تكفير الأشعرية لمن أخذ بالكتاب والسنة وقول الصحابة وخالف المذاهب

قال أحمد بن محمد الخلوتي الأشعري، الشهير بالصاوي. (المتوفى: 1241 هـ):

ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك للكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر.

انتهى كلامه

ونعوذ بالله من كلامه

 

من زعم أن إلهنا محدود، فقد جهل الخالق المعبود | كذب الجهمية على الإمام علي

الجهمية ينقلون هذا الكلام ويؤمنون به، ويكذبون به نصوص القرآن، والسنة الصحية، وأقوال الصحابة الصحيحة التي تدل على علو الله تعالى، وأنه فوق عرشه، ويكذبون به إجماع السلف على أن بين الله وبين خلقه حدٌّ، تعالى ربنا عن الاختلاط بخلقه كما تزعم الجهمية

وهذا الأثر الباطل لم يخرجه في كتاب إلا أبو نعيم في كتابه “حلية الأولياء” ج1ص72

وأبو نعيم الذي الذي كان المخرج الوحيد لهذا الكلام، يبين لهم بعد 4 أسطر أنه مرسل، والمرسل ضعيف، فمعناه أن الذي نقل هذا الكلام شخص مجهول.

قال أبو نعيم “هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ كَذَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْهُ مُرْسَلًا”
فأحد نقلة الكلام واسمه “محمد بن اسحاق” نقل الكلام عن رجل اسمه “النعمان”، لكن محمد بن اسحاق لم يلتقِ بالنعمان هذا، فهناك شخص أخبر محمد بن إسحاق بهذا الكلام، وقال له ان النعمان قاله، وهذا الشخص مجهول. فجاءت الجهمية آمنت بكلام هذا المجهول لأنه موافق لأهوائهم.

ابن إسحاق هذا الذي روى الكلام قال عنه الذهبي: وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأسباب منها أنه كان يتشيع، وينسب إلى القدر، ويدلس في حديثه، فأما الصدق فليس بمدفوع عنه. [تاريخ الإسلام ج2ص7]

ثم ان مؤلف الكتاب بنفسه أثبت الحَدَّ، فهل سيثبت الحد، ويروي رواية تدل على جهل من أثبت الحد، إلا إذا كانت باطلة؟
قال أبو نعيم: وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه. (نقله الذهبي في كتاب العلو برقم 561)

الشافعي يروي في مسنده ان الله تعالى استوى على العرش يوم الجمعة

قال الشافعي في مسنده: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْأَزْهَرِ مُعَاوِيَةُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: أَتَى جِبْرِيلُ بِمِرْآةٍ بَيْضَاءَ فِيهَا وَكْتَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا هَذِهِ؟» قَالَ: هَذِهِ الْجُمُعَةُ فُضِّلْتَ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ…. وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي اسْتَوَى فِيهِ رَبُّكُمْ عَلَى الْعَرْشِ

ولم يصح عن الشافعي إنكار هذا الكلام أو انكار شيء شبيه به

هل قال الشافعي (إنه تعالى كان ولا مكان فخلق المكان وهو على صفة الأزلية كما كان قبل خلقه المكان لا يجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته) ؟

هل قال الشافعي (والدليل عليه هو إنه تعالى كان ولا مكان فخلق المكان وهو على صفة الأزلية كما كان قبل خلقه المكان لا يجوز عليه التغيير في ذاته ولا التبديل في صفاته) ؟

 

الجواب:

هذا نقله “مرتضى الزبيدي” في كتاب اتحاف السادة المتقين (ج2ص24) والزبيدي هذا هلك في بعد وفاة الإمام الشافعي بألف سنة وسنة، فالشافعي توفاه الله تعالى في عام 204هـ والزبيدي هلك في عام 1205هـ فمِن أين جاء بهذا الكلام؟ وهو كلام ليس في كتب الشافعي، ولم ينقله أهل العلم عن الشَّافعي خلال ألف سنة، حتى جاء الزبيدي هذا ونسبه الشافعي، فهل كلَّمه من القبر، أم في المنام؟! فظهر لك كذب الزبيدي كعادة الأشاعرة في كذبهم على أهل العلم.

