة العقلية!! ففي هذا : أن تلك الأدلة كلها فضلاً عن بعضها لا تثمر اليقين ولا يقرب منه ولا ما يشبهه وإنما غايتها أنه ربما حصل الإنس بتكذيبها لمن كثرت ممارسته لها. الخ وأنظر بقية كلامه في القائد ص208.

وقد وجدت كلام الغزالي السابق في محك النظر أيضاً ص105-106 من طبعة دار الفكر.

أما بخصوص الإمام أحمد فقد قال في فيصل التفرقة ص66: ((وإنما اقتصر أحمد على تأويل هذه الأحاديث[ولم يثبت هذا عنه] لأنه لم يظهر عنده الاستحالة إلا في هذا القدر، لأنه لم يكن ممعنا في النظر العقلي!! ، ولو أمعن لظهر له ذلك في الاختصاص بجهة فوق وغيره مما لم يأوله))

31-اعتراف العز بن عبد السلام الأشعري الكبير: قال في قواعد الأحكام( 1/202 ) ((وكل ذلك مما لا يمكن تصويب للمجتهدين فيه بل الحق مع واحد منهم , والباقون مخطئون خطأ معفوا عنه لمشقة الخروج منه والانفكاك عنه , ولا سيما قول معتقد الجهة فإن اعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا منفصل عن العالم ولا متصل به , ولا داخل فيه ولا خارج عنه لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة في العادة , ولا يهتدي إليه أحد إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرك عسرة الفهم فلأجل هذه المشقة عفا الله عنها في حق العامي ولذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يلزم أحدا ممن أسلم على البحث عن ذلك بل كان يقرهم على ما يعلم أنه لا انفكاك لهم عنه , وما زال الخلفاء الراشدون والعلماء المهتدون يقرون على ذلك مع علمهم بأن العامة لم يقفوا على الحق فيه ولم يهتدوا إليه, وأجروا عليهم أحكام الإسلام من جواز المناكحات والتوارث والصلاة عليهم إذا ماتوا وتغسيلهم وتكفينهم وحملهم ودفنهم في مقابر المسلمين , ولولا أن الله قد سامحهم بذلك وعفا عنه لعسر الانفصال منه ولما أجريت عليهم أحكام المسلمين بإجماع المسلمين , ومن زعم أن الإله يحل في شيء من أجساد الناس أو غيرهم فهو كافر لأن الشرع إنما عفا عن المجسمة لغلبة التجسم على الناس فإنهم لا يفهمون موجودا في غير جهة بخلاف الحلول فإنه لايعم الابتلاء به ولا يخطر على قلب عاقل ولا يعفى عنه))

وقد استفدته من الشيخ عبد الله الخليفي من هنا:

[FONT=’Arial’,’sans-serif’]http://www.alukah.net/majles/showthread.php?t=5335[/font]

وفي النص السابق :

1- أن معتقد الجهة مخطأ خطأ معفوً عنه لأن اعتقاد النفي ليس بفطري!! ولا يقال به إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة الفهم عسيرة المدرك!!

2- قوله “بل كان يقرهم على ما يعلم أنه لاانفكاك لهم عنه، وما زال الخلفاء الراشدون والعلماء المهتدون يقرون على ذلك” يعني الرسول صلى الله عليه وسلم يقرهم على هذا فأيها أهدى يا عقلاء من كان النبي عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدون يقروا قوله أم الذي لم ينطق نبي ولا صحابي ولا تابعي قط بقوله!؟.

ثم قوله” مع علمهم بأن العامة لم يقفوا على الحق إلخ” دعوى غير مبرهنة و لا يستطيع أن يبرهن عليه من كلامهم ، بل لا يستطيع هؤلاء ومن وافقهم أن يأتوا عن الأنبياء عليهم السلام بكلمة واحدة توافق ما يقولونه من النفي ، وكذا عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم بل يعترف النفاة أن ظاهر كلام الله ورسوله مع أهل الإثبات ، كما قال الرازي في أصول الدين ص44 ط الأزهرية : ((وأما الظواهر النقلية المشعرة بالجسمية والجهة فالجواب الكلي عنها ان القواطع العقلية دلت على امتناع الجسمية والجهة ، والظواهر النقلية مشعرة بحصول هذا المعنى والجمع بين تصديقهما محال..))إلخ وبنحوها في المحصل ص158 وغيره كثير.

قوله ((ولولا أن الله قد سامحهم بذلك وعفا عنه لعسر الانفصال منه)) هذا التعليل هزيل و غير صحيح والصواب أنه الحق من رب العالمين ولو كان باطلاً لما جعل الله فطر الناس تقرر الباطل ولا تستطيع الفكاك منه إلا بأدلة عسرة الفهم لم يبينها نبيه صلى الله عليه وسلم! و لما سكت النبي صلى الله عليه عن التصريح بالحق ولومرة! ولو كان باطلاً فلم لم ينطق صاحبي ولا تابعي بهذا الحق ولو مرة ؟؟ وقولنا مرة واحدة هو على التنزل الشديد فإنه لو كان ضلالاً حقاً لا يجوز اعتقاده كما تقولون لتواتر عنهم رضي الله عنهم التحذير من اعتقاده ولأيقظوا الغافلين، وعلموا الجاهلين، وأشاعوا ذلك بين المسلمين، بل بين العالمين!!، كما يفعل أهل الكلام أنفسهم ، وهذا لم يقع قط.

وحقيقة مذهب هؤلاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين الحق ولا أوضحه لأمته ، مع أمره صلى الله عليه وسلم أمته أن يعرفوا الحق ويعتقدوه! ، وليته اكتفى بعدم التبيين بل دلهم على نقيضه ، فالمطلوب اعتقاد مالم يدل كلامه صلى الله عليه وسلم عليه بل دل عليه نقيضه!!!

والنص يحتمل التعليق بأكثر من هذا وما مضى يكفي المنصف طالب الحق.

32- اعتراف البغدادي الأشعري : قال في كتابه أصول الدين ص113 : ((ومنهم من قال: إن استواءه على العرش كونه فوق العرش بلا مماسة، وهذا قول القلانسي وعبد الله بن سعيد[وهو ابن كلاب]، ذكره في كتاب الصفات)) والقلانسي المذكور قد مر ذكره من مثبتة العلو فيما سبق. وينتبه إلى ان نفي المماسة لا يعني نفي العلو بالضرورة وقد ذهب لنفي المماسة جماعة من مشاهير مثبتة العلو كالحافظ السجزي والتيمي وغيرهم وليس هذا مقام تحرير الموقف من هذا اللفظ فليراجع ما كتبه الدكتور الدكتور جابر بن ادريس في كتابه مقالة التشبيه ج1 من ص430 إلى 443.

وقول ابن كلاب الذي أشار له البغدادي نقله ابن القيم وقبله شيخ الإسلام وأشار له الذهبي وأثبته هنا للفائدة: قال ابن فورك في كتابه “مقالات الشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن سعيد” :

((وقال-يعني ابن كلاب-في كتاب الصفات في بيان القول في الاستواء: ” فرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صفوة الله من خلقه، وخيرته من بريته، وأعلمهم جميعا به، يجيز السؤال بأين، ويقوله، ويستصوب قول القائل: انه في السماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين زعموا، ويحيلون القول به، ولو كان خطأ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها: لا تقولى ذلك فتوهمين أن الله عز وجل محدود، وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولى إنه في كل مكان لأنه الصواب دون ما قلت!! [أقول: أو يقول بل قولي بان الله ليس بداخل ولا خارج العالم إلخ وحاشاه من الكذب ]، كلا لقد أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع علمه بما فيه وانه أصوب الأقاويل، والأمر الذى يجب الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، فكيف يكون الحق في خلاف ذلك، والكتاب ناطق به وشاهد له؟!؟.

ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بنيه الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك مالا شيء أبين منه ولا أوكد؟ لأنك لا تسأل أحدا من الناس عنه، عربيا ولا عجميا، ولا مؤمنا ولا كافرا فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء إنأفصح، أو أومأ بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح، لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحدا داعيا له إلا رافعا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول: في كل مكان كما يقولون، وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم فتاهت العقول، وسقطت الأخبار، واهتدى جهم وحده وخمسون رجلا معه، نعوذ بالله من مضلات الفتن!!”

ثم قال ابن فورك تعليقاً على هذا الكلام: ((فقد حقق رحمه الله في هذا الفصل شيئاً من مذاهبه أحدها: إجازة القول بأين الله؟ في السؤال عنه والثاني: صحة الجواب عنه بأن يقال في السماء والثالث أن ذلك يرجع فيه إلى الإجماع من الخاصة والعامة)) ثم قال كلاماً في محاولة تأويل كلامه فأنظره وأنظر لتعليق ابن تيميه عليه في نقض التأسيس ص51-56 تحقيق الدويش.

33- نص كلام ابن فورك في شرح أوائل الأدلة :

لابن فورك قول بتأويل العلو مذكور في مشكل الحديث وبيانه ، وقول بالإثبات أشار له القرطبي في كتابه الأسنى ج2/122-123 حيث نقل القرطبي قول أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي القيرواني المالكي في رسالته الإيماء إلى مسألة الإستواء قال :

((..السادس قول الطبري وابن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب[تلميذ الباقلاني شارح رسالة ابن أبي زيد] وجماعة من شيوخ الحديث والفقه وهو ظاهر بعض كتب القاضي أبي بكر رضي الله عنه [يعني الباقلاني] وأبي الحسن [يعني الأشعري شيخ المذهب] وحكاه عنه أعني عن القاضي أبي بكر[الباقلاني] القاضي عبد الوهاب نصاً وهو أنه مستو على العرش بذاته وأطلقوا في بعض الأماكن “فوق عرشه”.

قال الإمام أبو بكر-صاحب الإيماء-: وهو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد ولا تمكين في مكان ولا كون فيه ولا مماسة[رحم الله صاحب الإيماء وغفر الله لنا وله ، وأجزل مثوبته على اختياره لهذا القول الصحيح، ولا حاجة بعد ذلك لهذا التفصيل في النفي و لا للخوض في الألفاظ المجملة ونفي النقص المتوهم عن الله يكفي فيه ليس كمثله شيء وللذهبي تعليق على كلام صاحب الإيماء في العلو فلينظر]

قلت-القائل القرطبي-: هذا قول القاضي أبو بكر [يعني الباقلاني] في كتابه تمهيد الأوائل له.وقد ذكرناه ، وقاله الأستاذ أبو بكر بن فورك في شرح أوائل الأدلة،وهو قول ابن عبد البر والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيين والخطابي في كتاب شعار الدين وقد تقدم ذلك))انتهى وقد نقل القرطبي نص كلام الخطابي في موضع آخر وقد نقلته في الرد10،ونصوص ابن عبد البر والطلمنكي مشهورة معروفة وكذا نص الباقلاني في التمهيد.

أما نص كلام ابن فورك فقد قال :

((وإن سألت فقلت : ” أين هو ؟ ” فجوابنا ” إنه في السماء ” كما أخبر في التنزيل عن نفسه بذلك فقال عز من قائل ** أأمنتم من في السماء } وإشارة المسلمين بأيديهم عند الدعاء في رفعها إليه . وأنك لو سألت صغيرهم وكبيرهم فقلت : ” أين الله ؟ ” لقالوا : ” إنه في السماء ” ولم ينكروا لفظ السؤال بـ ” أين ” . لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الجارية التي عرضت للعتق فقال أين الله ؟ فقالت في السماء مشيرة بها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها فإنها مؤمنة ، ولو كان ذلك قولا منكرا لم يحكم بإيمانها ولأنكره عليها . ومعنى ذلك أنه فوق السماء لأن ” في ” بمعنى فوق . قال الله تعالى ** فسيحوا في الأرض } أي فوقها)) مجموع الفتاوي (16/90). وهو على خلاف قوله في تأويل مشكل الحديث ولابن تيميه تعليق مهم على اختلاف قول ابن فورك فلينظر في المرجع السابق وقد استفدت الإحالة على النص في مجموع الفتاوى من الشيخ المحمود في كتابه القيم “موقف ابن تيميه من الأشاعرة”.

يتبع قول ابن رشد “الجد”

33- قول الإمام العامل شيخ الاسلام وقدوة الانام بقية السلف الكرام شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الشيخ الامام العالم العامل الزاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي – ت 682 هـ – :

حيث قال في كتابه الشرح الكبير على المقنع عند كلامه على شروط الذبح و من بينها : ( أن يذكر اسم الله تعالى عند الذبح وهو ان يقول بسم الله لا يقوم غيرها مقامها … ) ثم قال بعد ذلك :

” (مسألة)

(الا الاخرس فانه يومئ برأسه إلى السماء) قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على اباحة ذبيحة الاخرس منهم الليث والشافعي واسحاق وأبو ثور وهو قول الشعبي وقتادة والحسن بن صالح.
إذا ثبت هذا فانه يشير إلى السماء برأسه لان إشارته تقوم مقام نطق الناطق واشارته إلى السماء تدل على قصده تسمية الذي في السماء ونحو هذا قال الشعبي وقد دل على هذا حديث أبي هريرة ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية أعجمية فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة أفأعتق هذه؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أين الله؟ ” فأشارت إلى السماء فقال ” من أنا؟ ” فأشارت باصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والى السماء أي انت رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” اعتقها فانها مؤمنة ” رواه الامام أحمد والقاضي البرتي في مسنديهما فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايمانها باشارتها إلى السماء تريد ان الله سبحانه فيها ” اهـ ج 11 ص 59

34 – قول شيخ الشافعية الإمام الحافظ و المفسر الجهبذ أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني الشافعي – ت 489 هـ –

قال رحمه الله في تفسيره :

” قوله تعالى ” يخافون ربهم من فوقهم ” قال بعضهم معناه يخافون عذاب ربهم من فوقهم والقول الثاني -وهو الأصح- أن هذه صفة العلو التي تفرد الله بها وهو كما وصف به نفسه من غير تكييف ” الجزء 3 ص 177

35- قول ابن رشد الجد


قال في المقدمات الممهدات 1/20-21 بعد أن ذكر عشراً من الصفات أجمع أهل السنة عليها عنده وهي الصفات السبع المعروفة بالإضافة لصفة إدراك الشم والذوق واللمس! ثم ذكر ان إثبات العينين والوجه واليدين هو قول المحققين ثم نفى بعض الألفاظ المجملة ثم قال: ((فعلى هذا تأتي صفات ذاته خمس عشرة صفة)) ثم قال:

((واختلفوا فيما وصف به نفسه من الاستواء على العرش ، فمنهم من قال إنها صفة فعل بمعنى أنه فعل في العرش فعلاً سمى به نفسه مستوياً على العرش. ومنهم من قال إنها صفة ذات من العلو ، وأن قوله استوى بمعنى علا ، كما يقال استوى على الفرس بمعنى علا عليه. وأما من قال أن الاستواء بمعنى الاستيلاء فقد أخطأ لأن الاستيلاء لا يكون إلا بعد المغالبة والمقاهرة ، والله يتعالى عن أن يغالبه أحد.

وحمل الاستواء على العلو والارتفاع أولى ما قيل ، كما يقال استوت الشمس في كبد السماء أي علت ، ولا يمتنع أن يكون صفة ذات وإن لم يصح وصفه تعالى بها إلا بعد وجود العرش كما لا يوصف بأنه غير لما غايره إلا بعد وجود سواه.))انتهى

وفي هذا النص:

1- إثباته لعلو الله سبحانه على العرش العلو الذاتي وذكر أكثر من مثال للمعنى المراد بحيث لم يترك مجالا للقرمطة ، فقال: كما يقال استوى على الفرس بمعنى علا عليه ، ،و كما يقال استوت الشمس في كبد السماء أي علت ، ومراده واضح لا شك فيه.
2- ومع هذا فهو-كسائر الكلابية مثبتة العلو- لا يرى أن هذا يقتضي قيام معنى متجدد به بل هو فوق العرش حقيقة من غير قيام معنى حادث بل هي نسبة وإضافة قال ((فلا يمتنع أن يكون صفة ذات وإن لم يصح وصفه تعالى بها إلا بعد وجود العرش كما لا يوصف بأنه غير لما غايره إلا بعد وجود سواه!))وكما -أيضاً -لا يسمع –عند جمهورهم- الصوت إلا بعد وجود الصوت والمتجدد نسبة وإضافة عدمية!! وهذا باطل لا شك فيه وهومن أباطيل الكلابية وإثباته للعلو حق لا شك فيه وهو من حسنات الكلابية لكنه تجسيم أو تشبيه عند متأخري الأشعرية!!.
3- الخلاف المذكور في كلامه إنما هو خلاف أهل الكلام أما أئمة أهل السنة كإمامه مالك وأحمد والشافعي ومن قبلهم من صحابة وتابعين ومن بعدهم من أئمة أهل السنة ممن لم يتلطخ بدخن الكلام وأهله فليس عندهم في هذه المسألة إلا قول واحد والحمد لله على نعمة الهداية.
4- ذكر أن بعضهم قال إنها صفة فعل وبين مرادهم بصفة الفعل فقال : بمعنى أنه فعل في العرش فعلاً سمى به نفسه مستوياً على العرش! وفيه ما فيه فإنه إن كان الذي قام به الفعل هو العرش فيصبح الفعل صفة العرش لأن من المستقر في فطر الناس أن من قام به العلم فهو عالم ومن قامت به القدرة فهو قادر ومن قامت به الحركة فهو متحرك ومن قام به التكلم فهو متكلم ومن قامت به الإرادة فهو مريد وقال أهل السنة إذا كان الكلام مخلوقا كان كلاما للمحل الذي خلقه فيه كسائر الصفات فهذه القاعدة مطردة وكذلك فيه أن الفعل هو المفعول وهذا باطل.

وقد أغضب كلام ابن رشد الجد هذا في مسألة الاستواء بعض أشعرية عصره فصنف أحدهم في الرد عليه فقد ذُكر في الديباج المذهب والإحاطة في أخبار غرناطة أن معاصره محمد بن خلف موسى المتكلم-وهو أشعري متيم بالجويني- قد رد عليه بمصنف سموه ” الرد على أبي الوليد بن رشد في مسألة الاستواء الواقعة في الجزء الأول من مقدماته”

هذا موقفه في المقدمات أما في كتابه البيان والتحصيل ففي الجزء 16/368-369 في شرح قول مالك في الاستواء تعرض لهذه المسألة وتكلم بمثل ما تكلم به هناك فذكر ان معنى الاستواء العلو كما يقال استوى فلان على العرش أي علا عليه واستوت الشمس في كبد السماء علت ، وضعف قول من قال إنه الاستيلاء او فعل فعلاً في العرش أو القصد ، وذكر أن العرش أعلى المخلوقات مكاناً وهو أشرفها مرتبة فإذا كان الله أعلى منه فهو أعلى من كل شيء دون العرش في الارتفاع والعلو والشرف والرتبة وفي هذا جمع حسن بين علو الذات وبين علو الشرف والرتبة ولا يظن ظان أنه ينفي علو الذات فكلامه صريح جداً في إثبات هذا. وقد نفى الجلوس والمماسة والتحيز والصواب السكوت عن ما سكت الشارع عنه والابتعاد عن الألفاظ المجملة ويكفي في تنزيه الله عن النقائص قوله تعالى: ((ليس كمثله شيء)).

ملاحظة : وقع في البيان والتحصيل 16/402 ذكر آية الاستواء وكذلك النظر((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ()إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)) ضمن آيات مما يقتضي ظاهرها التشبيه! ومما تتأول! ولا أدري هل هي وهلة ، وسبق قلم أم لعله يعني الظاهر الفاسد عنده كالجلوس والمماسة وإلا فآية النظر-على سبيل المثال- قد استدل بها ابن رشد في 18/480 على إثبات الرؤية وذكر أنها على الحقيقة لا المجاز! وقد كرر هذا مع الاستواء أيضاً في 18/506 وقد يكون لابن رشد في المسالة قولان قول بالإثبات وآخر وافق فيه النفاة في بعض ثنايا قوله وهذا غير مستحيل وإن كان بعيداً لكن قوله بالإثبات واضح وضوح الشمس والله اعلم.

36- قول الزمخشري:

غلب نداء الفطرة الزمخشري المعتزلي المعتصب المتصلب في إعتزاليته فقال كلاماً مضمونه إثبات الفوقية قال في تفسير قوله تعالى : ((أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ))

قال الزمخشري: ( أَمْ لَهُم مُّلْكُ السماوات والأرض) حتى يتكلموا في الأمور الربانية والتدابير الإلهية التي يختص بها ربّ العزّة والكبرياء ، ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال : وإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق والتصرف في قسمة الرحمة ، وكانت عندهم الحكمة التي يميزون بها بين من هو حقيق بإيتاء النبوّة دون من لا تحق له ( فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب) فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصل بها إلى العرش ، حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم وملكوت الله ، وينزلوا الوحي إلى من يختارون ويستصوبون))

وقال ابن المنير في الانتصاف متعقباً كلام الزمخشري وهو على طريقة النفاة من الأشعرية: ((الاستواء المنسوب لله ، ليس مما يتوصل إليه بالصعود في المعارج والوصول إلى العرش والاستقرار عليه والتمكن فوقه …وليست عبارة الزمخشري في هذا الفصل مطابقة للمفصل على جاري عادته في تحرير العبارة على مراده)) وقد استفدته من كتاب المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف للشيخ صالح الغامدي 2/839-850

وقد ذكر ابن تيميه في الدرء أن من المعتزلة المتأخرين-من تلاميذ القاضي عبد الجبار فيما أذكر- من أثبت العلو بالأدلة العقلية وقد بحثت عن كلامه فلم أظفر به الآن لكني متأكد أنه في الدرء والله اعلم.

37- قول ابن الجوزي:

نقل الذهبي في السير21/376 أنه كان يقول: ((أهل الكلام يقولون: ما في السماء رب، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، ثلاث عورات لكم.)) وكذا نقله في تاريخ الإسلام وابن رجب في ذيله على طبقات الحنابلة

وفي قصيدته الدالية في السنة:

وهو على العرش كما أخبر * نا وكرر القول على العباد
نزوله إلى السماء ثابت في * الليل فاهجر لذة الرقاد

مقدمة تلبيس إبليس1/101 مع العلم باضطرابه إجمالاً في مسائل الصفات لكن هذا ما وافق فيه الحق.

38 – قول الإمام المفسر الفقيه عز الدين ابي محمد عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني الحنبلي – ت 661 هـ –

قال رحمه الله في قصيدته في السنة :

و قل ان ربي في السماء قد استوى === على العرش و اقطع كل وهمٍ وزائل

و أطلق جواز الأين فالنص ثابتٌ ==== صحيح صريحٌ ظاهرٌ غير خامل

من قصيدته في ذم الدنيا و مدح السنة بتعليق عمار تمالت

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=161432

و للإمام الرسعني رحمه الله تفسير ضخم اسمه ” رموز الكنوز ” أبان فيه عن منهج السلف في الصفات فرحمه الله تعالى و رضي عنه

39 – قول الشيخ الإمام العلامة الفقيه يحيى بن أبي الخير بن سالم بن أسعد بن يحيى العمراني شيخ الشافعية باليمن – ت 558 هـ – , صاحب كتاب البيان في فقه الشافعية الذي احتفى به أئمة الشافعية بعده و عدوه من مناقبه الكبيرة

قال رحمه الله في كتابه الحافل العجيب : ” الإنتصار في الرد على القدرية الأشرار ”

( قد ذكرنا في أول الكتاب ان عند اصحاب الحديث و السنة ان الله سبحانه بذاته بائن عن خلقه على العرش استوى فوق السماوات ) ص 607

ثم ذكر اقوال الفرق كالمعتزلة الى ان قال :

( وقالت الأشعرية : لا يجوز وصفه انه على العرش و لا انه في السماء ) ج2 ص 609

ثم أورد أدلة العلو من الكتاب و السنة و أطال في تقرير ذلك , رحمه الله .

و رد على الغزالي قوله ان رفع الأيدي في الدعاء لأن السماء قبلة الدعاء فقال رحمه الله :

( و هذا تمويه منه و معاندة لما ورد في القرآن و السنة و ما عليه العلماء من الصحابة و التابعين
و أما قوله ” ان السماء قبلة الدعاء ” فيقال له : لو كان هذا كما قلت لم يصح الدعاء الا لمن توجه بيديه الى السماء كما لا تصح الصلاة الا لمن توجه الى الكعبة ) اهـ ج2 ص 623
**********************
و بك بارك الله

**********************

40 – قول الإمام العلامة الفقيه المفسر شرف الإسلام شيخ الحنابلة بالشام أبي القاسم عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد الشيرازي الشهير بابن الحنبلي – ت 536 هـ – له رسالة مجيدة في الرد على الأشعرية سماها ” الرسالة الواضحة في الرد على الأشاعرة ”

قال رحمه الله :

( و كل ما وصف الله به نفسه في كتابه و جميع أسمائه و صفاته حق الإيمان به واجبٌ , و الكلام فيه بدعة مثل قوله ” و السموات مطويات بيمينه ” و قوله ” بل يداه مبسوطتان ” و قوله ” الرحمن على العرش استوى ” و قوله ” و جاء ربك و الملك صفا صفا ” و ما أشبه ذلك ففي القرآن مثل ذلك كثير) ص 497 من الرسالة الواضحة

نقض علم المنطق : الموقف الشرعي من طريقة السلوب في الصفات

بسم الله
سلسلة كشف المناهج الخفية و بيان المناهج الشرعية
نقض علم المنطق و تطبيقاته في العلوم الإسلامية
الجزء الثاني
الموقف الشرعي من طريقة السلوب في الصفات
كتبه
مختار الأخضر الطيباوي
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله وحده، و الصلاة و السلام على من لا نبيّ بعده،وبعد…….
من المعلوم أنه بسبب انتشار علم الكلام في الأمة، وما حمله معه من قواعد فلسفية و منطقية تغلغلت بعض هذه القواعد المنطقية داخل العقل المسلم حتى أضحت من المسلمات وتقريبا من البديهيات.
وهي بعد الفحص العلمي الدقيق أغلوطات كبيرة بسببها وقع من وقع من الأئمة البارزين في الفقه و الحديث و الأصول و التفسير في براثين منطق الفلسفة ، و انساقوا خلف بريق هذه العقليات الزائفة فانتهى بهم الحال إلى التخبط في أصول الدين، والوقوع في البدع المخالفة للنصوص الشرعية، ولهدي وفهم السلف الصالح.
وما كان لهذه القواعد المنطقية أن تخترق منهج وعقيدة أهل السنة لتسل منه طائفة منهم، لولا تلك الترهات التي وقع فيها بعض أئمتهم من مدح العقل و الشعور بعقدة النقص أمام المتكلمين.
ولا زال لحد اليوم يوجد من يمدح العقل و المنطق، ويعتقد توهما أنه لا يتعارض مع السنة، لأنه لا يفرق بين سنة الاقتداء التعبدي و سنة التأسي المنهجي ،القائمة على أصول معرفية و علمية واضحة و ثابتة.
وحتى لا يتكرر الخطأ فقد شرعنا في سلسلة نقض المنطق، و بيان تخلفه عن العقلية الإسلامية السنية بأشواط كبيرة، و أنه ليس إلا ممحاكات جدلية تقوم في جلها على تصور وثني سفسطائي، وكمثال على ضرره في أصول الدين فهذا بحث مقتضب في مسألة السلوب، وما جرته على الأمة من تعطيل و إلحاد في أسماء الله و صفاته.
فهذا ابن حجر العسقلاني ـ رحمه الله ـ على جلالة قدره في العلم ، و إمامته في الحديث قد تأثر ببعض هذه القواعد المنطقية الفلسفية، و التي هي محض التعطيل لصفات الباري، تقطع الطريق و الصلة بين المؤمن و خالقه،و إن دل هذا على شيء فإنه يدل على أن الإمامة في الحديث غير الإمامة في السنة، كما قال عبد الرحمان بن مهدي ـ رحمه الله .
نقل ابن حجر في ( الفتح){13/164} كتاب الإيمان عن بعض المحققين، ولم يسمه[1]،مقرا له أنه قال:
(( الحقائق الإلهية لا تعرف إلا بطريق السلب كما في العلم لا يدرك منه إلا أنه ليس بجاهل)).
وهذه القاعدة التي أقر بصلاحيتها و صحتها ابن حجر موغلة في الباطل، إذ هي من قواعد المناطقة الفلاسفة التي استهوت المعتزلة، ومن بعدهم المتكلمين، والتي بموجبها نفوا الصفات و الأسماء، وعارضوا بها طريقة القرآن و السنة في الإثبات المفصل و النفي المجمل[2]،فقلبوا المسألة، و قالوا بالنفي المفصل و الإثبات المجمل، و اعتبروا إثبات الصفات و الأسماء من ضرب الوهم و الخيال،أشير في هذه العجالة إلى بعض أوجه بطلانها فأقول:

القاعدة في السلوب:

1 ـ من المعلوم في فطرة بني آدم وطرقهم في التفكير و الخطاب أن السلب عندهم لا يتضمن العلم بالأشياء،إذ الموجودات تنقسم إلى واجب الوجود وممكن الوجود ،والمعدوم ليس بموجود،فلا يمكن أن نعرف الموجود إلا بطريق الإثبات.
ولذلك لا يعتبر بنو آدم نفيهم العلم بوجود شيء ما علما بوجوده،فعندما يقول الواحد منهم بعدما يسأل :لم أره،لم ألقه،لست أدري أين هو.
لا يعنون علمهم بوجود المسئول عنه،ولهذا يقدم علماء الأصول قول المثبت على قول النافي ما لم يتضمن قول النافي دليل نفيه،ذلك أن النفي دليل على عدم العلم ،بينما الإثبات دليل على العلم، ولهذا وجب التفريق بين العلم بالعدم و عدم العلم.
فعندما يُسأل المحدث عن حديث رواه احمد في ( المسند) فيقول :هذا الحديث غير موجود في (المسند).
فإن كان قد حكم بهذا الحكم السلبي بعد استقراء و مطالعة لمسند أحمد كله كان حكمه علما،و أما إن قال بحسب ظنه، فحكمه هذا لا يدل على العلم، بل يدل على جهله بوجود هذا الحديث في مسند أحمد.
ففي الحالة الأولى هو عالم بعدم هذا الحديث، وفي الحالة الثانية ليس عنده إلا عدم علم.
ومن نفى صفات الباري بناء على تصور فلسفي يزعم أن العلة الأولى لا يجب أن تكون إلا بسيطة ،لا تتصف بأي صفة من صفات المحسوسات،لأن اتصافها بالصفات يعني التعدد فيها والكثرة، كان في عقل هذا المخبول تنوع صفات الباري يستلزم حربا شعواء بين هذه الصفات،و كأن كل صفة إله مستقل بذاته!
يكون نفيه دليلا على جهله، لا على علمه، فإن القرآن أثبت هذه الصفات إثباتا مفصلا، ومن نفاها لم ينفها بعلم معتبر مصدره القرآن و السنة، بل مصدره عقيدة الإغريق الذين لم يعرفوا نور النبوة.
فعندما يثبت كل من له كتاب منزل الصفات، ولا يصدر النفي إلا عن الصابئة المتفلسفة نعلم من أين أخذ المتكلمون النفاة عقيدتهم في الصفات و الأسماء.
أكثر السلوب[3] صفات للمعدوم:
لقد علمنا أن المعدوم هو الذي تتكثر صفاته السلبية،و المتكلمون حينما ينفون صفات الله و أسمائه، وينفون رؤيته يوم القيامة،إنما يصفونه بالصفات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم،فيماثلونه بالمعدومات.

لماذا السلوب تماثل الله تعالى بالعدم؟

من المعلوم أن لكل موجود ماهية تخصه،وهذه الماهية هي مجموعة صفاته التي يتحدد بها وجوده في الحقيقة و يتميز بها عن غيره.
و إذا كان الأمر كذلك فإن افتراض موجود لا صفة ثبوتية له،وليس في صفاته معنيان متغايران في المفهوم،وهو لا في هذا العالم، ولا هو صفة من صفاته، ولا هو داخل فيه، ولا خارج عنه، ولا متصل به،ولا منفصل عنه،ولا مجانب له، ولا مباين له، ولا هو فوقه، ولا تحته ،ولا عن يمينه، ولا عن يسرته، ولا يرى، و لا يشار إليه،ولا هو متحرك، ولا ساكن، فلا يوصف بغير السلوب و الإضافات العدمية، ولا يوصف بشيء من الأمور الثبوتية هو بامتناع وجوده أحق و أولى منه بإمكان الوجود،فضلا عن أن يكون واجب الوجود!
و تكليف القلب بالإيمان بوجوده، و العقل بالاعتراف بوجود هذه الذات من قبيل تكليفه الجمع بين المتناقضات.
ذلك أن الموصوف بهذه السلوب مع نفي عنه الصفات الثبوتية لا يكون إلا ممتنعا،والامتناع ينافي الوجود فضلا عن وجوبه.
و الذين وصفوا الله تعالى بهذه السلوب وصفوه بما لا يتصف به إلا ممتنع الوجود،ومن وصف ما يجب وجوده بصفات ما يمتنع وجوده، فقد جعله دون المعدوم الممكن الوجود.
ومعلوم أن الجمادات خير من المسلوب عنه هذه الصفات،فضلا عن الذوات الحية العاقلة ،فقد جعلوا الله سبحانه و تعالى دون الإنسان ودون الحيوان البهيم و دون الحجر و التراب.
فلما فروا من وصفه بما يستلزم الإنكار في عقيدتهم وصفوه بما يستلزم الامتناع في العقل و الفطرة.
فهذه عقول كادها باريها حتى انتهت إلى هذا الاعتقاد الضال الباطل الذي يعلم بطلانه من نفسه، لما تطاولت على القرآن وجعلته وراءها ظهريا ،فاعتبرته ظواهر كفرية، و اعتقدت الحسن في عقول الإغريق.
السلب الصحيح يتضمن الإثبات:
إن إثبات أقصى درجات الكمال الممكن لله عز وجل يعني أنه لا يوصف بصفة سلب إن لم تتضمن معنى ثبوتيا،فكل صفة سلبية لا تتضمن ثبوتا فلا يوصف بها إلا المعدوم.
وكل صفة تصلح للمعدوم المحض فإنها لا تصلح أن يوصف بها الله تعالى، لأنها حينئذ صفة لا مدح فيها بحال،إذ المعدوم المحض لا يمدحه عاقل،وما لا يكون فيه مدح، فإن الله لا يوصف به،فله الأسماء الحسنى و المثل الأعلى.
ومعلوم أيضا أن السلوب لا نهاية لها ،ومهما كثرت لم يزداد الموصوف بها تميّزا،فعندما يقولون : إن الله واحد ليس كمثله شيء، و ليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، ولا بذي لون، ولا طعم ولا رائحة، ولا مجسة،ولا بذي حرارة، ولا برودة، ولا رطوبة ،ولا يبوسة ، ولا طول، ولا عرض، ولا عمق، ولا اجتماع، ولا افتراق، ولا يتحرك، ولا يسكن، ولا يتبعض، و ليس بذي أبعاض و أجزاء، و ليس بذي جهات، لا يمين، ولا شمال، و أمام، و خلف، و فوق، و تحت، ولا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه المماسة، ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف بمساحة، ولا ذهاب في الجهات، و ليس بمحدود، ولا تحيط به الأقدار، ولا تحجبه الأستار، ولا تدركه الحواس، وكل ما يخطر بالبال و تصور بالوهم فغير مشبه له[4]،لا تراه العيون، ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأوهام، ولا يسمع بالأسماع، شيء لا كالأشياء، لزمهم أنه معدوم، إذ هذه صفات العدم.
ومعلوم أننا لو زدنا على هذه السلوب آلاف السلوب الأخرى لما ازداد إلى غموضا، و ازددنا جهلا به، فكل هذه السلوب و آلاف أخرى لا يعرف بها المؤمن ربه، لأنه لم يعرف صفاته التي يحمد بها و يمجد، وهي الصفات الثبوتية التي تعيّن و تميّز وجوده عن غيره.
فالمتكلمون طلبوا معرفته بنفي صفاته و أسمائه فانتهوا إلى الجهل به، و غاية ما أدركوه بهذه السلوب هو وصف المعدوم،لان كثرة السلوب لا توجب أمرا ثبوتيا، فحتى الإبداع عند بعضهم لا يوجب لله تعالى و صفا ثبوتيا، فمهما كثرت الإبداعات منه لم توجب له وصفا ثبوتيا،وهذا في غاية التعطيل،مع أنهم متناقضون في جعلهم الإبداع أمرا عدميا،و أنه إضافة، و الإضافة أمر عدمي.
وهم يفرون من إثبات الصفات نفيا للتعدد، و إذا قالوا تعليلا:كثرة السلوب لا توجب تعدد أمر ثبوتي ، يقال لهم: وكثرة الإضافات كذلك عندكم،فلم تثبتوا له شيئا لا يتصف به العدم.
إذا كان العلم يتعلق بموجود ومعدوم،يثبت الموجود و ينفي المعدوم، لزم أن الإثبات أعم و أغنى من السلب و النفي،و السلب حينئذ ليس إلا أحد طرق الإثبات،ومتى لم يقتض السلب إلا النفي و العدم كان سلبا محضا لا مدح فيه،و الله تعالى إنما نصفه بالسلوب ما كان منها مستلزما للوجود،إذ العدم المحض ليس فيه ثناء و حمد،وصفات الله فيها الثناء و الحمد.
وعليه نقول: السلب في باب الصفات إن لم يتضمن إثباتا لم يكن مدحا وكمالا،فكل تنزيه مدح به الرب ففيه إثبات، كالتسبيح يتضمن تنزيه الله عن العيوب و النقائص و يتضمن تعظيمه،فالسلب تابع للإثبات، و المقصود منه تكميل الإثبات.