 

من ناحية اخرى فإن الشافعي روى في مسنده ان الله تعالى استوى على العرش يوم الجمعة، ولم يذكر نكيرا لهذا الكلام، ولو كان يراه كلام كفر فكيف ينشره بين الناس؟ فكان الواجب عليه أنه كما رواه ونشره، أن يبين عقيدته تجاهه، ولكنه سكت، فجاء الزبيدي فأخذ كلام الجهمية ونسبه للشافعي دون حياء. فلماذا يستحي وهو يعرف أن الأشاعرة يصدقون أي كلام يؤيد عقيدتهم الفوطيّة، ولا يقرأون كلام اهل السنة الذين يكشفون أكاذيب الزبيدي وأمثاله!

هل قال الشافعي (المجسم كافر) أو (لا يُكفَّر أهل القبلة وأستثني المجسم) ؟

هل قال الشافعي (المجسم كافر) أو (لا يُكفَّر أهل القبلة وأستثني المجسم)؟

الجواب: 

هذه من الأكاذيب التي يخترعها الأشاعرة وينسبونها للعلماء، فهذا الكلام ليس في كتب الشافعي، ولا كتب تلاميذه، ولا له إسناد، وإنما زعم السيوطي كاذبا في كتابه “الأشباه والنظائر ص 488” أن الشافعي قاله، والسيوطي مات في القرن الثامن، ولم يذكر اسنادا ولا مصدرا لكلامه، فعلم أنه كاذب.

 

ولا يستغرب منه الكذب، فقد علم عنه أهل زمانه ذلك، فقد قال عنه السَّخاوي: “جَاءَنِي مرّة وَزعم انه قَرَأَ مُسْند الشَّافِعِي على القمصي فِي يَوْم، فَلم يلبث أَن جَاءَ القمصي وَأَخْبرنِي مُتَبَرعا بِمَا تضمن كذبه” وكى أشياء أخرى تدل على أنه كان كذابا (تجدون المصدر هنا: http://asha3era.com/?p=598)

______________

 

أما تكفير المجسمة الذين يشبهون الله بخلقه، فقد قال ابن تيمية:

المشبه الذى يثبت الإله على صفة بشر بها معها بخلقه ، والمجسم كذلك لأنه إذا أثبت جسما بحيز معين فإنه يشبهه بالأجسام المحدثة، فثبت أن المجسم مشبه، وكل مشبه كافر بالإجماع، فالمجسم كافر [موقف ابن تيمية من الأشاعرة ج3ص971]

وقال ابن القيم:

قلنا نعم هذا المجسم كافر … أفكان ذلك كامل الإيمان [الكافية الشافية]

هل قال الشافعي “من قال أو إعتقد أنَّ الله جالسٌ على العرش فهو كافر” ؟

هل قال الشافعي “من قال أو إعتقد أنَّ الله جالسٌ على العرش فهو كافر” ؟

الجواب:

هذا الكلام كذب، فليس موجودا في كتب الشافعي ولا كتب تلاميذه، ولا في كتب كبار الشافعية، ولا في كتب مناقب الشافعي، ولا في كتب العقيدة المؤلفة في القرون التالية لحياة الشافعي، سواء كتب أهل السنة، أو كتب المبتدعة، وليس له إسناد، وإنما اخترعه أشعري فوطي مات في القرن الثامن الهجري (725هـ) اسمه ابن المعلم القرشي، ونسبه للشافعي.

 

وهذا القول يكفِّرون به الإمام وكيع بن الجرَّاح ، وسفيان الثوري، والأعمش

فد روى عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتابه “السنة”برقم 570 أو 585 حدثني أبي رحمه الله، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر رضي الله عنه قال: «إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سمع له أطيط كأطيط الرحل الجديد».

ثم قال: حدثني أبي، ثنا وكيع، بحديث إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر رضي الله عنه قال: «إذا جلس الرب عز وجل على الكرسي» فاقشعر رجل سماه أبي عند وكيع فغضب وكيع وقال: أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث لا ينكرونها

ولا شك بصحة هذا الكلام عن وكيع وسفيان والأعمش، فعبد الله بن أحمد إمام كبير، هو الذي نقل المسند عن أبيه، ورواه عن أبيه أحمد بن حنبل، وأحمد رواه عن شيخه وكيع، ووكيع حكاه عن سفيان والأعمش. فانظر كيف يفترس الأشاعرة؟!

البيهقي يثبت الاستواء، والعلو

قال البيهقي في “الاعتقاد” ص115

 

بَابُ الْقَوْلِ فِي الِاسْتِوَاءِ

قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، وَالْعَرْشُ هُوَ السَّرِيرُ الْمَشْهُورُ فِيمَا بَيْنَ الْعُقلَاءِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7]، وَقَالَ: {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129]، وَقَالَ: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} [البروج: 15]، وَقَالَ: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ} [الزمر: 75]، وَقَالَ: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [غافر: 7] الْآيَةَ، وَقَالَ: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17]، وَقَالَ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، وَقَالَ: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الرعد: 2]، وَقَالَ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرحمن}، وَقَالَ: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، وَقَالَ: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50]، وَقَالَ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10].

إِلَى سَائِرِ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَقَالَ: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، وَأَرَادَ مَنْ فَوْقَ السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]، يَعْنِي عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، وَقَالَ: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} [التوبة: 2]، يَعْنِي عَلَى الْأَرْضِ، وَكُلُّ مَا عَلَا فَهُوَ سَمَاءٌ، وَالْعَرْشُ أَعْلَى السَّمَاوَاتِ، فَمَعْنَى الْآيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَأَمِنْتُمْ مَنْ عَلَى الْعَرْشِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي سَائِرِ الْآيَاتِ.

وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، ثنا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيًّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ: «فَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِردَوْسَ؛ فَإِنَّهُ وَسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَتَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ».

 

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خُلَيٍّ، ثنا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي “.

 

قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْأَخْبَارُ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ، وَفِيمَا كَتَبْنَا مِنَ الْآيَاتِ دَلَالَةٌ عَلَى إِبْطَالِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.

 

وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ بِعِلْمِهِ لَا بِذَاتِهِ، ثُمَّ الْمَذْهبُ الصَّحِيحُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ دُونَ التَّكْيِيفِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالُوا: الِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ قَدْ نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ فِي غَيْرِ آيَةٍ، وَوَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ.

فَقَبُولُهُ مِنْ جِهَةِ التَّوْقِيفِ وَاجِبٌ، وَالْبَحْثُ عَنْهُ وَطَلَبُ الْكَيْفِيَّةِ لَهُ غَيْرُ جَائِزٍ.

 

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ زَيْرَكَ الْيَزْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ النَّضْرِ النَّيْسَابُورِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى، يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، كَيْفَ اسْتَوَى؟ قَالَ: فَأَطْرَقَ مَالِكٌ رَاسَهُ، حَتَّى عَلَاهُ الرُّحَضَاءُ ثُمَّ قَالَ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَمَا أَرَاكَ إِلَّا مُبْتَدِعًا، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يَخْرُجَ.

قَالَ الشَّيْخُ: وَعَلَى مِثْلِ هَذَا دَرَجَ أَكْثَرُ عُلَمَائِنَا فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِوَاءِ وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ وَالنِّزُولِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] وَقَالَ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210].

 

 

أين الله في السماء- اعتقها فإنها مؤمنة

أين الله في السماء- اعتقها فإنها مؤمنة

قال الإمام مسلم في صحيحه

33 – (537) حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، – وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ – قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِمْ» قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ، قَالَ: ” ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ – قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ – ” قَالَ قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قَالَ: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» قَالَ: وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا» فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»

توثيق قصة الجويني والهمداني حول علو الله (حيرني الهمداني)

القصة:

582 – قَالَ أَبُو مَنْصُور بن الْوَلِيد الْحَافِظ فِي رِسَالَة لَهُ إِلَى الزنجاني انبأنا عبد الْقَادِر الْحَافِظ بحران أَنبأَنَا الْحَافِظ أَبُو الْعَلَاء أَنبأَنَا أَبُو جَعْفَر بن أبي عَليّ الْحَافِظ قَالَ سَمِعت أَبَا الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وَقد سُئِلَ عَن قَوْله {الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى} فَقَالَ كَانَ الله وَلَا عرش وَجعل يتخبط فِي الْكَلَام فَقلت قد علمنَا مَا أَشرت إِلَيْهِ فَهَل عنْدك للضرورات من حِيلَة فَقَالَ مَا تُرِيدُ بِهَذَا القَوْل وَمَا تَعْنِي بِهَذِهِ الْإِشَارَة فَقلت مَا قَالَ عَارِف قطّ يَا رباه إِلَّا قبل أَن يَتَحَرَّك لِسَانه قَامَ من بَاطِنه قصد لَا يلْتَفت يمنة وَلَا يسرة يقْصد الفوق فَهَل لهَذَا الْقَصْد الضَّرُورِيّ عنْدك من حِيلَة فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت وبكيت وَبكى الْخلق فَضرب الْأُسْتَاذ بكمه على السرير وَصَاح ياللحيرة وخرق مَا كَانَ عَلَيْهِ وانخلع وَصَارَت قِيَامَة فِي الْمَسْجِد وَنزل وَلم يجبني إِلَّا يَا حَبِيبِي الْحيرَة الْحيرَة والدهشة الدهشة فَسمِعت بعد ذَلِك أَصْحَابه يَقُولُونَ سمعناه يَقُول حيرني الْهَمدَانِي // توفّي إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَله سِتُّونَ سنة وَكَانَ من بحور الْعلم فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع يتوقد ذكاء