الفرق بين الإخبار عن الله بالسلوب و وصفه بها:

لقد بين القرآن أنه يجوز الإخبار عن الله تعالى بالسلوب التي تتضمن ثبوتا كما في قوله تعالى:{ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ }،فإنه يتضمن إثبات كمال حياة الله و قيوميته.
وكذلك قوله تعالى:{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } يتضمن إثبات كمال قدرته،لأن نفي مس اللغوب الذي هو التعب والإعياء يدل على كمال القدرة ونهاية القوة، بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه.
وقوله تعالى:{ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ } يتضمن إثبات كمال علمه و إحاطته بأقل الأشياء وهي الذرة .
وقوله تعالى:{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} يتضمن إثبات كمال صمديته،وغناه عن خلقه.
وكذلك قوله :{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} يتضمن إثبات تفرده بكماله، و أنه لا نظير له،وهذا مطرد في كل سلب ورد في حقه في القرآن أو السنة،لا ينفي شيئا عنه إلا ليثبت ما يحمد به، و يثنى به عليه، و يمجد به من الصفات.
ومن المعلوم لدى كافة المسلمين أن النبي صلى الله عليه و سلم و الصحابة و التابعين و أئمة السلف لم يكونوا يعظمون الله تعالى بشيء من هذه السلوب،بل لم يثبت عنهم إلا طريقة الإثبات المفصل و السلب المجمل.
وقد مجد النبي صلى الله عليه و سلم الله تعالى و عظمه بصفات الإثبات كما في النص الصحيح الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ {تحت رقم4437و 4992} حينما قرأ على المنبر قوله تعالى:{ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}.
و الأدلة في القرآن والسنة دلت على عظم قدرة الرب الذي يقبض الأرض و يطوي السماوات بيمينه، وهذا وصف لأمور وجودية ثبوتية تقتضي عظمة القدرة ،بخلاف السلوب المحضة التي لا تثبت له أمرا وجوديا .
فالإخبار عن الله تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه و صفاته،كالإخبار عنه بالشيء، و القائم بنفسه،فإنه يخبر بها عنه، ولا تدخل في أسمائه الحسنى و صفاته العليا.
و الصفة متى كانت تحمل كمالا و نقصا لم تدخل بإطلاقها في أسمائه، بل لا نطلق عليه منها إلا كمالها، مثل:” المريد، و الفاعل و الصانع”.
فإن هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه، فإن الإرادة و الفعل و الصنع تتضمن كمالا و نقصا،و الله تعالى أطلق على نفسه منها أكملها فعلا و خبرا فقال: { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ }.
وقد جمع ابن القيم ـ رحمه الله ـ قاعدة جليلة وافية في هذا الباب “الأسماء و الصفات” في كتابه (بدائع الفوائد){270/2}فليراجعه من شاء.
وبهذا يتبين أن المسلم لا يعرف الله تعالى بصفات السلب،بل الأصل في معرفة الله صفات الإثبات، و السلب تابع لها، يخدمها و يزيل عنها ظن النقص، وما قد يتوهمه الجاهلون و المشركون، و بالتالي لم يكن السلب طريقا إلى العلم بصفات الله كالإثبات إلا ما كان من صفات السلب مثل نفي الشريك عنه سبحانه و تعالى.
ومسألة الأحكام و القضايا السالبة هل هي منتجة كما هو الطرح في علوم المنطق ، قد خالف فيها المناطقة بعضهم بعضا، فمنهم من ينكر الأحكام السالبة أصلا، ويرد كل حكم سالب إلى حكم موجب.
وبدون الدخول في هذا النزاع يعلم العقلاء أنه لا وجود لتصورات سالبة في الذهن،فعدم وجود غير الموجود لا ينطبع في الذهن، ولا يتصور،لان النفي كما بيناه سابقا إثبات من الدرجة الثانية،فهو يثبت شيئا لإثبات يثبت من جهته شيئا موضوعا،و هذا ما نسميه السلب المتضمن للإثبات،فنحن في الواقع لا ندرك إلا صفات الأشياء لا غياب هذه الصفات.
فإذا قلت: ليست هذه السيارة بيضاء، فإني حينئذ لا أعبر عن مدرك، لان الغياب لا يدرك مفصلا، فأنا في حقيقة الأمر لا أحكم على السيارة بل على الحكم الذي قال عنها: إنها بيضاء، فأنا أحكم على حكم، لا على السيارة.
و السلب فائدته في دخول العنصر التعليمي الخارج عن العقل،لأن النفي ماهيته تعليمية إذ هو يصحح حكما أصدره أو يمكن أن يصدره شخص آخر،و لذلك لم يكن المعتبر منه في باب الصفات إلا السلب المتضمن نفي شيء لإثبات آخر كنفي الشريك عن الله تعالى، هو تصحيح لحكم الجاهلية و الشرك، يتضمن إثبات وحدانيته.
و لو تفحصنا الأحكام السلبية مفهوما وموضوعا لتبينا أن السلب يمثل نصف العقل و نصفه الآخر الإثبات،فأنت تنفي الشريك عن الله لإثبات الوحدانية و التفرد، وهذا لازم في كل سلب أن يتضمن الإثبات،ومن هنا تعرف كيف جعل المتكلمون السلب كل فعل العقل، فكانت معارفهم عدمية لا حقيقة لها.
نعم كل قول سالب أو موجب يتضمن نفي القول المناقض له،فمن يثبت وجود شيء فقد نفى عدم وجوده، و السلب في باب الصفات دوره أن يخدم الإثبات، فإن وصفنا الله بسلوب لا تتضمن الإثبات فلم نصفه بما يجب، و بالتالي لم يتميّز عن باقي الموجودات بصفات نعرفه بها.
فإذا كان مثل الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ قد أخطا في هذا الباب الخطير، وهو من هو في علم الحديث و الأثر، عرفت قدر علم التوحيد، و أنه المحك الذي يقيّم به الناس كل الناس ،و أنه علم خاص لا يقوم به علم الحديث وحده،بل نحتاج إلى معرفة مسالك الكلام و مصطلحاته، و إلا وقعنا في الخطأ و الغلط.
و الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين، و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
www.taibaoui.com

الرد على زعم بطلان تراخي الاستواء عن خلق السماوات والأرض

بسم الله الرحمن الرحيم

 الرد على زعم بطلان تراخي الاستواء عن خلق السماوات والأرض

          الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه .أما بعد: 
         إن من بدع الأشاعرة تأويل صفة الاستواء، وزعمت بأن الاستواء في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} بمعنى الاستيلاء،وقد رد أهل العلم واللغة هذا التأويل الباطل من غير وجه، منها:
          قالوا: قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} فالعرش كان موجوداً قبل خلق السماوات والأرض، أما الاستواء بعد خلق الأرض، فلو كان الاستواء بمعنى الاستيلاء، فلا يمكن أن يكون العرش قد أتت عليه مدة وهو ليس بمستول عليه.
          فقالت بعض الأشاعرة: هذا لا يلزم؛ لأن حرف (ثم) لا تفيد الترتيب والتراخي، بدليل قوله تعالى:{خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا{ وقال: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} وقال: {ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ …} وقال الشاعر:
إن من ساد ثم ساد أبوه ……… ثم ساد قبل ذلك جده
          وقد أجاب علامة النحو وإمام العربية ابن هشام جمال الدين أبو محمد الشافعي ثم الحنبلي، عن الآيات وقول الشاعر بأجوبة فقال:
“والجواب عن الآية الأولى من خمسة أوجه:
          أحدهما: أن العطف على محذوف، أي: من نفس واحدة أنشأها، ثم جعل منها زوجها.
          الثاني: أن العطف على واحدة على تأويلها بالفعل، أي: من نفس توحدت، أي انفردت، ثم جعل منها زوجها.
          الثالث: أن الذرية أخرجت من ظهر آدم – عليه السلام -، كالذر ثم خلقت حواء من قصيراه.
          الرابع: أن خلق حواء من آدم لما لم تجر العادة بمثله، جيء بثمّ إيذاناً بترتبه وتراخيه في الإعجاب وظهور القدرة، لا لترتيب الزمان وتراخيه.
          الخامس: أنّ (ثم) لترتيب الأخبار، لا لترتيب الحكم، وأنه يقال: بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب، أي: ثم أخبرك أن الذي صنعته أمس أعجب…
          وقد أجيب عن الآية الثانية أيضاً بأنّ (سواه) عطف على الجملة الأولى، لا الثانية.
          وأجاب ابن عصفور على البيت بأن المراد أن الجد أتاه السؤدد من قبل الأب، والأب من قبل الابن…” اهـ.
[انظر: مغني اللبيب (1/117-118]

قلت: قد نسب البغدادي في خزانة الأدب (11/37) بيت الشعر لأبي نواس الحسن وقال: “وهذا البيت من شعر مولد لا يوثق به، وأوله مغير، وهو أول أبيات سبعة لأبي نواس الحسن بن هانئ مدح بها العباس بن عبيد الله بن أبي جعفر”.
          وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بقلم : أحمد الرئيسي

أهم سمات المذهب الأشعري – الصفات الفعلية وحلول الحوادث

أهم سمات المذهب الأشعري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله الطاهرين وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين…. وبعد:
          إن من أهم سمات المذهب الأشعري إجماع متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم على مسألة الصفات الفعلية والتي يسميها الأشاعرة مسألة حلول الحوادث، وذلك بخلاف الصفات الخبرية فإن الخلاف قائم بين المتقدمين والمتأخرين.
          تعتقد الأشاعرة بأن أفعال الله عبارة عن تعليقات القدرة بالمقدورات، دون قيام فعل بذاته تعالى.
          فأثبتوا للقدرة تعليقين:
          الأول: تعلق صلوحي قديم؛ وهو صلاحيتها في الأزل لإيجاد كل ممكن فيما لا يزال أي حين وجوده.
          الثاني: تعلق تنجيزي حادث؛ وهو إبرازها بالفعل للممكنات التي أراد الله وجودها؟ 
             تعلقها في الأزل أعم؛ لأنها صالحة في الأزل لإيجاد ممكن على أي صفة كانت، بخلاف تعلقها التنجيزي فإنه تعلقها بالممكن الذي أراد الله وجوده على أي صفة كانت.
[انظر: حاشية الدسوقي على شرح أم البراهين (ص98)، وحاشية إبراهيم البيجوري على متن السنوسية (ص19).]
          قد قابلت الماتريدية هذا الرأي وقالت برجوع جميع صفات الأفعال إلى صفة التكوين القديمة عندهم، ومغايرة لصفة القدرة، وهذا ما ذهب إليه الغزالي.
[انظر: تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي (1/339)]
          ووجه الخلاف بين الأشاعرة والماتريدية، إن الأشاعرة تعتقد بحدوث صفات الفعل ـ مع إنكارهم بحلول الحوادث بذات الله ـ، أما الماتريدية فإنها تعتقد بقدم جميع الصفات.
          فزعمت الأشاعرة بأن الاعتقاد قدم الصفات يفضي إلى القول بتسلسل الحوادث وهو ممنوع، ولم تلتزم الماتريدية بهذا الإلزام فرأت بأن القول بقدم الصفات لا يؤدي إلى القول بتسلسل الحوادث لأن التكوين غير المكون.
          في حين تعتقد أهل السنة والجماعة من أتباع السلف الصالح بأن تسلسل الحوادث ممكن في الماضي والمستقبل؛ فإن الله لم يزل حياً، والفعل من لوازم الحياة، فلم يزل فاعلاً لما يريد، والفعل غير المفعول، وصفات الفعل قائمة بالله متعلقة بمشيئته، والمفعول منفصل عن الله تعالى.
          وأصل هذا الخلاف ومنشأة: الفعل هل هو المفعول أو غيره؟ وهذه المسألة مرتبطة بمسألة حلول الحوادث.
          فالذين ينفون حلول الحوادث زعموا بأن الفعل هو المفعول؛ ومعنى ذلك: أن الفعل لا يقوم بالله تعالى، فعل سبيل المثال: يفسرون أفعاله المتعدية كقوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} أن ذلك وجد بقدرته من غير أن يكون منه فعل قام بذاته، فحاله قبل أن يخلق وبعد ما خلق سواء، لم يتجدد عندهم إلا إضافة نسبة وهي أمر عدمي لا وجودي، كما يقولون في كلامه واستواءه. وهذا قول الأشاعرة.
[انظر: مجموع الفتاوى (5/378)وما بعدها]
          والمقدمة التي بنت عليها الأشاعرة مذهبهم أنه لو كان الفعل غير المفعول: لكان إما قديماً أو حادثاً: فإن كان قديماً لزم قدم المفعول، وهو محال، وإن كان حادثاً لزم أن تقوم به الحوادث، وثم ذلك الحادث يفتقر إلى حادث آخر ويلزم التسلسل وهذا باطل.
          قلنا: لو سلمنا جدلاً بأن الفعل يفتقر إلى فعل قبله، فذاك غير ممتنع، وليس هذا تسلسلاً في الفاعلين والعلل الفاعلة، بل هو تسلسل في الآثار، وهو حصول الشيء بعد شيء، ودليله قوله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} فكلمات الله لا نهاية لها، وهذا تسلسل جائز كالتسلسل في المستقبل؛ لأن نعيم الجنة لا ينفذ، فإذا كان هذا التسلسل جائز في المستقبل فما الذي يمنع أن يكون في الماضي.
[للمزيد انظر: مجموع الفتاوى (6/231-232)، ومنهاج السنة (2/306-307)]
          فإن مذهب الأشاعرة في الأفعال التي هي المفعولات المنفصلة باطل، وقد فتحت على نفسها باباً تسلط من خلاله الفلاسفة القائلين بقدم العالم، فقالت لهم: إن الفعل لو كان صفة كمال لزم عدم الكمال في الأزل، وإن كان صفة نقص لزم اتصافه بالنقائص. فلم تجد الأشاعرة من هذا الإلزام مفراً إلا أن تقر بأنه ليس صفة نقص ولا كمال.
[انظر: مجموع الفتاوى (6/241)]
          وكما تسلط المعتزلة على الأشاعرة وضعضعوا حجتهم، وألزمت الأشاعرة أن يجعلوا الله موصوفاً بمفعولاته القائمة بغيره، حتى قالوا: من فعل الظلم فهو ظالم، ونحو ذلك، فعجزت الأشاعرة عن مناظرتهم في هذا المقام، في مسألة القرآن ومسائل القدر بكونهم سلموا لهم بأن الرب لا تقوم به صفة فعليه، فلا يقوم به، لزمهم أن يقولوا: هو موصوف بمفعولاته، فلا يجب أن يكون القرآن قائماً به، ويكون مسمى بأسماء القبائح التي خلقها.
[انظر: التسعينية (2/487)وما بعدها]
          وهذا باطل بل أن الموصوف بهذه الأسماء من قامت به هذه الأفعال لا من جعلها فعلاً لغيره أو قائمة بغيره.
          وليتدبر السالك لطريق أهل السنة والجماعة من أتباع السلف الصالح ما وقعت فيه الأشاعرة في أصولهم من اضطراب، وليحمد الله على الهداية، وليقل: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا للإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.
          وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
بقلم : أبو إبراهيم أحمد الرئيسي البلوشي الحنفي

التجسيم عند ائمة فرقة الاحباش الصوفية الاشعرية القبورية

 التجسيم عند ائمة فرقة الاحباش الصوفية الاشعرية القبورية
للكاتب : ( أبو نسيبة )

أليس هذا تجسيما عند أحد أكبر ائمة الصوفية المتمشعرة ؟!
والطريقة الرفاعية أدناه هي طريقة فرقة الاحباش الجهمية القبورية !!

قال الشيخ سليم الهلالي :
1- جعل روح الرفاعي مركبة من خلاصة أرواح الأنبياء، بل ومن نور وجه الله -عز وجل-!!
زعم أبو الهدى الصيادي أن الرفاعي قال: «وحق العزيز-سبحانه وتعالى-؛ قبض العزيز -جل جلاله- من نور وجهه قبضة؛ فخلق منها سيدنا المصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فرشحت، فخلقني منها» المصدر: «قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر» (ص133). نقلا عن مقال بعنوان الطريقة الرفاعية بقلم » الشيخ سليم بن عيد الهلالي.

تعليق :
1- هل سيقولون النور هنا شئ معنوي مثل الهداية ؟! فالخلق كما في السياق لم يكن من المعاني ولا نعرف أن الخلق يكون من المعاني أصلا ! ولا المعاني يؤخذ منها (قبضة) !

وعلى فرض أنه هداية
2- ماذا عن إثبات صفة الوجه؟ هل سيزعمون أنها صفة معنوية ؟! وهل للصفة “المعنوية” نور !!!
3- وماذا عن القبضة !! أليست القبضة باليد !! (بالمناسبة لم أبحث في كتب اللغة)
4- وأليس النور ملازم للذات وبالتالي يحدها !
5- لم نتعرض لعقيدة الحقيقة المحمدية عند الصوفية هنا فهذا شئ آخر !
لكن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم عندهم من نور وإيمانهم بالحقيقة المحمدية فيه شاهد بل دليل على أن النور ليس معنويا بل نورا إلهيا غير مخلوق !
فالحقيقة المحمدية هي الانسان الكامل وهو أن “هذا الموجود الأول فاض عن الله تعالى كما يفيض نور الشمس عن الشمس، لم يخلقه بل صدر عنه، فهو نور من نور” انظر الإنسان الكامل، عبدالرحمن بدوي، الموسوعة الفلسفية 1/136، بنية العقل العربي، الجابري ص378 . نقلا عن المــولد النبـوي، ما وراءه؟! .. (2) / أبو سارة
وكون الانسان الكامل هو الموجود الأول يعني أن (النور غير مخلوق) !!
6- ولماذا أضيف النور الى وجهه الكريم عز وجل  إن كانت إضافة تشريف أو ملكية؟ فكل المضافات التشريفية والملكية مضافة الى الله تعالى لا إلى وجهه الكريم. مثلا : بيت الله ناقة الله ملك الله نبي الله أرض الله الخ.
ما رأيكم بورك فيكم

عبد الله بن بية صوفي قبوري جهمي

بسم الله الرحمن الرحيم

قال في مقال نشره بعنوان:  التأصيل الشرعي للتصوف|| 

“أود أن أشكر معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور أحمد التوفيق, لدعوتكم لهذا المؤتمر الكبير الذي ينعقد تحت رعاية أمير المؤمنين نصره الله. “
الى أن قال :
“…  المأخذ الخامس: مسألة التوسل والتبرك وهي مسألة كتب فيها الكثير وكادت أن تصل إلى حد التكفير على الرغم من حديث الأعمى، وهو حديث كما يقول الحاكم صحيح على شرط الشيخين، وأقر الشيخ تقي الدين ابن تيمية بصحته، إلا أنه تأوله وهذا الحديث أصل ولم ينقل عن أحد من الأئمة إنكاره وصح عن الإمام أحمد نصا التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال المرداوي ولو لم يكن له أصل لكفاه أنه لا يوجد نص واحد بخلافه إلا عمومات لا تنهض دليلا. المأخذ السادس: مسألة الاستغاثة وهذ هي الطامة الكبرى والكارثة الجلى، فهي من نواقض الإسلام عندهم، حتى ولو كانت برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد بنوا عليها قاعدة الاستغاثة بغيره تعالى في ما لايقدر عليه إلا الله جل وعلا فجعلوا الاستغاثة بالأصنام كالاستغاثة بسيد الأنام؛مرددين {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة- الآية} إلى غير ذلك من الآيات التي استشهد بها في غير محلها واستدل بها في غير مدلولها، متناسين حديث صحيح مسلم في ترحُّمه على عامر بن الأكوع، وقول عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: هلا أمتعتنا به يطلب منه أن يطيل عمره”. وهنا لطيفة يغفل عنها كثير من الناس, وهي أن مستويات الإسناد مختلفة فالفعل قد ينسد إلى الله عز وجل باعتبار ويسند إلى غيره من المخلوقات باعتبار آخر. كما في قوله تعالى ” الله يتوفى الأنفس” وقوله ” قل يتوفكم ملك الموت” فأسند التوفي لله عز وجل تارة وأسنده لملك الموت تارة أخرى. ونظائر هذا في القرآن والسنة كثير. وحديث مالك الدار الذي فيه استغاثة رجل به عليه الصلاة والسلام بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى قائلا: استسق لأمتك. وذكر ذلك لعمر, وما أنكره ولم ينكره أحد من الصحابة. وهذا الحديث صححه الحافظ ابن حجر والحافظ ابن كثير. وأنكر بعضهم اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على شؤون الناس في دار الدنيا, مع ما يقتضيه قوله عليه الصلاة والسلام ” حياتي خير لكم ومماتي خير لكم” وقد صححه العلماء بما فيهم ابن عبد الهادي مع مذهبه المعروف. وبالجملة فلو لم يوجد دليل لما كان ذلك دليلا على المنع بل قصارى ما يكون أنه دليل على رفع الحرج وأنه غير مطلوب. °°°°° وكل هذه القضايا تدخل فيما يسمى ببدعة الترك ولنا فيها بحث طويل في كتاب ” مشاهد المقاصد”، ذكرنا فيه موقف الشاطبي ومن خالفه. “
 الى أن قال :
” وهنا أوجه دعوة للصوفية والفقهاء لتجديد هذا العلم بإيضاح فضائله، وتفصيل مسائله، ووضعه في صحيح إطاره وإظهار ما ألصق به ” مما ليس داخلا في حقيقته،ولا موافقا لطريقته. وبذلك تحيى القلوب وتشرق الأرواح، وفي ذلك حياة الدين، لأنه إحياء لعلوم الدين كما سماه شيخ التصوف الرياضي أبو حامد ، وأن تعقد ندوات لتجديد التصوف. وهذا التجديد المنشود يبدأ بإزالة الجفوة بين الفقه والتصوف فهما صنوان و”شقيقان في الدلالة على أحكام الله تعالى وحقوقه” على حد عبارة سيدي أحمد زروق في القاعدة 20 من قواعد التصوف. فالتصوف حجة على الصوفي وليس الصوفي حجة على التصوف، وما ذلك بعزيز على همة أخينا أحمد التوفيق وفقه الله لخير الدارين وأفضل النجدين وجمع له بين الحسنيين. “

هذا هو حال الصوفية تدعمه انظمة الحكم والدول الغربية الصليبية

للفائدة :
هل يجوز التوسل بالشيخ الصوفي القبوري عبد الله بن بية قبل موته (تدعونه من كل مكان وفي كل زمان)
الصوفي عبد الله بن بية (بوابة الرد على الصوفية)

توضع لاحقا

منهج اثبات حدوث العالم وأدلته عند المعتزلة والاشاعرة

بسم الله الرحمن الرحيم

منهج اثبات حدوث العالم وأدلته عند المعتزلة والاشاعرة

حمل pdf

مستل من رسالة علمية قيمة ، تقع في أربعة مجلدات ، للأخ / منيف بن عايش العتيبي – حفظه الله – ، من جامعة أم القرى – كلية الدعوة وأصول الدين – قسم العقيدة – دكتوراة .

– الباب الثاني: منهج إثبات حدوث العالم؛ وأدلته………………….. 374-472
– الفصل الأول: منهج إثبات حدوث العالم………………………. 375-422
– المبحث الأول: منهج المعتزلة في إثبات حدوث العالم……………….. 376-380
– تعريف الجوهر الفرد (الجزء الذي لا يتجزأ أو الذَّرَّة) عند أبي الهذيل العلاف…………………… 377-378
– المبحث الثاني: منهج الأشاعرة في إثبات حدوث العالم……………… 381-395
– تعريف بعض المصطلحات الكلامية؛ مثل: العالم، القديم، المحدث، الجسم، الجوهر، الجوهر الفرد، العرض………………………………….. 384-387
– نظرية الجوهر الفرد (أو الجزء الذي لا يتجزأ) عند الأشاعرة………… 387-389
– دليل الحدوث (الجواهر، والأعراض) ……………………………. 390-395
– المبحث الثالث: جوانب التأثير في منهج إثبات حدوث العالم………… 396-404
– المبحث الرابع: النقد………………………………….. … 405-422
– نقد الجانب الأول: نظرية الجوهر الفرد؛ ودليل الجواهر والأعراض……. 405-414
– أولاً: نقد نظرية الجوهر الفرد………………………………….. 406-410
أ – الشكوك والشبه والإلزامات حول الجوهر الفرد………………….. 406-410
ب – نقد بعض المسائل التي ترتبت على هذا المنهج………………….. 410-414
– ثانياً: نقد الجانب الثاني؛ وهو: المقدمات التي قام عليها دليل الحدوث….. 415-422
– نقد المقدمة الأولى: القائلة بإثبات الأعراض……………………… 415-416
– نقد المقدمة الثانية: القائلة بأن الأعراض حادثة……………………. 416-417
– نقد المقدمة الثالثة: القائلة بأن الجواهر لا تخلو من الأعراض………….. 417
– نقد المقدمة الرابعة: القائلة: إن ما لا يخلو عن الحوادث – حادث…….. 417-419
– نقد المقدمة الخامسة: القائلة باستحالة حوادث لا أول لها…………… 419-422
– الفصل الثاني: أدلة حدوث العالم………………………………. 423-472
– المبحث الأول: أدلة حدوث العالم عند المعتزلة……………………. 424-427
– دليل الحدوث…………………………………….. ………. 424
– الطريقة الأولى: الاستدلال بالأعراض على وجود الله –تعالى-……….. 424
– الطريقة الثانية: الاستدلال بالأجسام على وجود الله –تعالى-………… 425-527
– المبحث الثاني: أدلة حدوث العالم عند الأشاعرة………………….. 428-438
– المطلب الأول: دليل الحدوث (الجواهر والأعراض) ……………….. 429-434
– تمهيد……………………………………… ……………… 430
– دليل الحدوث…………………………………….. ……….. 431-434
– المطلب الثاني: دليل الجواز…………………………………….. 435-438
– المبحث الثالث: جوانب التأثير في الأدلة على حدوث العالم…………. 439-443
الجزء الثاني
– المبحث الرابع: نقد أدلة المعتزلة والأشاعرة على حدوث العالم……….. 444-472
– المطلب الأول: نقد دليل الحدوث……………………………… 445-463
– فساد زعم المتكلمين أن هذه الطريقة (دليل الحدوث) هي طريقة نبي الله إبراهيم – عليه السلام – في الاستدلال على وجود الخالق من ستة أوجه…. 457-462

بيان تهافت السبكي في نقده قصة الهمذاني مع الجويني في علو الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا رد مسودة تحت التطوير
أرجو أن اجد لها وقتا فالرد عليها مضيعة للاوقات لولا بعض الجهلة الذين ينقلون دفاع السبكي المتعصب  بالصياح والمصادرة
والنقل منقول عن احد الشعبوريين
من طبقات الشافعية للتاج السبكي (( ومن كلامه ـ أي الذهبي ـ أيضا أخبرنا يحيى بن أبي منصور الفقيه وغيره من كتابهم عن الحافظ عبد القادر الرهاوي عن أبي العلاء الحافظ الهمذاني أخبره قال أخبرني أبو جعفر الهمذاني الحافظ قال سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله تعالى الرحمن على العرش استوى فقال كان الله ولا عرش وجعل يتخبط في الكلام

فقلت قد علمنا ما أشرت إليه فهل عند الضرورات من حيلة فقال ما تريد بهذا القول وما تعني بهذه الإشارة قلت ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوقية فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة فبينها نتخلص من الفوق والتحت وبكيت وبكى الخلق فضرب بيده على السرير وصاح بالحيرة وخرق ما كان عليه وصارت قيامة في المسجد فنزل ولا يجبني إلا بتأفيف الدهشة والحيرة وسمعت بعد هذا أصحابه يقولون سمعناه يقول حيرني الهمذاني انتهى

قلت قد تكلف لهذه الحكاية وأسندها بإجازة على إجازة مع ما في إسنادها ممن لا يخفى محاطة على الأشعري وعدم معرفته بعلم الكلام

ثم أقول يا لله ويا للمسلمين أيقال عن الإمام إنه يتخبط عند سؤال سأله إياه هذا المحدث وهو أستاذ المناظرين وعلم المتكلمين أو كان الإمام عاجزا عن أن يقول له كذبت يا ملعون فإن العارف لا يحدث نفسه بفوقية الجسمية ولا يحدد ذلك إلا جاهل يعتقد الجهة بل نقول لا يقول عارف يا رباه إلا وقد غابت عنه الجهات ولو كانت جهة فوق مطلوبة لما منع المصلي من النظر إليها وشدد عليه في الوعيد عليها
وأما قوله صاح بالحيرة وكان يقول حيرني الهمذاني فكذب ممن لا يستحيي وليت شعري أي شبهة أوردها وأي دليل اعترضه حتى يقول حيرني الهمذاني ثم أقول إن كان الإمام متحيرا لا يدري ما يعتقد فواها على أئمة المسلمين من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة إلى اليوم فإن الأرض لم تخرج من لدن عهده أعرف منه بالله ولا أعرف منه فيالله ماذا يكون حال الذهبي وأمثاله إذا كان مثل الإمام متحيرا إن هذا لخزي عظيم ثم ليت شعري من أبو جعفر الهمذاني في أئمة النظر والكلام ومن هو من ذوي التحقيق من علماء المسلمين

ثم أعاد الذهبي الحكاية عن محمد بن طاهر عن أبي جعفر وكلاهما لا يقبل نقله وزاد فيها أن الإمام صار يقول يا حبيبي ما ثم إلا الحيرة فإنا لله وإنا إليه راجعون لقد ابتلى المسلمون من هؤلاء الجهلة بمصيبة لا عزاء بها ثم ذكر أن أبا عبد الله الحسن بن العباس الرستمي قال حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال دخلنا على أبي المعالي في مرضه فقال اشهدوا علي أني رجعت عن كل مقالة يخالف فيها السلف وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور انتهى

وهذه الحكاية ليس فيها شيء مستنكر إلا ما يوهم أنه كان على خلاف السلف ونقل في العبارة زيادة على عبارة الإمام

ثم أقول للأشاعرة قولان مشهوران في إثبات الصفات هل تمر على ظاهرها مع اعتقاد التنزيه أو تؤول والقول بالإمرار مع اعتقاد التنزيه هو المعزو إلى السلف وهو اختيار الإمام في الرسالة النظامية وفي مواضع من كلامه فرجوعه معناه الرجوع عن التأويل إلى التفويض ولا إنكار في هذا ولا في مقابلة فإنها مسألة اجتهادية أعني مسألة التأويل أو التفويض مع اعتقاد التنزيه إنما المصيبة الكبرى والداهية الدهياء الإمرار على الظاهر والاعتقاد أنه المراد وأنه لا يستحيل على الباري فلذلك قول المجسمة عباد الوثن الذين في قلوبهم زيغ يحملهم الزيغ على اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة عليهم لعائن الله تترى واحدة بعد أخرى ما أجراهم على الكذب وأقل فهمهم للحقائق))

فمما سبق ينتج لنا أن ليس ثمت توبة من عقيدة زائغة متوهمة وإنما هو رجوع من قول إلى قول وكلاهما لأهل السنة

كما يترك أحدنا قولا في مسألة لإمام ويصير إلى قول إمام آخر وكلاهما من أهل السنة ولا نجد غضاضة في مثل ذلك

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

يلزم الاشاعرة أن القرآن ظني الثبوت بمقاييس الفلاسفة !

بسم الله
يلزم الاشاعرة أن القرآن ظني الثبوت بمقاييس الفلاسفة !
بعد حوالي مرور شهرين على قراءة بعض الصفحات من كتاب مقدمة في الفلسفة  للكاتب نايجل
والذي فيه ردود الفلاسفة على اثبات الخالق
فاذا كان الخالق ليس قطعي الثبوت فما بالك بالقرآن !!!
والفلاسفة محسوبون عند الاشاعرة من اهل العقل فقد اخذوا منهم
فاذا أنكر الفلاسفة هذا وهم عندهم اهل العقل بطل قولهم ان هذه الادلة قطعية
والاشاعرة لو ان اثبات نصوص القرآن ليس فيها كفر لجعلوها ظنية !
وحتى لو كان الخالق قطعي الثبوت بمقاييس الفلاسفة فمقاييسهم لا تجعل نصوص القرآن قطعية الثبوت
كيف وقد انكر الفلاسفة دليل الصانع !
هذه خاطرة تنشر بدون نظر للانشغال بما هو اهم الان على الارض
أبو نسيبة

خرافة لا داخل العالم ولا خارجه وهو جواب على رسالة (حسن المحاججة) بقلم وضاح الحمادي

خرافة لا داخل العالم ولا خارجه
وهو جواب على رسالة (حسن المحاججة)
بقلم
وضاح الحمادي
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.. فهذه كلماتٌ قليلاتٌ توضح الحق في هذه المسألة، التي هي من مسائل الاعتقاد، والتي يورد عليها أهل البدعة بعض السؤالات والاستشكالات، ظانين جهلاً منهم أن ما يوردونه كافٍ لزعزعة عقائد أهل الحق. ولم يكن قصدنا تفصيل المقام، بل توضيح جملةٍ كافيةٍ لبيان معاني كلمات أهل السنة والجماعة وبعض أدلتها، ودفع تلبيسات المبتدعة من المشبهة والمجسمة. ندعو الله تعالى أن ينفع بها.. 

الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه

أقول: ابتدأ الكلام بمسألة الدخول، ثم ثنى بالخروج، فجاريناه عليه، لا أننا نقول بالدخول والخروج بحسب المفاهيم التي ذكرها فودة، بل على أن فودة وغيره من الجهمية لا يقدرون على إقامة الدليل على نفي الدخول والخروج وفقاً لأصوله، فليس في كلام أهل السنة أن الله داخل العالم أصلاً لنقول به، ولكنا ناقضناه لبيان ضعف أدلته كما تفعل الأشاعرة مع المعتزلة حين يقولون، لا يمكن إثبات حدوث العالم ووجود الله جل وعلا على أصول المعتزلة، لا أن الأشاعرة ينكرون حدوث العالم ووجود الله، بل يريدون بيان خطأ الأصول التي بنى عليها ا لمعتزلة مذهبهم. فنقول:قال فودة : “قد يحتج بالكتاب على ذلك فيقال: قوله تعالى: (ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير) حجَّةٌ على عدم كونه خارج العالم، وعلى عدم كونه تعالى داخل العالم.وهذا استدلال جيِّد. 
وبيان وجه الاستدلال أن يقال –كما ذكره ابن مرزوق عن العلامة أبي عبد الله بن الجلال-: (لو كان في العالم أو خارجاً عنه لكان مماثلاً، وبيانُ المماثلة واضح، أما في الأول: فلأنه إن كان في العالم صار من جنسه، فيجب له ما وجب له). 
قلتُ: أي صار من قبيل الأجسام ومادة العالم؛ لأنه إن كان داخل العالم فيكون جزءاً منه، وما كان جزءاً من شيء كان مماثلاً له في الجنس، فالورقُ مثلاً ليس من جنس الحديد إلا باعتبار أن كليهما أجسام ومواد، ولذا لا يمكن أن يكون الورق جزءاً من الحديد، وكذا الطير ليس جزءاً من الأحجار لاختلاف الجنس، إلا باعتبار أن كليهما أجسام. 
أقول: يكفي في إبطال ما ذكر عدم التسليم، فلا نسلم أن ما كان في الشيء كان من جنسه كما قاله الجلال، ولا أنه جزء منه كما قاله فودة، بمعنى أنه يتركب منه ومن باقي الأجزاء جملة العالم. 
أما المثال الذي ضربه فودة فهو دليل على ضعفه في العلم، فإنه لا يتضح به إن أراد نفي مماثلة الورق للحديد لأنه ليس فيه، أو إثبات مماثلة الورق للحديد لكونهما في العالم، وكذا الطير والحجر. 
على أن وجود الورق في الحديد والطير في الحجر ممكن، إما بالصناعة أو بالمعجز. 
فإن قال: على فرض حصول ذلك بالصناعة أو المعجز لا يفيد، لأن الورق لا يصير من جنس الحديد ولا الطير من جنس الحجر على الفرض المذكور، وإنما يكون كذلك إن كان من طبيعة المحوي أن يكون في الحاوي بحسب تعبير الفلاسفة ومن وافقهم، أو إذا كانت العادة جارية بكون المحوي حاصلاً في الحاوي، بحسب تعبير الأشعرية.
قلنا: فهذا دليل بطلان قولكم: (إن كان في العالم صار من جنسه) فإذا جاز إيجاد الورق في الحديد والطير في الحجر من غير أن يصير الداخل من جنس الحاوي له، فكذلك في الباري على فرضكم، وبخاصة على قول الأشعرية لجواز حصول المحوي في الحاوي مع عدم كونه من جنسه، ولا محذور سوى كسر العادة، وهو ممكن.
وعلى فرض تسليمه: ما مرادكم بصيروته من جنسه؟ 
إن قلتم: صار يشبهه.
قلنا : من كل وجه أو من وجه دون وجه؟ 
إن قلتم : من كل وجه.
أبطلناه عليكم بما ذكرتم من المثال، فإن الورق والحديد والطير والحجر كلها في العالم، وهي وباقي أجزاء العالم ليست متشابهة من كل وجه. 
وإن قلتم : من وجه دون وجه. 
قلنا : فتلك الوجوه التي حصل بها المشابهة قد لا تكون هي المقصودة بالآية، فإنه سبحانه أثبت في نفس الآية أنه السميع البصير، وفي خلقه ـ الذين هم من جملة العالم ـ من هو كذلك، وهذا القدر لا ينفي قوله جل وعلا (ليس كمثله شيء). 
وإن قلتم: نريد بصيرورته من جنس العالم أن حقيقة ذاته وحقيقة ذات العالم تصيران من جنس واحد. 
قلنا : لا نسلمه أيضاً، إذ قد يجوز أن يكون وجوده في العالم من جنس وجود الروح في الجسد، مع أن حقيقة الروح غير حقيقة الجسد. 
وإن قلتم : نريد أن حقيقته تكون جسم ومادة كما أن جميع أجزء العالم جسم ومادة.قلنا : لا نسلمه، وما الدليل عليه؟
ثم أنه قد حقق كثير من الأشاعرة أن الروح ليست بجسم، فإما أن تكون من جملة العالم أو لا تكون، فإن كانت من جملة العالم فقد بطل قولكم، وإن لم تكن من جملته فقد بطل قولكم أيضاً. 
بيانه أن النصوص جاءت بأن الروح تصعد وتنزل وتدخل وتخرج، فإن لم يجعلها ذلك من جنس العالم فكذلك الباري جل وعلا على هذا القول.
على أن منهم من يقول في الروح الإنساني أنه جوهر مجرد ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه، لا متصلاً به ولا منفصلاً عنه.فيقال له : قد جاءت النصوص كما قدمنا بأن الروح تدخل البدن وتخرج منه، وأنها تصعد إلى السماء وتعود إلى الأرض، وهذا كله دخول في العالم.فإن قلتم إن الدخول هنا ليس هو من جنس دخول الأجسام والأعراض.
قلنا : فقولوا مثل ذلك في دخول الباري.
على فرض تسليمه.وملخص الرد عليه عدم التسليم، إذ لم يأتوا هنا بسوى الدعوى، والدعوى لا تصلح دليلاً. 
ثم لو سلمناه وقلنا يلزم كونه جسماً ، فإنه لا يدل على المشابهة عند القائل به إلا على القول بتماثل الأجسام، وهي مسألة مبنية على القول بتماثل الجواهر، والخلاف فيها طويل ، ولا دليل مستقيم على أنها متماثلة ، وممن قال باختلافها النجراني صاحب (الكامل) ونقله عن جمع من المعتزلة ، فإن صح هذا فكونه جل وعلا جسماً ـ كما تزعمه الهشامية ومن وافقهم من ضلال المشبهة ـ لا يعني مشابهته للأجسام.فبان لك أنهم لا يقدرون وفقاً لقواعدهم الرد حتى على المصرحين بالتجسيم كالهشامية.
وليس غرضنا ـ كما تقدم ـ إثبات الدخول، بل إثبات أن المتلكمين لا يمكنهم تقرير قاعدتهم هذه بدليل جارٍ على أصلهم.قال ابن الجلال (وأما في الثاني: فلأنه إن كان خارجاً لزم إما اتصاله وإما انفصاله: إما بمسافةٍ متناهية أو غير متناهية، وذلك كله يؤدي لافتقاره إلى مخصص) انتهى كلام العلامة.نقول: هنا جوابان؛ إجمالي وتفصيلي:أما الإجمالي فنقول: إنما يصح ذلك في الأجسام على حد زعمكم، ونحن لا نثبته جسماً فلا يلزمنا ما ذكرتم. 
أما التفصيلي: فمن جهتين أيضاً، والأول مبني على قول الفلاسفة أنه ليس خارج العالم لا خلاء ولا ملاء، فلا يتصور هناك حيز ولا مكان لا عدمي ولا غيره، وإن لم يكن هناك حيز ولا مكان، لم يكن هناك مسافة أصلاً ، فضلاً عن وصفها بالمتناهية وغير المتناهية، فإذا قلنا بذلك بطل هذا الإلزام.أما الوجه الثاني فنقول: أولاً إن كون الشيء الخارج عن غيره إما متصل به أو منفصل عنه بمسافة لا يتأتى إلا إذا أردنا بالخروج الإنفصال بين ذوي السطوح الغير متداخلة خاصة، فمن أين لكم أن الخصم أراد بخروجه عن العالم هذا المقدار؟ فلعله أراد بالخروج المباينة وعدم المخالطة وكون الله جل وعلا غير حال بذاته في خلقه لا بمخالطة ولا بغيرها، كما قال الإمام عبدالله بن المبارك حين سئل : “بماذا نعرف ربّنا ؟ قال : بأنّه فوق سمواته على عرشه ، بائن من خلقه” 
وقد صرح بالمباينة غير واحد من كبار الأئمة كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والدارمي وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيين وغيرهم كثير.
وقال الإمام الأشعري رحمه الله : “وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه” (الرسالة إلى أهل الثغر) ص 232.
فهذا الخروج خروج حقيقي، ولا يقتضي عندكم الإتصال ولا الإنفصال.
سلمنا أنه يقتضي إما الإنفصال أو الإتصال، فكان ماذا؟ 
قول ابن الجلال : (يؤدي لافتقاره إلى مخصص)
نقول : لا نسلمه، فإنكم تقولون إن الله يتصف بالسمع والكلام، وبالضررورة نعرف اختلافهما من غير وجود مخصص؛ فلماذا لا يجوز أن يكون متصلاً أو منفصلاً بمسافة ما أو بغيرها من غير احتياج إلى مخصص؟!
سلمنا الاحتياج إلى مخصص، فلماذا لا يكون ذلك المخصص هو العلم والقدرة والإرادة ؟ 
إن قيل: لأن تعلق العلم والقدرة والإرادة توجب كون المتعلق به حادث والباري ليس بحادث.
قلنا: أما إيجابها كون المتعلق به حادث، فنعم، ولكن الكلام في المسافة المعينة، لا في الباري، فتكون المسافة هي الحادثة.
قال فودة : “قلتُ: الناسُ الذين يقولون إن الله تعالى خارج العالم ويفهمون حقيقة هذا القول، هم مجسمة، سواء اعترفوا بهذا أم لا؛ لأنهم يقولون إن الله تعالى خارج العالم في جهة من العالم، وهي جهة الفوق، ويقولون: إن هذا هو المكان الذي نقول إن الله تعالى فيه!!”
إنظر إلى هذا الكلام ما أسمجه، فإنه ليس من باب العلم لا في قليل ولا كثير، فإنه ادعى دعوى ثم استدل عليها بدعوى أخرى من غير إبراز دليل يصحح به دعواه، كأنما ألقى الشيطان في خلده أن دعاواه المجردة كالقرآن في وجوب الاتباع؟! 
أما دعواه الأولى فقوله : “قلتُ: الناسُ الذين يقولون إن الله تعالى خارج العالم ويفهمون حقيقة هذا القول، هم مجسمة، سواء اعترفوا بهذا أم لا” 
فما هو الدليل على أن من قال : إن الله خارج العالم مجسم؟ 
لقد علل دعواه الأولى بدعواه الثانية وهي قوله : “لأنهم يقولون إن الله تعالى خارج العالم في جهة من العالم، وهي جهة الفوق، ويقولون: إن هذا هو المكان الذي نقول إن الله تعالى فيه!!” 
هذه الدعوى التي ابتدأها بقوله “لأنهم” مشيراً إلى أنها العلة في دعواه الأولى هي بعينها الدعوى الأولى مع زيادة إيهام الباطل؛ فإن القول بأن الله خارج العالم هو بعينه القول بأنه الله فوق العالم، فصار الدليل على دعواه الأولى هو عين دعواه الأولى بلفظ مختلف.
أما دعواه أن من يقول بأن الله خارج العالم يقول بأن جهة فوق هو المكان الذي يكون الله فيه.
فإن أراد بالمكان شيء وجودي وبقوله “فيه” الظرفية فقد كذب في الأمرين جميعاً، وإلا فليصحح دعواه بالنقل عن خصمه. 
وإن أراد بالمكان الجهة فقط وبقوله “فيه” أي وجود ذات الله جل وعلا متحققة فوق العالم فقط من غير أن يكون محوياً؛ كان حاصل كلامه أن الذين يدعون أن الله خارج العالم فهم مجسمة لأنهم يدعون أن الله فوق العالم ويقولون أنه موجود فوق العالم.وإذا عرفت أنه ليس للعالم سوى جهتين ، خارجه ومركزه ، وأن فوق وخارج بالنسبة للعالم متفقان ، صار حاصل الكلام : “إن الذين يقولون أن الله فوق العالم فهم مجسمة لأنهم يدعون أن الله فوق العالم ويقولون أنه موجود فوق العالم” إنظر إلى هذه المحصلة السخيفة من كلامه التي تنبيك عن مبلغ علم هذا الغر الصغير! هذا مع مافيها من إيهام أن خصمه يثبت مكان وجودي ظرفي، والله جل وعلا فيه مظروف!!ثم هب أن هناك من يقول بأن الله فوق العالم، وأن هناك ثم مكان يحوي الكائن فيه، فما الدليل على أن هذا تجسيم؟ 
إن قال: إن المحوي لا يكون إلا جسماً، لأن معنى كونه محوياً أن له حدوداً كلها حاصلة في الحاوي بحيث يكون ظرفاً للمحوي.
قلنا : هذا منقوض بالجوهر والروح ، فإن الجوهر في العالم محوي به وليس بجسم ولا ذي سطوح. والروح في البدن وفي العالم من باب أولى وليست بجوهر مادي ولا بذي سطوح. 
فإن قال : الروح ليست بداخل البدن ولا خارجه وهكذا هي ليست بداخل العالم ولا خارجه.قلنا : مع ارتكابكم مخالفة النصوص، فقد أبطلتم استدلالكم كما تقدم، فصار الباري تعالى عن قولكم، على كل تقدير مشابهاً للعالم، فإنه إن كان داخل العالم كان من جنسه بزعمكم، وإن كان خارجاً عنه افتقر إلى المخصص، وإن لم يكن لا داخله ولا خارجه صار من جنس الأرواح ؟!
فكيفما قدَّرتم الجواب صرتم مشبهة!
فعلم بذلك أن الوجود في العالم لا يقتضي أن يكون الموجود فيه جسماً. 
إن قلتم: فإنه يقتضي أن يكون إما جسم أو عرض.
قلنا : لا نسلمه، إذ قيام العرض بالجسم عندكم ضروري، إذ لا يخلو العرض قط عن كونه قائما في جسم، وليس كذلك الباري جل وعلا، بل هو مستغنٍ عن العالم قائمٌ بذاته، فإن فرضنا دخوله في العالم، بحسب فرض ابن الجلال وفودة، فإنه دخول المستغني القائم بنفسه، لا دخول المضطر القائم بغيره شأن العرض.
قال فودة : “ويحتجون على هذا بأن يقولوا: إن من يتصف بأنه لا خارج العالم ولا داخل فهو معدوم؛ لأنه لا يتصور وجود شيء لا داخل العالم ولا خارجه.فمن حيث الاحتمالُ العقلي عندهم، إما أن يكون داخل العالم أو يكون خارجه، ويبطل أن يكون داخل العالم، فوجب أن يكون خارجه، وما دام وجبَ كونه خارج العالم فقد وجب كونه في جهةٍ، والجهات متعددة، ويستحيل أن يكون تحت العالم أو يمينه إلى آخره، فوجب أن يكون فوقه؛ لأن هذه الجهة جهة كمال، وهي التي تليق بالله تعالى، فصار معبودهم بعد هذا البيان خارج العالم، وفي جهة الفوق، هذا حاصل كلامهم”
في هذا الكلام دعوى باطلة على خصمه، فإن الخصم لا يقول بأن هناك جهات متعددة بالنسبة إلى العالم ككل، بل ليس هناك سوى خارج ومركز، شأنه شأن الكرة، فليس للكرة جهات ست، ولكن الجاهل قاس العالم على نفسه ومن كان في مثل حاله، فإن الإنسان مثلاً له وجه يقابل به الناس وظهر يستدبر به الناس ويمين وشمال يُحاذي بهما الناس، ورأس ورجلين.
فما كان بقبالة وجهه فهو أمام وما استدبره بظهر فهو خلف، وهكذا باقي الجهات، وليس العالم هكذا، لأنه كري الشكل لا يحتمل إلا جهتين باعتبار سطحه ومركزه فقط. 
ومن جهة أخرى القائل بأن الله جل وعلا خارج العالم وفوق العالم لا يستدلون بهذه القسمة العقلية ابتداءً، بل بنصوص الوحي، كقوله جل وعلا: (الرحمن على العرش استوى) و (ثم استوى على العرش) و(إليه يصعد الكلم الطيب) و(يخافون ربهم من فوقهم) و (أئمنتم من في السماء) و (تعرج الملائكة والروح إليه) وما لا يحصى وليس هذا موضع بسطها. 
ولا خلاف بيننا وبين الجهمية كفودة وأصحابه في دلالتها على العلو والجهة، لذا يلجأ الجهمية إلى التأويل الذي هو صرف اللفظ عن دلالته الظاهرة إلى أخرى غير ظاهرة، فلو لم تدل نصوص الوحي على علو الله جل وعلا وعلى جهة فوق، لم يحتاجوا إلى تأويلها.
ونحن نبقيها على الدلالة الظاهرة لإجماع السلف على حملها على ذلك، فقد اشتهر عنهم رضي الله عنهم (أمروها كما جاءت)، وعليه إن جاءت ظاهرة في العلو والجهة وجب إبقاء دلالتها على ذلك، وإلا لما أمررناها كما جاءت. 
وقال البغوي إمام الشافعية في زمانه رحمه الله عند كلامه على بعض أحاديث الصفات : ” هذه ونظائرها صفات لله تعالى ورد بها السمع يجب الإيمان بها ، وإمرارها على ظاهرها معرضا فيها عن التأويل ، مجتنبا عن التشبيه” (شرح السنة) 1/170 
وقد نقل القرطبي إجماع السلف على إثبات الجهة، فقال : ” وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسلهولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة.
وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته” 
ونقله أيضاً ابن رشد حيث قال في (مناهج الأدلة) صفحة 145 : “أما هذه الصفة ـ أي الجهة ـ فلم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية
أما الاستدلال بالعقل على ذلك فليس في كلامهم، لكن بعضهم اعترض بالعقل على نفاة العلو والجهة بنحو ما ذكره فودة، لا أنهم استدلوا به على إثبات العلو والجهة، لأن العقل عندهم لا مدخل له في إدراك الصفات لكونها من الغيب الذي لا يعرف إلا بالوحي. وهم لا ينكرون دلالات العقول، ولكنهم لا يصفون الله بدلائلها حتى يأتي النص مصدقاً بذلك، لاختلاف العقول أشد الاختلاف، حتى جوزت أن يكون لله صاحبة وولد، وجوزت عبادة الحجر والبقر، فإذا كان العقل قد يقع في مثل هذه السخافات، كان لا بُدَّ له من أمر يعصمه ويرجع إليه، وهو عندنا الكتاب والسنة.أما الدليل العقلي الذي نقله عن خصومه هنا فحاصله أن الدخول والخروج في الشيء الواحد والزمان الواحد هو كالوجود والعدم، فكما لا يجوز أن يكون الشيء موجوداً معدوماً في زمان واحد، فلا يجوز أن يكون داخلاً خارجاً في شيء واحد وزمان واحد؛ فإن لم يكن داخلاً فهو خارج وإن لم يكن خارجاً فهو داخل.
فإذا لم يكن الله تبارك وتعالى داخل العالم فهو خارج العالم بلا شك.
وهذه قضية ضرورية يجدها كل إنسان في نفسه، حتى فودة.
لكن بطر الحق وغمط الناس يفعل أكثر من هذا. 
ويكفي لدفع فودة للإعتراف أو السكوت أن تسأله : هل وجود الله جل وعلا ذهني فقط أو له وجود في الخارج؟
إن قال : وجوده ذهني فقط؛ كفر.وإن قال : له وجود في الخارج.
أثبت لله الخروج الذي ينافح هنا لنفيه.
وحينئذٍ نعترض عليه بما اعترض به ابن الجلال على خصومه فنقول له: لو كان خارجاً عن الذهن فإما أن يكون متصلاً به أو منفصلاً عنه بمسافة، والأول يقتضي كونه من جنس ما في الأذهان، والثاني يؤدي إلى الاحتياج إلى المخصص.
فإن تعلل بأن خروجه من الأذهان ليس من جنس خروج الأجسام عن الأذهان.
قلنا: فهلا قلت في خروج الله جل وعلا عن العالم مثل ذلك.لكن دعنا لا نعترض ونرى بماذا يجيب فودة.