 

وفقه الله
افتراضي سعيد فودة وخيانته العلمية في قصة أبي جعفر الهمداني مع الجويني !!!
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه وبعد …
فهذا تعليق بسيط على مقطع مصور للمدعو سعيد فودة يتكلم فيه على القصة المشهورة لأبي جعفر الهمداني مع ابي المعالي الجويني والقصة صحيحة السند بلا شك لولا أن هذا الرجل تكلم في تضعيفها ليتخذها سلماً للطعن في شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله ،وأنه يحكي القصص المكذوبة ويعتمد عليها كدليل على علو الله سبحانه وتعالى على خلقه …
وقبل أن أتناول كلامه بالتعليق أذكر أولا القصة بإسنادها :
– فالقصة ذكرها شيخ الاسلام في مواضع من كتبه كما في كتاب الاستقامة وفي مجموع الفتاوي وفي بيان تلبيس الجهية حيث قال رحمه الله :
– ” ومن هذا الباب: ما ذكره محمد بن طاهر المقدسي في حكايته المعروفة: أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مرة والأستاذ أبو المعالي يذكر على المنبر: ” كان الله ولا عرش ” ونفى الاستواء – على ما عرف من قوله وإن كان في آخر عمره رجع عن هذه العقيدة ومات على دين أمه وعجائز نيسابور – قال فقال الشيخ أبو جعفر ” يا أستاذ دعنا من ذكر العرش – يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع – أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا: ما قال عارف قط ” يا الله ” إلا وجد من قلبه معنى يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ “. فصرخ أبو المعالي ووضع يده على رأسه وقال : حيرني الهمداني” ا.هـ
والقصة بهذا السند صحيحة فمحمد ابن طاهر المقدسي حافظ مشهور وكذا أبوجعفر الهمداني حافظ معروف ولقد حاول سعيد فودة الطعن فيهما فأبان عن جهل عظيم ،وكذب صراح مع ما في كلامه من بتر للنصوص وتحريف للمعاني كما سيأتي ..
وهذا القصة أسندها الذهبي رحمه الله من طريق آخر مسلسل بالحفاظ فقال :
” قال أبو منصور بن الوليد الحافظ في رسالة له إلى الزنجاني انبأنا عبد القادر الحافظ بحران أنبأنا الحافظ أبو العلاء أنبأنا أبو جعفر بن أبي علي الحافظ قال سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله ” الرحمن على العرش استوى” فقال كان الله ولا عرش وجعل يتخبط في الكلام فقلت قد علمنا ما أشرت إليه فهل عندك للضرورات من حيلة….” ا.ه
قال الألباني في “مختصر العلو”ص277: “إسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحفاظ“.
– وهذا الإسناد كما هو واضح مبتدأ بقول الذهبي قال أبو منصور بن الوليد الحافظ في رسالة له إلى سعد الزنجاني. وهذايعني أن الذهبي يروي هذه القصة من رسالة ثابتة للحافظ أبي منصور بن الوليد رحمه الله بما يفيد أن الرواية متصلة وإن لم يلق الذهبي أبا منصور ،والسند كما هو واضح مسلسل بالحفاظ ..
– فالرواية صحيحة متصلة من كلا الطريقين :
1- طريق محمد بن طاهر المقدسي حكاية عن أبي جعفر وهما متعاصران بلا شك ،فقد ولد أبو جعفر بعد الأربعين وأربعمائة ،وولد المقدسي في ثمان وأربعين وأربعمائة ،وذكر أهل العلم المقدسي محمد بن طاهر فيمن رووا عن الهمداني كما سيأتي .
2- وطريق الذهبي فما رواه من رسالة أبي منصور بن الوليد إلى الزنجاني .
– فجاء فودة في هذا المقطع وأخذ يتحامق على من حوله ويقول من هو أبو جعفر الهمداني ؟ ومتى ولد ؟ وأوهم ان فيه إشكالية وأنه غير معروف ولا معروف متى ولد ولا شيء يثبت لقاءه بالجويني وهكذا …
فقال في الدقيقة 7.15 – 8.15 من تسجيله نقلا عن الألباني في مختصر العلو وقد بتره بتراً عجيباً إذ استل من وسط الكلام الذي لا يتعدى السطرين قوله :” أبو جعفر الهمداني واسمه محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الهمداني مات سنة 531 “ ا.هـ
بينما نص كلام الألباني رحمه الله بتمامه هو : “ قلت: وإسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحفاظ، وأبو جعفر اسمه محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الهمداني مات سنة “531”، وقد وصفه ابن تيمية في “مجموعة الفتاوى” “4/ 44″ بـ”الشيخ العارف”.
فكيف طاب لك أن تستل من كلامه ما تريد وتبت تصحيحه ؟
ثم قال : “ولا واحد حتى الان ذر متى ولد الهمداني “!
وإن تعجب فعجب ممن يحتج بكلام الألباني الذي لا دليل فيه على شيء اللهم إلا ذكر وفاته ، ويترك تصحيحه الصريح للسند !
فلم ذكرت الألباني إذن ؟ هل هو استكثار من ذكر الأسماء لتوهم أن بحثك علمي وأنك مطلع على أقوال الناس في الهمداني ؟ فالألباني لم يذكر تضعيفاً للرجل ولم يذكر بعد اسمه إلا سنة وفاته ! وماذا يفيد ذلك ؟ وكم من عالم يذكر العلماء سنة وفاته ولا يذكر سنة ولادته وهي معلومه أو مظنونه ؟ ولكن السؤال هنا : لماذا ذكرت الألباني هنا ، ولماذا تعمدت بتر كلامه في تصحيح السند ؟ !
ولماذا لم تبحث عن ترجمة الهمداني في مظانها يا محقق ؟ فلقد ارتضيت واستشهدت بقول الذهبي في محمد بن طاهر المقدسي مع بترك لكلامه ! أعجزت أن تبحث عن ترجمة أبي جعفر عنده ؟!
أما لديك الشاملة يا رجل ؟
فها هي ترجمة أبي جعفر الهمداني في سير أعلام النبلاء وفي تاريخ الاسلام قال رحمه الله :
” الشيخ الإمام الحافظ الرحال الزاهد بقية السلف والأثبات ، أبو جعفر محمد بن أبي علي الحسن بن محمد بن عبد الله ، الهمذاني . ولد بعد الأربعين وأربعمائة .
وقدمبغداد، سنة ستين ، فسمع بها قليلا ، ثم ارتحل ، فسمع من أبي الحسين بن النقور ،وأبي القاسم بن البسري،وأبي نصر الزينبي، وخلق ،وبنيسابورمنالفضل بن المحب،وأبي صالح المؤذن، وخلق ،وبمكةمنأبي علي الشافعيوسعد الزنجاني،وبجرجانمنإسماعيل بن مسعدة، وطائفة ،وبمرومنأبي الخير محمد بن أبي عمران،وبهراةمنأبي إسماعيل الأنصاري، وعدة ،وبهمذان.
وحدث ب ” الجامع ” لأبي عيسى عن أبي عامر الأزدي ،ومحمد بن محمد بن العلاء،وثابت بن سهلك القاضيعنالجراحي. وكان من أئمة أهل الأثر ، ومن كبراء الصوفية.
قال السمعاني: سافر الكثير إلى البلدان الشاسعة ، ونسخ بخطه ، وما أعرف أحدا في عصره سمع أكثر منه .
……قلت : حدث عنه : ابن طاهر المقدسي،وأبو العلاء العطار،وعبد الرحمن بن عبد الوهاب بن المعزم، وآخرون . وهو الذي قام في مجلس وعظإمام الحرمين، وأورد عليه في مسألة العلو …