قال فودة : “فنقول وبالله التوفيق: كلامهم هذا متهافت، ويدلُّ على سخف عقولهم، ولا يغترُّ به إلا جاهل، لا يفهم معاني الألفاظ ولا يعقلها.”
لننظر إلى بعض من وصفهم الأنوك بتهافت الكلام وسخف العقول:

قال الإمام المفسر محمود الألوسي : “وأيد القول بالفوقية أيضا بأن الله تعالى لما خلق الخلق لم يخلقهم في ذاته المقدسة تعالى عن ذلك فانه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فتعين أنه خلقهم خارجا عن ذاته، ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم لكان متصفا بضد، ذلك لأن القابل للشيء لا يخلوا منه أو من ضده، وضد الفوقية السفول، وهو مذموم على الاطلاق. والقول بأنا لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها، مدفوع بأنه سبحانه لو لم يكن قابلا للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى سلم بأنه جل شأنه ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم وأنه موجود في الخارج ليس وجوده ذهنيا فقط، بل وجوده خارج الأذهان قطعا، وقد علم كل العقلاء بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو إما داخل العالم وإما خارج عنه وإنكار ذلك إنكار ما هو أجلى البديهيات، فلا يستدل بدليل على ذلك إلا كان العلم بالمباينة أظهر منه وأوضح وإذا كان صفة الفوقية صفة كمال لا نقص فيها ولا يوجب القول بها مخالفة كتاب ولا سنة ولا اجماع كان نفيها عين الباطل لا سيما والطباع مفطورة على قصد جهة العلو عند التضرع إلى الله تعالى” انتهى من (روح المعاني) 7/115.
وحاصل كلامه رحمه الله أن كون الخالق إما داخل العالم أو خارجه معروف ببديهة العقول، وأنه من الضروريات.
فيكون الجهمية كفودة وسلفه منكرين للبديهيات الضروريات.
وهذا الذي نقلناه عن الألوسي قاله الإمام أحمد في (الرد على الجهمية) وكذا نقله الرازي عن الكرامية والحنابلة في كتابه (أساس التقديس).
ولو كان فودة يجري على طريق الإنصاف، لاكتفى بتخطئة هذا الإستدلال دون أن يستخف بالمستدل به.
ويا ليته حين استخف هذا الإستخفاف جاء بما يبطله قطعاً وببادي النظر، ولكن انظر ماذا قال:
قال فودة : “فالله تعالى كان قبل كل شيء، والعالم كله بما فيه مخلوق، والعالم له بداية لم يكن قبلها موجوداً، فقبل أن يخلق الله العالم هل كان في جهةٍ أو كان في مكان ؟! الكل متفق على أن المكان والجهات كلها مخلوقة، ومن قال غير هذا فقد كفر بملة الإسلام، فالله تعالى كان ولم يكن شيء غيره
فنحن في هذا الحال نسأل هؤلاء المجسمة: هل كان لله خارجٌ وداخلٌ ؟
إن قالوا: نعم، كفروا، وأقروا على أنفسهم بأن الله محدودٌ وله جهاتٌ ومكانٌ، وقائل هذا كافرٌ في هذه الحال”
أقول: قوله “ألكل متفق على أن المكان والجهات كلها مخلوقة” خطأ وهي مسألة بسيطة صغيرة في علم الكلام لا يعرفها فودة، فليته حيث جهل سكت.
ذلك أن الجهات أمور نسبية اعتبارية لا تحقق لها في نفسها، والمكان في عرف المتكلمين قد يطلق ويراد به الحيز المشغول أو السطح المماس للمتحيز، ونحو ذلك. فإن أردنا الحيز المشغول فهو غير موجود بل مقدر في الذهن فقط. وإن أراد السطح المماس فهو إما حقيقي كسطح الإناء الداخل المماس لسطح الماء الخارج، أو تقديري كسطح العدم المقدر في الذهن مماساً لسطح العالم الخارج، وهذا الثاني غير مخلوق.
ثم انظر إلى جرأته على تكفير الناس في مسألة لا يحسنها.
فإن قال : أنا إنما أردت بالمكان المعنى اللغوي لا العرف الإصطلاحي، كنحو البيت والمسجد والكرسي والعرش، وأردت بالجهة نفس المشار إليه.
قيل له : هذ يبطل عليك استدلالك، فإن خصمك مع إيمانه بأن المكان والجهة بهذين المعنيين مخلوقين، يقول: إن الله جل وعلا فوق العالم حيث لا مكان مخلوق ولا مشار إليه مخلوق، وإلا كان خارج العالم ليس بخارج العالم.
قال ابن رشد في (مناهج الأدلة) صفحة 145- 146 : “والشبهة التي قادت نُفاة الجهة إلى نفيها، هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان إثبات الجسمية. ونحن نقول هذا كله غير لازم، فإن الجهة غير المكان. وذلك أن الجهة هي إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به، وهي ستة. وبهذا نقول إن للحيوان فوق وأسفل، ويميناً وشمالاً، وأمام وخلف. وإما سطوح جسم أخر محيط بالجسم، ذي الجهات الست. فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلاً. وأما سطوح الأجسام المحيطة به فهي له مكان، مثل سطوح الهواء المحيطة بالإنسان، وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهواء هي أيضاً مكان للهواء، وهكذا الأفلاك بعضها محيط ببعض ومكان له.
وأما سطح الفلك الخارجي، فقد تبرهن أنه ليس خارجه جسم، لأنه لو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون خارج ذلك الجسم جسم آخر ويمر الأمر إلى غير نهاية. فإذاً سطح آخر أجسام العالم ليس مكاناً أصلاً، إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم أصلاً، لأن كل ما هو مكان يمكن أن يوجد فيه جسم. فإذاً: إن قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة، فواجب أن يكون غير جسم. فالذي يمتنع وجوده هنالك هو عكس ما ظنه القوم، وهو موجود هو جسم، لا موجود ليس بجسم” انتهى كلامه.

وما أظن فودة يفهم هذا، فإنه يكتب ويعترض بما يستحي منه صغار الطلبة في علمي الكلام والفلسفة. ولولا أن الأجهل منه موجود، لما كان له أتباع أصلاً.

وقول فودة : ” فنحن في هذا الحال نسأل هؤلاء المجسمة: هل كان لله خارجٌ وداخلٌ ؟
إن قالوا: نعم، كفروا، وأقروا على أنفسهم بأن الله محدودٌ وله جهاتٌ ومكانٌ، وقائل هذا كافرٌ في هذه الحال”

أقول: الرجل فيما يظهر مولع بالتكفير، فيكفر بما لم يكفر به سلفه من الجهمية، فقد قال الدسوقي في (حاشيته على أم البراهين) صفحة 109 : “ومن المعتقد أنه جسم لا كالأجسام فهو عاصٍ غير كافر،… وأراد بأضرابهم الجهوية القائلين إن الله في جهة الفوق، وفي كفرهم قولان، والمعتمد عدم كفرهم

وهكذا رجحوا أن الكرامية ليسوا بكفار، مع تصريحهم بالحد، ولو من جهة أسفل فقط.

ويا ترى ماذا يقولون في ابن المبارك وقد صرح بالحد؟ ووافقه عليه أحمد ابن حنبل رحمه الله. أتراهم يقولون : في كفرهما قولان!!

أما سؤال : “هل كان لله خارج وداخل”

فللجواب عليه لا بُدَّ أولاً من أن يبين مقصوده بالداخل والخارج؟

فإن قال : أريد بالداخل المحوي والمخالط وبالخارج المباين المتصل أو المنفصل بمسافة.

قلنا : هذا لا يكون إلا في الجسم، ونحن لم نقل بأنه جسم حتى يلزمنا الدخول أو الخروج بهذا المعنى، فما معنى السؤال عنه؟ ثم ما علاقة هذا فيما نحن فيه؟

أما تكفير من يقول بأن لله حد بمعنى أنه غير مخالط لخلقه، وبأنه في جهة فوق وبأن له مكان بمعنى أنه مستوٍ على عرشه، فهو تكفير لسلف الأمة جميعاً.

ثم قال : “ونسألهم: هل يمكن أن يتصور العقلُ في هذه الحالة وجود جهات وأبعادٍ وغير هذا من توهمات ؟ إن قالوا: نعم، كفروا، وتناقضوا أيضاً”

سبحان الله!! أنظر ما أهون التكفير عنده.

الجهات والأبعاد إن أراد تصورها في ذات الله جل وعلا، فهو مما لم يأتِ به الشرع، ونحن لم نقل بأنه جسم ذو أبعاد حتى يلزمنا هذا السؤال فضلاً عن استلزام التكفير به . وإن أراد به في غير الذات فنعم، فإن تصور الأبعاد الثلاثة في العدم السابق على خلق العالم ممكن، إلا على قول من نفى الخلاء والملاء خارج العالم كالفلاسفة.

على أن هناك من أثبت الأبعاد الثلاثة في ذات الله جل وعلا، كالهشامية بل نقل عن الكرامية وغيرهم، والرد عليهم بمجرد التكفير لا يفيد في هذا الباب، ولكن عليه كأحد المتكلمين أن يبين بالبرهان وجه بطلان قول المخالف، وسبب تكفيره، لا الاكتفاء بالتكفير. وكيف يسمى مجرد الرد على الخصم بتكفيره (حسن المحاججة) ؟!!

على أن القول بالحد في الذات منقول عن الكرامية وتقدم معك أن الراجح عند الأشاعرة عدم تكفيرهم.

أما تصور الجهة في غير الذات فممكن أيضاً بالتقدير أو الفرض، والمتكلمون أثبتوه عند استدلالهم على حدوث العالم فقالوا : إن الجوهر تحله الأكوان وجعلوا منها الكون في الجهة ، وأوردوا اعتراضاً وهو أن الجوهر حال كونه وحده ليس هناك جوهر آخر فليس هناك جهة. فأجابوا بأن الجوهر حال كونه وحده يمكن تقديره في جهة لجواز تقدير وجود جوهر آخر ، فذلك الآخر إما أن يقدر مجتمعاً به أو مفارقاً له في الحالين يكون في جهة منه، قالوا : ولولا صحة قبوله للجهة لما صح هذا التقدير.

وعلى فرض أن تصور ذلك قبل خلق الخلق غير ممكن، فبعد خلق الخلق ممكن، فكان ماذا؟

قوله: “فنقول: ولما خلق الله العالم كيف تقولون إنه خلقه تحته وصار هو فوقه ؟!!إذن الله تعالى بعد أن لم يكن محدوداً جعل نفسه محدوداً !
الله تعالى بعد أن لم يكن له تحتٌ صار له تحتٌ !
الله تعالى بعد أن لم يكن في جهة صار في جهة !
الله تعالى بعد أن لم يكن في مكان صار في مكان !
إذن الله تعالى تأثَّر بوجود العالم وصار محدوداً وفي مكان وفي جهةٍ .. إلخ، وهذا في غاية القبح منكم أن جعلتم المخلوق يؤثر في الخالق، فسبحان الله، ثم تزعمون أنكم تنزهون الله تعالى !! كلا، إنكم مشبهون، تصفون الله تعالى بصفات النقص، التي يتنزه عن مثلها المخلوق.”

هذه سخافات ، لولا أنا نقصد بما نكتب المغرورين به لكان الإعراض عما ذكره جملة خير من تعقبه فيه.

وقد تقدم معك أنا لو فرضنا أنه لا جهات ولا أمكنة قبل خلق الخلق، فمن أين له أنه لا جهات ولا أمكنة بعد خلق الخلق؟ إن قال : أردت الجهات والأمكنة بالنسبة لله جل وعلا، فإنه إن لم يحل في العالم، فهو باقٍ على حاله قبل خلقهم، فكما لم يكن في جهة ولا مكان قبل خلقهم فهو كذلك بعد خلقهم.

قلنا : تقدم معك الكلام والمقصود بالجهة والمكان من قبل، فإن أراد أن المكان الوجودي المخلوق والجهة التي هي بمعنى عين المشار إليه كما لم يحوياه جل وعلا قبل خلقها فكذلك بعد خلقها؛ سلمناه، فكان ماذا.

وإن أراد بالجهة والمكان مجرد النسبة الإضافية، فكذب، بل صار بجهة فوق بالنسبة للعالم خاصة بعد أن لم يكن هناك عالم هو له بجهة فوق، وعلا على العرش جل شأنه بعد خلقه لا قبل خلق.

وهو كقول الأشاعرة ومن وافقهم، صار خالقاً للعالم بعد أن لم يكن خالقاً، وهكذا كلامهم في المتعلقات، فإنها عندهم تتغير بتغير الحوادث.

“ونقول: الله تعالى لا نسبة بينه وبين الخلق، لا في جهةٍ ولا مكانٍ ولا زمان، ولا شيء من الصفات”

قلنا : لا نسلم، بل نقول بأنه هناك نسبة، كالنسبة الزمانية مثلاً، وهو كوجوده قبل وجود العالم، ومقارنة وجوده لوجود العالم، وبقاء وجوده بعد عدم العالم، فهذه نسب زمانية. أما ما يذكرونه من تقدم بالذات فلا حقيقة له ، ولا يمكن تصوره أصلاً، ومع ذلك فهي نسبة بين ا لمتقدم بالذات والمتأخر بالذات كانت بعد وجود المتأخر لا قبله.

وكعلوه على العالم، فهذه نسبة باعتبار الجهة.

إلا أن تريد بالنسبة أمر آخر، فبينه نتكلم فيه.

“ثم نقول: أنتم تزعمون أنكم عرفتم بالعقول أن كل موجودين فلا بد أن يكون واحدٌ منهما في جهةٍ من الآخر.فنسألكم: هذا الكلام العام كيف عرفتموه ؟ وما دليلكم عليه ؟ والمعلوم أن القضية الكلية تعرف إما بالاستقراء أو بقياس عقلي برهاني لا يردُ عليه استنثاء”

أقول: تقدم عن الألوسي ونقله الرازي عن بعض الحنابلة والكرامية أن هذه القضية بديهية ضرورية. ونحن لا نكلف إقامة البراهين على البديهيات الضروريات ، وإلا لم تكن بديهيات وضروريات.

ولا دافع له عندكم، أما مجرد وجود جماعة من العقلاء قالت بخلافه، فإن هذا لا ينفي البديهيات والضروريات، وهو كقول النصارى بأن الله جل وعلا ثالث ثلاثة، من غير أن يكون هناك كثرة عددية، فهو مع كونه ثالث ثلاثة فإن الثلاثة واحد على الحقيقة، ومع أن كل أقنوم من الأقانيم الثلاثة يخالف الآخر بحقيقته حتى أنه لا يجوز عندهم أن يقال: إن الذي صلب هو الآب أو الروح القدس، ولا أن الذي نزل على المسيح بعد تعميده هو الآب أو الإبن، ولا أن الذي يعرف الساعة الأخيرة هو الإبن أو الروح القدس، فإن كل أقنوم هو عين الأقنوم الآخر من جهة حقيقة الذات والماهية.
فهذا الكلام يُعرف بالبديهة والاضطرار بطلانه، وقول طائفة عظيمة من العقلاء به كالنصارى لا ينفي أن العلم ببطلانه بديهي أو ضروري. ثم ، ما الدليل على أن الموجود القائم بنفسه يجوز أن يكون لا داخل ولا خارج؟

وقد قرأت عدداً من كتبهم ولم أرهم احتجوا لجواز ذلك إلا بكونه ليس بجسم ولا عرض.

وهذا كما ترى وتقدم معك غير ما مرة لا يدل على المطلوب، على أنهم مختلفون في معنى الجسم والعرض اختلافاً كثيراً عجيباً يمنع من الاستدلال بهما على الخصم قبل الاتفاق على معنى صحيح لهما، وهذا الاتفاق ليس بحاصل.

قال : “فإن ادعيتم أنكم عرفتموه بالاستقراء، فأنتم كاذبون؛ لأنكم لم تدركوا قطعاً كل المخلوقات الجسمانية التي خلقها الله، بل لم تدركوا الموجودات في السماء الدنيا، بل تدركوا الموجودات على ظهر الأرض، بل أنتم لا تدركون حتى حقيقة أنفسكم !! وما دام هذا –ولا تستطيعون الانفلات منه-، فلماذا الادعاء ؟”

وهذا ضعيف فإن خصمه يدعي أن هذا الأمر معلوم بالضرورة، والضروريات لا تفتقر إلى الإستقراء.

قال : “ثم كيف تزعمون بعد هذا أن هذا الكلام ينطبق حتى على الله تعالى، فعجباً منكم، تزعمون أنكم منزِّهون ومتقيدون بالكتاب والسنة، ثم تطلقون هذا الحكم المتهافت هكذا !”

هذا من بطر الحق وغمط الناس كما تقدم معك؛ فإن الإلتزام بالكتاب والسنة هو الذي يوجب هذا الحكم، وقد قدمنا معك بعض الآيات القرآنية الدالة على علو الله جل وعلا على عرشه فوق خلقه، كما قدمنا نقل الإجماع على إثبات الجهة بمعنى العلو والإرتفاع، ونقلنا عن بعض الأئمة القول بالحد والمباينة. وقدمنا عنهم أن نصوص الوحي تمر كما جاءت، فلا يجوز سلبها دلالاتها لأنها جاءت ألفاظ عربية دالة على معاني، ولا يجوز تحريف تلك الدلالات إلى معنى غير ظاهر، لأنه خلاف ما جاءت به. فما الذي يريده أكثر من ذلك.

قال : “ونسألكم: هل أدركتم حقيقة الله تعالى، فعلمتم أنه في جهةِ الفوق ! وأدركتم أنه لا يمكن أن يوجد إلا في جهةٍ ومكان، فأطلقتم هذا الكلام !!”
نقول له: كلا ولكن الله جل وعلا عالم بحقيقة ذاته وأعلمنا أنها بجهة فوق. على أن هذا الإعتراض السخيف جارٍ على كل صفة يثبتها فودة والجهمية من أتباع نحلته، فهل علمتم حقيقة ذات الله حتى تصفوه بالسمع والبصر والكلام والإرادة والقدرة والوجود؟ فما يجيب به هو جوابنا عليه.”فماذا بقي لكم من دلالة العقول ؟”

أقول: لو لم يبقَ لنا سوى معرفة الضروريات والبديهيات لكفانا في إثبات الفوقية والخروج عن العالم، وقد تقدم عن الأئمة أنها مسألة بديهية ضرورية.
“هل تقولون: إنكم أدركتم هذا بالقياس العقلي، فتقولون: كل الموجودات التي نراها تكون في جهةٍ ومكان، والله موجود، فيجب كونه في جهةٍ ومكان ؟!!”