توفي أبو جعفر في نصف ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة .  ا.هـ سير أعلام النبلاء .
– فتبين أن الرجل معروف وأنه ثبت حافظ رحالة حدث عنه العلماء ،وتبين مولده وأنه ولد بعد الأربعين وأنه وأنه رحمه الله معمر ،فانتفى تدليس فودة وإيهامه بأنه مجهول ولم يدرك الجويني !
ثم انتقل فودة إلى كذبة أخرى أو جهالة أخرى من جهالاته وهو ذكره لتضعيف ابن كثير للهمداني فقال في الدقيقة 9.1 حاكيا تضعيف الإمام ابن كثير له – وتأمل قوله الإمام ابن كثير !- :
 أبو علي الحسن بن محمد الهمداني الي هو ذكره الألباني في مختصر العلو يقول : ضعيف ، وفيما ينقله نكارة ، ولا يكاد يخلو ما يرويه عن غرابة ونكارة” ا.هـ
وهذا لعمر الله كذب صراح !!!
فليس هذا هو ما ذكره ابن كثير وليس كلامه هذا عن أبي جعفر الهمداني صاحب القصة !
ولقد تعمد فودة تحريف اسمه فسماه: ” أبو علي الحسن بن محمد الهمداني “ وأكد ذلك بأنه هو الذي ذكره الألباني في مختصر العلو ، في حين أن ابن كثير يتكلم في ” أبي علي الحسين بن الحسن الهمداني المعروف بان حكمان ” وهذا نص كلامه رحمه الله : وأبو علي الحسن بن الحسين الهمداني ، المعروف بابن حكمان ، وهو ضعيف ، وفيما ينقله نكارة ، ولا يكاد يخلو ما يرويه عن غرابة ونكارة” ا.هـ
فيا لها من فضيحة لهذا المتعالم المحتال ،وهل يفعل ذلك مسلم يخاف الله ويخشى عذابه ؟
لقد تعمد فودة تحريف اسم الهمداني الذي ذكره ابن كثير وضعفه ، ليستقيم له كذبه ويحكم بذلك تدليسه وبغيه ،ألا لعنة الله على الكاذبين !
– أما ابن حكمان الذي تكلم عليه ابن كثير وضعفه هو : الحسن بن الحسين بن حكمان بن جعفر الخطيب الدينار آبادي أبو علي الهمداني الشافعي توفي سنة 405 خمس وأربعمائة. له الواضح النفيس في مناقب الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله : ا.هـ صـ 79 من كتاب ” هدية العارفين” للباباني

وهذا الرجل هو الذي ذكره ابن كثير فيمن كتب في مناقب الشافعي في الموضع الذكور وضعفه ، وواضح أنه متقدم عن صاحبنا أبو جعفر بما يزيد عن أربعين سنة .
– أما محمد بن طاهر المقدسي فقد أعمل فيه فودة كل ما يمكنه من تدليس وكذب واحتيال ليطعن فيه وفي عدالته ، فاقتصر أولا على إيراد الذم فيه وضرب صفحاً عن ثناء العلماء عليه ووصفهم إياه بالحفظ والفضل ، ثم أخذ يغمزه تارة بأنه صوفي ملامتي ، وتارة بأنه إباحي ، وتارة بأنه يلحن يخطأ في النحو ، وكل هذا يذكره على وجه الذم والطعن ،ويفسره على غير وجهه …
– أما اقتصاره على وجوه الطعن فهذا من التدليس والكذب وعدم الأمانة العلمية ولقد اعتدنا ذلك من الرجل فلم ننزعج من ذلك ،فقد نقل عن الذهبي رحمه الله قوله في ميزان الاعتدال :
 ليس بالقوى، فإنه له أوهام كثيرة في تواليفه. ونقل قول ابن ناصر فيه بأنه لا يحتجبه لأنه ألف كتابا في جواز النظر إلى المرد ونقل قول ابن عساكر أيضا بأنه يخطئ في النحو ونقل قول الذهبي :

” قلت : وله انحراف عن السنة إلى تصوف غير مرضى،” ا.هـ
– ثم اقتصر على ذلك مع أن تمام عبارة الذهبي السابقة قوله : ” وهو في نفسه صدوق لم يتهم.” وهي تلخص رأي الذهبي فيه ، ولكنه تعمد بتره وإخفاءه شانه شأن المبتدعة في كل زمان ، فغنهم يذكرون مالم ولا يذكرون ما عليهم ، ولعله يقطع بأن من يتكلم فيهم دراويش لا شأن لهم بهذا العلم !
فهل يؤتمن مثل هذا المدلس على نقل بعد ذلك ؟!
– وإذا ما تجاوزنا كل ذلك فقد ترجم له الذهبي رحمه الله في تذكرة الحفاظ ترجمة واسعة وذكر شيئاً من رحلاته وشيوخه وفضله وثناء العلماء عليه ،ورد على ما حاول النيل منه ،ودافع عنه ، فرد على أبي عبد الله الدقاق فقال : “وقد ذكره الدقاق في رسالته فحط عليه وقال: كان صوفيا ملامتيا سكن الري ثم همذان، له كتاب “صفوة التصوف” وله أدنى معرفة بالحديث في باب شيوخ البخاري ومسلم وغيرهما. قلت: هو أحفظ منك بكثير يا هذا؛ ثم قال: وذكر لي عند الإباحة قلت: بل الرجل مسلم معظم للآثار، وإنما كان يرى إباحة السماع لا الإباحة المطلقة التي هي ضرب من الزندقة والانحلال”ا.هـ
علماً بأن الدقاق ليس رجلاً أشعرياً يريد أن يغمز المقدسي فرد عليه الذهبي بهذا القول الشديد ، بل الدقاق على عكس ذلك تماما فهو يبالغ في ذم الأشعرية ومع ذلك فيقول عنه الذهبي في ترجمته في تذكرة الحفاظ :
 وكان الدقاق صالحًا فقيرًا متعففًا صاحب سنة واتباع إلا أنه كان يبالغ في تعظيم عبد الرحمن شيخه ويؤذي الأشعرية.” فتأمل كيف ينكر الذهبي على الدقاق بأنه يتعصب لشيخه وأنه يؤذي الأشعرية، وضع هذا في صدر من يفتري على هذا الإمام ويطعن في إنصافه وأنه يتحامل على المخالفين له ويحط منهم .

– وكذلك فقد رد على ابن ناصر قوله بأنه لا يحتج به فقال :
” وقال بن ناصر: بن طاهر لا يحتج به، صنف في جواز النظر إلى المرد وكان يذهب مذهب الإباحة. قلت: معلوم جواز النظر إلى الملاح عند الظاهرية وهو منهم.” ا.هـ
– فتبين من ذلك كذب فودة وتدليسه حيث اقتصر على نقل بعض الطعون التي لا تحط من قيمة الرجل ولا تخدش في عدالته .
– ولقد فسر فودة ومن حوله مسألة الإباحة على أنها التحلل من التزام الأحكام أو ” إسقاط الشريعة ” على حد قول هذا الكذاب وقال في لدقيقة 4.2 ” في سند هذه القصة في بعض الناس الصوفية الذين يقولون بالإباحة ،عارفين ايش معنى الاباحة ؟ يعني بسقوط الشرائع أو بإباحة الأشياء التي حرمها الله سبحانه وتعالى “ وقال في الدقيقة : 11.15 من تسجيله : ” مذهب الإباحة إسقاط الشريعة ” وفسرها بأنها ” إباحة المحرمات” وأخذ يغمز بهذا ويلمز وكان الرجل ساقط غارق في هذه المنكرات ! ومن حوله يعينونه على ذلك وهذا منتهى الجهل والجهالة والبعد عن التحقيق والانصاف فبئس الشيخ وبئس من يستمع له ويعينه على هذا اللغو!إذ كيف يذكر مثل هذا في كتب المحدثين أصحاب الرواية ويطلق عليهم أنهم حفاظ ؟ أليس لهؤلاء عقول ؟!
 بينما الاباحة المذكورة كما قال الذهبي هي إباحة السماع الصوفي الذي لا يختلف عليه صوفية الأشاعرة ،بل كانوا يتراقصون عليه كما ذكر عن العز بن عبد السلام !فالسماع هنا هو السماع الصوفي ولقد كان الرجل صوفياً ،ولذا قال الذهبي في موضع آخر تأكيداً لهذا المعنى :
” ألف السيف -رحمه الله تعالى- مجلدًا كبيرًا في الرد على الحافظ محمد بن طاهر المقدسي لإباحته للسماع وفي أماكن من كتاب ابن طاهر في صفوة أهل التصوف، وقد اختصرت هذا الكتاب على مقدار الربع، وانتفعت كثيرًا بتعاليق الحافظ سيف الدين.” ا.هـ تذكرة الحفاظ 4/ 59 ،والسيف المشار إليه هنا هو الإمام الحافظ الأوحد البارع الصالح سيف الدين أبو العباس أحمد بن المجد عيسى ابن الشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الصالح الحنبلي..
فكل ما حاول فودة إبرازه للطعن في المقدسي مردود عليه مبين أتم بيان ،وهو دليل إما على جهل الرجل وإما على تدليسه وكذبه …
– وقال الذهبي : ” وقال شيرويه – وهو ممن روى عنه-: كان ثقة صدوقا حافظا عالما بالصحيح والسقيم حسن المعرفة بالرجال والمتون كثير التصانيف جيد الخط لازما للطريقة بعيدا من الفضول والتعصب خفيف الروح قوي العمل في السر كثير الحج والعمرة.” ا.هـ