نقول: القياس العقلي في صفات الله جل وعلا متروك لكم، أما نحن فنرى حرمة ذلك إذ لا مدخل للعقل في إثبات ما لم يتكلم به الله جل وعلا في كتبه وعلى ألسنة رسله إلا بمقدار ما توجبه الضرورة ، على أنه ليس في الضروريات أمر استقلت به ليس له ذكر في نصوص الوحي.

قال : “فنقول لكم: هذا الكلام لا ينطبق إلا على ما شهدتموه من الأجسام، فأنتم قد رأيتم حولكم أجساماً كثيرة، كل منها في جهة من الآخر، فتصورتم الله جسماً، فقلتم: هو أيضاً في جهةٍ ومكان، وإلا فإننا ندرك وجود بعض الموجودات وليس واحدٌ منها في جهةٍ من الآخر، فيصبح قولكم: كل موجود يجب أن يكون في جهةٍ باطلاً”

نقول: إعلم أننا لسنا كأتباعك الذين يتخذوك رباً من دون الله، فلا نقبل منك مجرد دعواك علينا، ونعلم من أنفسنا أنا لم نقل ذلك بمشاهدة الأجسام من حولنا، بل بإخبار الله جل وعلا لنا، وبما غرسه الله جل وعلا فينا من العلوم الضرورية القاضية بأنه إن لم تكن ذاته مخالطة لذواتنا، فهي مفارقة لها.

فدع التهويل.

ثم أورد أمثلة تثبت بزعمه أن الكون في غير جهة ممكن في الشاهد فقال : 

[أمثلة تبطل لزوم اتصال الموجود بكونه داخل أو خارج]
وها نحن نضرب لكم بعض الأمثلة التي لا تستطيعون الانفكاك منها، فنقول:

1- الشعور بالحب والكراهية موجود لا شك فيه، فإذا أحب الإنسان فإن الحُبَّ يوجد فيه، وإذا كره فإن الكراهية توجد فيه، ويمكن أن يحب الإنسان شخصاً أو أمراً ويكره أمراً آخر، فيوجد فيه في هذه الحال الحب والكراهية معاً.

والإنسان يؤمن بوجود الحب والكراهية في ذاته ويجزم به، من دون حاجته منه إلى تصور جهةٍ تحلُّ فيها هذه الكراهية أو الحب، فأين حبك أيها الإنسان من كرهك، هل هما في جهةٍ من بعضهما ؟

فإذا جزمنا بوجود هذه الأمور من دون الحاجة إلى تصور جهة تحل فيها، إذن يجوز وجودُ موجودٍ لا في جهة.

2- الإنسان قبل أن يتزوج وينجب لا يكون أباً، فإذا تزوج صار أباً، إذن هو اكتسب وصفاً وجودياً هو الأبوة، إذن الأبوة موجودة، فأين هي جهة الأبوة من الإنسان القائمة به، أو من غيره ؟! 

نحن نجزم بوجودها من دون تصور جهةٍ لها.

3- الأعداد: الواحد الاثنان الثلاث إلى آخره، لا شك أن لها وجوداً في عقولنا، لا ينكر هذا إلا جاهلٌ، فأين هي جهة الواحد مثلاً؟
وله يمكن أيها الإنسان أن تشير إلى الواحد بإصبعك أو على الأقل أن تحدد لنا جهته في نفسك.
إذا كنت لا تستطيع فلم القول منك بأنه لا بد لكل موجود أن يكون في جهةٍ.
4- كل إنسان يعلم أن العالم موجود، ويعلم أيضاً أن المطر ينزل من السماء، فهذا علمان موجودان، ولا يستطيع إنسان أن يدعي أنهما ليسا موجودين، ما دام هذا فهل يمكن أن يقال: إن المعلومة الأولى في جهةٍ من المعلومة الثانية، تحتها أو فوقها إلى غير ذلك من الجهات ؟ 
الذي يدعي هذا يعلم من نفسه أنه مغالط.
إذن: فقد تحقق لنا وجودُ موجدين ليس كلٌ منهما في جهةٍ من الآخر، وأنتم ادعيتم أن كل موجودين فلا بُدَّ من كون كل منهما في جهةٍ من الآخر، فظهر لكم فساد قولكم وتهافته.
فلماذا إذن تكابرون وتدعون أن كلامكم هذا معلوم بضرورة العقل ؟ وقد ظهر لكل عاقل أنه معلوم بطلانه بضرورة العقل.
أقول: يكفي في إبطال الجميع بيان أن الكلام مفروض في القائم بذاته وجميع الأمثلة إنما هي في القائم بغيره فهي خارجة عن محل النزاع، بيانه أنهم قسموا الموجودات إلى جوهر وعرض، والجوهر عندهم قائم بذاته والعرض قائم بالجوهر، ويمتنع عندهم في العرض قيامه بذاته أو استغنائه عن الجوهر وقيامه لا في محل ، وفوق ذلك هو لا يخلو عن المخالطة بمعنى كونه في حقيقته كائن في مخلوق أو في جسم، وجميع ذلك يخالف اعتقادهم في الله جل وعلا ، إذ هو قائم بنفسه لا في محل مستغنٍ عن غيره غير مخالط لشيء من خلقه لا جسم ولا عرض. فكيف قاس الله جل وعلا على العرض؟

هذا قاضٍ على عامة ما ذكره سوى الأعداد فإن زعمه أنها موجودات إن أراد به المعدودات أنفسها باعتبار الكمية كالرجل والرجلين والثلاثة ، فهؤلاء متحيزون لكل واحدٍ منهم جهة من الآخر، وإن أراد الأعداد المجردة فلا وجود لها أصلاً لا بصفتها جوهر ولا عرض ، بل العدد المجرد ذهني فقط لا يتصف بالوجود الخارجي.

ثانياً : قد قال بعض المتكلمين بتحيز العرض في الجوهر فيكون بعضها في جهة من بعض كالحب والكراهة والعلوم المختلفة والأبوة والبنوة وغيرها غير أنا لا نعْلم جهة أحدها من الآخر فقط ولا نسعى إلى تحصيل العلم بذلك. 
وقد تقدم معك في كلام الألوسي رحمه الله أن الضرورة مدعاة في الموجود خارج الذهن القائم بنفسه.
وانتبه بعد هذا كله –أيها القارئ- أن حكمهم بالجهة والمكان وغير ذلك هو داخل في قسم التصورات من أقسام العلوم، خصوصاً أنهم يشيرون إليه بالأصابع، فيلزم على هذا أنهم يدعون أنهم يتصورون حقيقة صفة من صفاته على الأقل، وهذا معلومٌ بطلانه لدى كل مسلم.
أقول: هذا الأحمق يظن أن نفس الجهة والمكان عندنا صفة من صفات الله جل وعلا .
فإن قال : أردت العلو، وهو عندي يستلزم الجهة والمكان. 
قلنا : اللازم الذي هو الجهة والمكان ـ على فرض تسليمه بالمعنى الذي ذكرتَه سابقاً ـ ليس هو الصفة بل ملزومها، فتصورهما ليس هو تصور الصفة.
على أن نفي تصور الصفة مطلقاً يستلزم الجهل بالصفات جميعاً جهلاً مطلقاً فلا نعلم حينئذٍ معنى الموجود الحي القادر المريد المتكلم السميع البصير، وهي صفات يقر بها الأشعرية ويزعمون أن العقل دل على ثبوتها، فكيف تراه دل عليها مع عدم تصوره لها أصلاً ؟
فإن قيل: إن العقل يدرك قدراً مشتركاً إجمالياً ولا يدرك حقيقة ما ختص الله جل وعلا به.
قلنا : كذلك الأمر في علوه جل وعلا.

أم تقولون: الله تعالى قائم بنفسه، وكل قائم بنفسه في مكان وجهة.
فنقول: معنى القيام بالنفس هل هو مشترك بين الله والأجسام حتى يجوز لكم هذا القياس ؟
إن قلتم: نعم، فأنتم مشبهة، وإلا فلم تكابرون وتقولون: الله تعالى في مكان وجهةٍ، وقد أقررتم سابقاً أن المكان والجهة مخلوقان ؟!

اعلم علمنا الله وإياك أنا لا نرد عليه لعلمه ، بل لأن له أتباع يسمونه بالعلامة النظار، وإلا فالحماقات التي يتفوه بها ويسطرها قلمه يترفع عنها من تصور شيئاً بسيطاً من علوم الكلام والمنطق ، وإلا كيف ساغ له أن يسوق هذا السؤال سياقاً إنكارياً؟
ترى لو سألناه سؤاله هذا نفسه فقلنا له : معنى القيام بالنفس هل هو مشترك بين الله والأجسام أم لا؟
بماذا يجيب؟
إن قال : نعم .
وافق.
وإن قال : لا.
خالف العقلاء.
وإن قال : أُثبت قدراً مشتركاً إلا أني لا اجعل اللازم في الأجسام لازم في الباري جل وعلا.
قلنا : إنما يصح هذا فيما يلزم الجسم من حيث هو جسم لا من حيث هو قائم بنفسه؛ لأن القيام بالنفس أمر مشترك بين القديم والحادث ما لم يكن عرضاً فيما يلزم من القيام بالنفس يعم الجميع.
أليس الحي من حيث هو حي قابل للاتصاف بالسمع والبصر؟ وهو مشترك بين الممكن والحادث.
أليس لو قال قائل : إني لا أجعل اللازم من الحياة في المخلوق لازماً في الخالق، إن أراد ما يلزم عن المخلوق من حيث هو حي فقط يكون أحمقاً مغفلا والسكوت أستر له ؟
وإن قال : إنما أنفي اللازم من قيام الجسم بنفسه من حيث هو جسم لا من حيث هو قائم بنفسه.
قلنا: فإنا ندعي الضرورة بأن الموجود القائم بنفسه إما أن يكون داخل العالم أو خارجه من حيث هو قائم بنفسه لا من حيث هو جسم.
يدل عليه أنا نقول بأن الروح قائمة بنفسها وتدخل وتخرج في الأجسام وليست بجسم أصلاً ، وما يدعيه بعضهم من كون الروح ليست داخل العالم ولا خارجه إلى آخر هرائهم لا نسلمه وندعي حصول الضرورة فيه أيضاً مع ما دلت عليه النصوص الشرعية من دخولها وخروجها وصعودها ونزولها وغير ذلك.
بل نقول : إنه ضروري في الموجود من حيث هو موجود حتى في العرض، فإنه إن جاز أن لا يحايث غيره من الأعراض فهو محايث للأجسام باعتبارين والأعراض باعتبار لا محالة. فإنا نقول هو إما في الجسم أو خارجه لا يجوز أمر ثالث، وهو باعتبار الجسم الذي يقوم به ملابس مخالط له ، وباعتبار الأجسام الذي ليس هو فيها فهو مفارق لها فإن كان ثمة جسمين أبيض متيامن وأسود متياسر فإن بياض المتيامين يمين الجسم المتياسر وسواد المتياسر يسار الجسم الأبيض المتيامن، فهو محايث بالتبع لما يقوم فيه لا استقلالاً. وبهذا الاعتبار يكون العرض محايث للعرض أيضاً فإن البياض هنا يمين السواد والسواد يسار البياض باعتبار ما قاما به بالتبع.
بل نزعم كما قاله بعض المعتزلة أن الأعراض تتحايث في الجوهر الواحد غايته أنا لا ندرك تحايثها وكيفيته، لكن لا يجوز أن يكون أحد العرضين لا مخالطاً لغيره ولا مفارقاً له لا متصلاً به ولا منفصلاً عنه.
بهذا أكتفي ، فإن أشكل عليك باقي كلامه فيكفي أن تطالب في كل دعوى منها بدليلها كقوله : 
(والجهة ليست من هذا القبيل، فهي كمالٌ بشرط كون المتصف بها جسماً كثيفاً كسائر الأجسام التي نلاحظها.
وأما الجهة بالنظر لذاتها فهي صفة نقص، لأنها قيدٌ في أصل الوجود)
فتقول : من أين جاء بأن خصمه يجعل الجهة صفة ؟
ما دليله على أنها نقص ؟
ما دليل تقييد حصول الكمال بكون المتصف بالجهة جسماً كثيفاً.
وهكذا ، فإن عامة ما يذكره دعاوي محضة لا يدلل عليها .
ثم يقول :
(ولا نريد أن نتعمق لكم بالأنظار العقلية، لكي لا تنقطع متابعتكم لنا في هذا الكلام؛ لأننا ندرك أنكم غير غواصين في هذا المجال، ولكن إجراؤنا للكلام معكم على وفاق ما طلبه الله تعالى من المؤمنين بالمجادلة بالتي هي أحسن، وعلى سبيل النصيحة لكم في الدين الذي تنتسبون إليه)
فنقول : 

إن البغاث بأرضه يستنسر

هذا والله سبحانه أعلى وأعلم

القبوري الجهمي الكوثري يعرض بالامام ابن حجر العسقلاني بالزنى

بسم الله الرحمن الرحيم

 قال الأستاذ المحدث أحمد بن محمد بن صديق الغماري المتوفى سنة 1380 في كتابه بيان تلبيس المفتري محمد زاهد الكوثري ص(48 ، 51).
((قال الكوثري:
وأما الحافظ ابن حجر فإنه يحكى عنه في مجالسه أنه لفرط غرامه بالزنى
كان يَتْبَع النساءَ في الشوارع
حتى أنه تبع ذات يوم امرأة ظنَّها جميلةً
فلما مدت يدها إليه إذا هي سوداء فرجع عنها، وقال لها بيدك فضحت نفسك ))أ.هـ

هكذا يقذف الكوثري العلماء بالكذب المكشوف والقذف المفضوح

وهذا المجرم يعلم أن الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء فأين إسناد هذه الكذبة الشنيعة ومن أين استقاها هذا الأفاك ؟

هل يحسب أن هذا سيضيع …

لا وربي لن يضيع..

((ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد))

((ستكتب شهادتهم ويسئلون))

((إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون))

((والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا))

((ومن يكسب خطيئة أو أثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبينا))

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أربى الربا عند الله استحلال عرض أمريء مسلم))رواه أحمد وأبوداود

((لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك))رواه البخاري

ولا عجب والله من هذا المجرم الأثيم فقد نال من صحابة رسول رب العالمين !! فما بالك يغيرهم.

والأقرب أن تكون هذه القصة من صنع يده..نسأل الله العافية.

وكما قال العلامة ابن القيم في نونيته:

فالبهت عندكم رخيص سعره ——- حثوا بلا كيل ولا ميزان

 
منقول: عن الكاتب بن دقيق العيد .. الساحات

حمسة عشر أصلا خالف فيها ابن حجر الأشاعرة

بسم الله الرحمن الرحيم

وبعد

لقد أُلفت مؤلفات عديدة ما بين مختصر ومطول ، في بيان الأخطاء العقدية التي وقع فيها الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرحه لصحيح البخاري ، وكان أول ذلك تعليقات سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى على فتح الباري ، وترتيبها كما يلي :
1 – تعليقات الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز على فتح الباري ، الطبعة السلفية 1379 هـ .
2 – رسالة بعنوان : ” الأخطاء الأساسية في العقيدة و توحيد الألوهية من كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري”. جمعها عبدالله بن سعدي الغامدي العبدلي ، وطبعت عام 1407هـ .
3 – منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني – رحمه الله – في تقرير العقيدة من خلال كتابه فتح الباري
رسالة ماجستير مقدمة من الطالبة لولوة بنت محمد بن حمد المطرودي ، جامعة الإمام 1415هـ ،
اشراف عبدالعزيز بن ابراهيم الشهوان ، تاريخ النشر 1414 هـ .
4 – منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري . رسالة ماجستير للشيخ محمد إسحاق كندو ، 1416 هـ ، طبع مكتبة الرشد .
5 – كتاب ” التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري” . كتبه علي بن عبد العزيز بن علي الشبل ، وطبع عام 1421 هـ .
6 – تعليقات للعلامة الشيخ عبدالرحمن البراك ، وقد طُبعت مع فتح الباري بتحقيق نظر الفريابي ، الطبعة الأولى 1426 هـ ، دار طيبة .

وسأذكر هنا جزءاً مُلخصا انتقيته مما توصل إليه الباحث محمد إسحاق كندو في خاتمة رسالته السابقة ” منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري” حيث قال :
“4- أن علم العقيدة هو أحد العلوم التي أولاها الحافظ عنايته دراسةً وروايةً، ولم تتمحّض دراسته إياه على المنهج السلفي الصافي؛ لأن أكثر مشايخه الذين درس عليهم كانوا على غير منهج السلف في العقيدة، بل كانوا أشاعرة تبعاً لحالة العصر، وإنما يتمثل الجانب السلفي في دراسة الحافظ للعقيدة في تلك الكتب التي يرويها عن بعض مشايخه رواية مما صنّفه علماء السلف في بيان العقيدة الصحيحة، والردّ على المخالفين فيها، كما يجدها من يطّلع على فهرس مرويات الحافظ من الكتب والأجزاء.

7- أن (فتح الباري) قد احتوى على جل مسائل العقيدة التي يبحثها العلماء في كتب العقيدة؛ وذلك لأنه شرح كتاب جامع لأدلة السنّة في جميع أبواب الدين، وأهمها باب العقيدة.

8- أن الحافظ قد استقى معلوماته في العقيدة من مصادر كثيرة متنوعة، زادت في إحصاء الباحث على (125) مصدراً، وهذه فيما يخص مصادره في المسائل العلمية، دون مصادره في الأدلة الحديثية التي يستدل بها على المسائل، فإنها إن لم تَزِد على هَذا العدد فلا تَقِلّ عنه.

9- اعتمد الحافظ كثيراً في تقرير مسائل العقيدة على كلام بعض أهل العلم من شُرَّاح صحيح البخاري قبله، ومن شُراح صحيح مسلم، ومن غيرهم، وفي مقدّمة الذين اعتمد عليهم الحافظ: البيهقي في كتابيه (الأسماء والصفات) و (الاعتقاد)، والخطابي في كتابيه (أعلام السنن في شرح صحيح البخاري) و (معالم السنن في شرح سنن أبي داود)، وابن بطال في (شرح البخاري)، والقاضي عياض، والقرطبي، والنووي، كلهم في (شرح صحيح مسلم)، وابن العربي في (شرح البخاري) و (شرح الترمذي) و (أحكام القرآن)، والطيبي في (شرح مشكاة المصابيح).
فهؤلاء ممن تبيّن للباحث أن الحافظ اعتمد عليهم أكثر من غيرهم في شرح الأحاديث بما تتضمنه من مسائل في العقيدة، إضافة إلى الإمام البخاري نفسه صاحب الصحيح، مع خطأٍ أحياناً في فهم مقصوده من كلامه.
وهؤلاء المذكورون غير الإمام البخاري ممن يعلم أهل العلم أنهم متأثرون بالعقيدة الأشعرية، وأنهم في كتبهم المذكورة يقررون معظم مسائل العقيدة وخصوصاً الأسماء والصفات على منهج الأشاعرة. واعتماد الحافظ على هؤلاء وغيرهم من العلماء ليس اعتماد تقليد، وإنما أخذ ببعض أقوالهم عن اجتهاد واقتناع بأنه هو الحق والصواب الموافق للأدلة حسب ما ظهر له، بدليل أنه في بعض المواضع يقف منهم موقف الناقد الرّاد بما ظهر له من الأدلة.

10- أن الحافظ لم يسر في تقريره لمسائل العقيدة في كتابه (فتح الباري) على منهجٍ واحدٍ، وإنما كان منهجه متأرجحاً بين السلفية والأشعرية، بحيث تجده في بعض المسائل مع المنهج السلفي مقرراً ومؤيداً، وفي بعضها مع المنهج الأشعري مقرراً ومؤيداً، وهذا من حيث العموم، وأما من حيث التفصيل فكما يلي :

أولاً: في منهج الاستدلال :
أ/ وافق السلف على الاحتجاج بأخبار الآحاد في العقيدة، ويرى أن خبر الواحد يفيد العلم إن احتفت به القرائن.
ب/ وافق السلف على تقديم النقل على العقل، لا بمعنى أنهما يتعارضان، وإنما بمعنى أن العقل تابعٌ للنقل في باب العقيدة، والعقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، بل يوافقه.

ثانياً: في تعريف التوحيد وبيان أقسامه:
أ/ وافق السلف في الجملة على تعريف التوحيد، وتحديد معناه شرعاً.
ب/ ووافقهم ضمنياً على انقسامه إلى ربوبية، وألوهية، وأسماء وصفات.

ثالثاً: في توحيد الربوبية:
أ/ قرر انفراد الله تعالى بالربوبية، وعدم جواز إطلاق لفظ (رب) بإطلاق من دون قيد إلاّ على الله تعالى.
ب/ وافق السّلف على أن معرفة الله في الأصل فطرية في البشر.
جـ/ وافق السلف في صحة إيمان المقلد إذا سلم من الشبهات والتزلزل.
د/ رد على المتكلمين في قولهم بأن معرفة الله تعالى نظرية، وفي إيجابهم النظر على العبيد، وزعمهم أن إيمان المقلد لا يصح.
هـ/ قرر الحافظ أن معرفة الله تعالى لا تنحصر في طريقة بعينها بحيث لا يعرف الله تعالى إلا منها، وإنما الأدلة الدالة على وجود الله تعالى كثيرة ومتنوعة.
و/ وافق أكثر أهل الكلام على جواز تسلسل الحوادث في المستقبل، وامتناع تسلسلها في الماضي.
والحق الذي دلت عليه الأدلة جواز تسلسلها في الماضي وفي المستقبل.

رابعاً: في القضاء و القدر:
أ/ وافق أهل السنة في تعريف القدر، وفي مراتبه الأربع.
ب/ وافق أهل السنة في خلق أفعال العباد.
جـ/ وافق الأشاعرة في القول بالكسب الأشعري.

خامساً: في بعض الأحكام المتعلقة بأفعال الله تعالى:
أ/ وافق أهل السنة والجماعة في إثبات الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى.
ب/ وافق الأشاعرة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين.
جـ/ وافق أهل السنة في عدم وجوب شيءٍ على الله تعالى، إلاّ ما أوجبه الله على نفسه.
د/ يظهر من كلامه على مسأله تكليف ما لا يطاق أنه لا يقول به.

سادساً: في أسماء الله تعالى:
أ/ وافق أهل السنة والجماعة في أن أسماء الله تعالى لا تنحصر في عددٍ معين.
ب/ وافق أهل السنة والجماعة في مبدأ التوقيف في أسماء الله تعالى؛ لكنه خالفهم حيث أجاز أن يشتق لله اسم من الفعل الثابت له في القرآن، إذا كان لا يوهم نقصاً.

سابعاً: في صفات الله تعالى:
أ/ وافق السلف في إثبات أن لله صفات كما دل عليه الكتاب والسنة، ورد على ابن حزم إنكاره إطلاق لفظ (صفة) على الله تعالى.
ب/ وافق السلف في أن صفات الله تعالى توقيفية، فلا يُوصف الله تعالى إلا بما ثبت نصاً وصفه به في الكتاب أو في السنة.
جـ/ وافق السلف على أن صفات الله تعالى تحذو حذو الذات، فكما أن ذات الله تعالى لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات. فهذه قاعدة عظيمة قررها الحافظ، لكنه –مع الأسف- لم يلتزم بها عند الكلام على آحاد الصفات الإلهية، والله المستعان.
د/ وافق السلف في تقسيم الصفات إلى ذاتية وفعلية، ولكن هذه الموافقة في التقسيم اللفظي، وأما في المراد بكل نوع منهما فإنه لم يوافق السلف في ذلك، لما يلي:
هـ/ وافق الأشاعرة في جعل الصفات الذاتية قائمة بالله تعالى أزلاً وأبداً، وجعل الصفات الفعلية غير قائمة به سبحانه، وإنما يستحقها فيما لا يزال، وهي ثابتة له بالقدر والإرادة.
و/ خالف منهج السلف في تفسير نصوص الصفات، فجوّز فيها التفويض أو التأويل.

ثامناً: في الألفاظ التي لم يرد في الشرع إثباتها ولا نفيها:
أ/ خالف فيها منهج أهل السنة والجماعة، حيث جرى على نفيها نفياً مطلقاً من غير استفصال، ومنهج أهل السنة هو الاستفصال فيها.

تاسعاً: في رؤية الله تعالى:
أ/ وافق أهل السنة على أن الله تعالى لا يُرى بالعين في الدنيا.
ب/ وافق بعض أهل السنة على وقوع الرؤية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء.
جـ/ وافق أهل السنة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، ولكنه مع ذلك ينفي الجهة.
د/ يرى الحافظ أن الكفار لا يرون الله البتة في الآخرة.

عاشراً: في توحيد الألوهية ونواقضه:
أ/ قرر الحافظ أن العبادة حق الله تعالى وحده لا شريك له، فلا يجوز صرف شيءٍ منها لغير الله تعالى أيَّاً كان.
ب/ قرر الحافظ وجوب اجتناب الشرك بأنواعه، وأنّه أظلم الظلم وأعظم الذنوب على الإطلاق.
جـ/ زلت قدم الحافظ في بعض مسائل توحيد الألوهية، حيث جوّز الاستشفاع بالصالحين بعد موتهم، والتبرك بهم وبآثارهم وفضلاتهم الطاهرة، وجوّز شدّ الرحال إلى قبورهم لقصد التبرك بها.

حادي عشر: في مباحث الإيمان:
أ/ وافق السلف في تعريف الإيمان وأنّه: قولٌ باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، وأنه يزيد وينقص بالأمور المعتبرة فيه.
ب/ قرّر أن الإيمان والإسلام إذا ذُكرا معاً في سياق واحد حمل الإسلام على الأعمال الظاهرة، والإيمان على الاعتقاد الباطن، وإذا ذكر كلاً منهما على حده تضمن معنى الآخر، فإذا اقترنا افترقا، وإذا افترقا اقترنا.
جـ/ وافق أهل السنة على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، وإذا مات مصرّاً على كبيرته فهو تحت المشيئة.

ثاني عشر: في الإيمان بالنبوات:
أ/ هو موافق لأهل السنة في النبوات في الجملة.
ب/ قرر عصمة الأنبياء في الصغائر كما هم معصومون من الكبائر، وهو خلاف القول المعروف عن السلف وأكثر أهل السنة.
جـ/ لم يكن له موقفٌ واضحٌ من نبوّة النساء.
د/ قرر ختم النبوّة بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعموم رسالته للثقلين، وأنه أفضل الأنبياء على الإطلاق.

ثالث عشر: في الإيمان بالمعاد:
أ/ وافق أهل السنة في التصديق بفتنة القبر وعذابه ونعيمه، وأنّ ذلك على الروح والبدن معاً.
ب/ قرر أن الأنبياء أحياء في قبورهم حياةً برزخيّة، ولكنه ذكر في بعض الأحيان عبارات قد يفهم منها أن حياتهم حقيقيّة كالحياة الدنيوية، وهذا ليس بصحيح، بل الصحيح أن حياتهم برزخيّة.
جـ/ قرر الإيمان بأشراط الساعة التي أخبرت عنها الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
د/ رجّح أن النفخ في الصور مرّتان فقط.
هـ/ رجّح أن الميزان يوم القيامة ميزانٌ واحد، وأن الذي يُوزن في الميزان هو الأعمال.
و/ وافق أهل السنة في إثبات الشفاعة يوم القيامة، ورجّح أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة العظمى.
ز/ وافق أهل السنة في وجود الجنة والنار الآن، وأنهما مخلوقتان وباقيتان بإبقاء الله لهما، وأهلهما خالدون فيهما أبداً.

رابع عشر: في الصحابة والإمامة:
أ/ وافق أهل السنة والجماعة في اعتقاد فضل الصحابة وعدالتهم، وفي محبتهم والترضّي عنهم جميعاً، والكفّ عمّا شجر بينهم.
ب/ وافق أهل السنة والجماعة على صحة خلافة الخلفاء الراشدين، وعلى أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة.
جـ/ وافق أهل السنة والجماعة على أن الطعن في الصحابة علامة على خذلان صاحبه، وهو بدعة وضلالة.
د/ وافق أهل السنة والجماعة على وجوب الطاعة لولاة الأمر، وعدم الخروج عليهم وإن جاروا، وعلى صحّة الصلاة وراءهم والجهاد معهم أبراراً كانوا أو فسّاقاً، لما في الخروج عليهم من المفاسد الدينية والدنيوية، غير أنّهم لا يطاعون في المعصية.

خامس عشر: في البدع والفرق المبتدعة:
أ/ وافق أهل السنة على إنكار البدع بأنواعها.
ب/ جانب الصواب في تقسيمه البدع إلى حسنة وسيئة، وإلى الأحكام الخمسة.
جـ/ وافق أهل السنة والجماعة على ذم الفرق المبتدعة، والرد على بدعهم المختلفة.

كان هذا عرضاً موجزاً لمنهج الحافظ في العقيدة من خلال كتابه (فتح الباري)، كما توصل إليه الباحث من دراسته لهذا الموضوع، وبناءً على ما سبق يقرر الباحث ما يلي:
1 – لم يكن الحافظ ابن حجر أشعريّ المذهب في جزئيات العقيدة ولا في كلياتها، وإنما وافق الأشاعرة في مسائل، وخالفهم في مسائل أخرى تُعدّ من أصول مذهبهم .
2 – لقد كان الحافظ ابن حجر ذابَّاً عن السنة، محبَّاً للسلف، مفضلاً لمذهبهم وطريقتهم في العقيدة، كما كان ذامَّاً للبدعة، مبغضاً للمبتدعة، محذّراً من مذهب أهل الكلام، وله في كلّ ذلك كلامٌ صريحٌ واضح.
3 – كان الحافظ مجتهداً في المسائل التي وافق فيها الأشاعرة مخالفاً بها السلف، غير قاصد مخالفتهم، حيث ظهر له أن ما اختاره في تلك المسائل هو الصَّواب، وقوّى ذلك عنده اختيار غيره لها من أَجِلّة العلماء قبله، كالبيهقي، والخطابي، والنووي، وابن الجوزي، وغير هؤلاء.
4 – لم يكن الحافظ في جميع المسائل التي تعرّض لها قاصداً تقرير ما هو الصواب فيها فحسب، بل كان في بعض الأحيان قاصداً ذكر ما اطّلع عليه من أقوال في المسألة بصرف النظر عن كون القول صواباً أو خطأ، وهو مقصد واضح وإن كان غيره أولى منه.
5 – لا يشك أحد يعرف شيئاً من العلم، ويطلع على أقوال العلماء أن الحافظ ابن حجر معدود في أفاضل علماء الإسلام الذين خدموا السنة النبويّة، وذادوا عنها بأقلامهم، وأن الله تعالى كتب لمصنفاته القبول لدى عامة المسلمين من جميع الطوائف، وأن أقوال أهل العلم من لدن عصر الحافظ إلى عصرنا هذا مجمعة على امتداحه والثناء عليه، والشهادة له بالفضل والديانة، ولمصنفاته بالتفوق والفائدة.
6 – يعد كتاب (فتح الباري) من كبار كتب العلم التي لا يَستغني عنها عالم فضلاً عن طالب علم، وهو من الكتب التي أسهمت في الدعوة إلى عقيدة السلف الصالح في جوانب عديدة، والأخذ بمذهبهم في أمور الديانة، مع نقل جملة طيبةٍ من أقوال علماء السلف في ذلك، وإن كان قد أخطأ في جوانب أخرى عديدة، سبق بيانها في هذا البحث.

انظر : منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري. محمد إسحاق كندو (3 / 1449 – 1463 ) باختصار

‏‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎شيخ الاباضية سالم بن حمود السيابي توفي سنة 1991 يصف مذهب الاشاعرة بأنه مذهب مرجئ في غاية الانحطاط

‏‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎شيخ الاباضية سالم بن حمود السيابي توفي سنة 1991 يصف مذهب الاشاعرة بأنه مذهب مرجئ في غاية الانحطاط

‏‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎شيخ الاباضية سالم بن حمود السيابي توفي سنة 1991 يصف مذهب الاشاعرة بأنه مذهب مرجئ في غاية الانحطاط

‏‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎شيخ الاباضية سالم بن حمود السيابي توفي سنة 1991 يصف مذهب الاشاعرة بأنه مذهب مرجئ في غاية الانحطاط

نبوَّة النساء عند ابي الحسن الأشعري

قال ابن حجر:

وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ من النِّسَاء من نبىء وَهُنَّ سِتٌّ حَوَّاءُ وَسَارَةُ وَأُمُّ مُوسَى وَهَاجَرُ وَآسِيَةُ وَمَرْيَمُ وَالضَّابِطُ عِنْدَهُ أَنَّ مَنْ جَاءَهُ الْمَلَكُ عَنِ اللَّهِ بِحُكْمٍ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ بِإِعْلَامٍ مِمَّا سَيَأْتِي فَهُوَ نَبِيٌّ وَقَدْ ثَبَتَ مَجِيءُ الْمَلَكِ لِهَؤُلَاءِ بِأُمُورٍ شَتَّى مِنْ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالْإِيحَاءِ لِبَعْضِهِنَّ فِي الْقُرْآنِ

________

المصدر:

الكتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري
الجزء: 6
الصفحة: 447
المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي
الناشر: دار المعرفة – بيروت، 1379
عدد الأجزاء: 13

من النساء نبيات كما يقول القرطبي

قال القرطبي تحت تفسير قوله تعالى {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ }

وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كمل مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ وَإِنَّ فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ).

قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: الْكَمَالُ هُوَ التَّنَاهِي وَالتَّمَامُ، وَيُقَالُ فِي مَاضِيهِ” كَمُلَ” بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا، وَيَكْمُلُ فِي مضارعة بالضم، وكمال كل شي بِحَسْبِهِ. وَالْكَمَالُ الْمُطْلَقُ إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً. وَلَا شَكَ أَنَّ أَكْمَلَ نَوْعِ الْإِنْسَانِ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ يَلِيهِمُ الْأَوْلِيَاءُ مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْكَمَالَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ يَعْنِي بِهِ النُّبُوَّةَ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ عَلَيْهَا السَّلَامُ وَآسِيَةُ نَبِيَّتَيْنِ، وَقَدْ قِيلَ بِذَلِكَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهَا بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ كَمَا أَوْحَى إِلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ حَسْبَ مَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي بَيَانُهُ أَيْضًا فِي” مَرْيَمَ”

وَأَمَّا آسِيَةُ فَلَمْ يَرِدْ مَا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهَا دِلَالَةً وَاضِحَةً بَلْ عَلَى صِدِّيقِيَّتِهَا وَفَضْلِهَا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي” التَّحْرِيمِ” «2».

وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: (خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ أَرْبَعٌ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ). وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ (. وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ عَنْهُ:) سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَعْدَ مَرْيَمَ فَاطِمَةُ وَخَدِيجَةُ). فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ مَرْيَمَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ نِسَاءِ الْعَالَمِ مِنْ حَوَّاءَ إِلَى آخِرِ امْرَأَةٍ تَقُومُ عَلَيْهَا السَّاعَةُ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ بَلَّغَتْهَا الْوَحْيَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالتَّكْلِيفِ وَالْإِخْبَارِ وَالْبِشَارَةِ كَمَا بَلَّغَتْ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ، فَهِيَ إِذًا نَبِيَّةٌ وَالنَّبِيُّ أَفْضَلُ مِنَ الْوَلِيِّ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ النِّسَاءِ: الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مُطْلَقًا. ثُمَّ بَعْدَهَا فِي الْفَضِيلَةِ فَاطِمَةُ ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ آسِيَةُ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ثُمَّ فَاطِمَةُ ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ آسِيَةُ). وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ. وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ مَرْيَمَ بِمَا لَمْ يُؤْتِهِ أَحَدًا مِنَ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ روج الْقُدُسِ كَلَّمَهَا وَظَهَرَ لَهَا وَنَفَخَ فِي دِرْعِهَا وَدَنَا مِنْهَا لِلنَّفْخَةِ، فَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ النساء. 

ثم بيَّن حجة مخالفيه، فقال:

وَمَنْ قَالَ لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً قَالَ: إِنَّ رُؤْيَتَهَا لِلْمَلَكِ كَمَا رُئِيَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صِفَةِ دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ حِينَ سُؤَالِهِ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَلَمْ تَكُنِ الصَّحَابَةُ بِذَلِكَ أَنْبِيَاءَ والأول أظهر وعليه الأكثر. والله أعلم.