– فهذا هو محمد بن طاهر المقدسي رحمه الله وهذا هو أبو جعفر الهمداني وكلاهما ثقة حافظ فاضل له رحله وسماع وما ذكر فيهما لا يقدح مطلقاً في صدقهما وأمانتهما …
– أما الطريق الآخر وهو طريق الذهبي عن أبي منصور بن الوليد الحافظ رحمه الله، فقد دلس فيه فودة على أصحابه بأن السند فيه انقطاع، وأن الذهبي لم يلق أبا منصور وأخذ يذكر ميلاد الذهبي ووفاة أبي منصور ،وكأن الرجل من أهل التحقيق ، أو أنه قد كشف مستوراً وأبان عن دقيق المسائل ،وهو جاهل جويهل لا شأن له بهذا العلم الشريف ، ومن يتأمل كلامه ويدقق في ألفاظه وينظر إلى وجهه يعلم يقيناً أن الرجل متعالم لا صلة له بهذه العلوم …
– فالذهبي رحمه الله قد صرح بأنه يروي القصة بإسناد رسالة أبي منصور إلى سعد الزنجاني وقد أشار إلى ذلك السبكي ولم يقدر على أن يتحامق كهذا الرجل فقال في طبقاته : قد تكلف – أي الذهبي – لهذه الحكاية وأسندها بإجازة على إجازة مع ما في إسنادها ممن لا يخفى ا.هـ
فذكر أنها إجازة عن إجازة ولم يستطع أن يزيد على ذلك ،ووالله إنه لفي مقام بحيث لو وجد كلمة زيادة عن هذا التهويش لذكرها وطار بها ،ولكنه يعلم أن الفضيحة تتعقبه فاقتصر على هذا الغمز الذي لا قيمة له في ميزان البحث العلمي والأمر كما قال الألباني رحمه الله وقد سبق .
ولو عددنا تلدليس هذا الرجل وكذبه لما كفى مقالاً كهذا ولكني اقتصرت على ما يفي للدلالة على صحة القصة وبيان كذب هذا الدعي وتدليسه ويكفي من القلادة ما حاط بالعنق ، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

عقيدة الإمام الطبراني، وطعن الجهمية به وقولهم عنه مشبه وحشوي

كتب

وفقه الله

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه وبعد …
فهذا تعليق بسيط على مقطع مصور للمدعو سعيد فودة يتكلم فيه على القصة المشهورة لأبي جعفر الهمداني مع ابي المعالي الجويني والقصة صحيحة السند بلا شك لولا أن هذا الرجل تكلم في تضعيفها ليتخذها سلماً للطعن في شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله ،وأنه يحكي القصص المكذوبة ويعتمد عليها كدليل على علو الله سبحانه وتعالى على خلقه …
وقبل أن أتناول كلامه بالتعليق أذكر أولا القصة بإسنادها :
– فالقصة ذكرها شيخ الاسلام في مواضع من كتبه كما في كتاب الاستقامة وفي مجموع الفتاوي وفي بيان تلبيس الجهية حيث قال رحمه الله :
– ” ومن هذا الباب: ما ذكره محمد بن طاهر المقدسي في حكايته المعروفة: أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مرة والأستاذ أبو المعالي يذكر على المنبر: ” كان الله ولا عرش ” ونفى الاستواء – على ما عرف من قوله وإن كان في آخر عمره رجع عن هذه العقيدة ومات على دين أمه وعجائز نيسابور – قال فقال الشيخ أبو جعفر ” يا أستاذ دعنا من ذكر العرش – يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع – أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا: ما قال عارف قط ” يا الله ” إلا وجد من قلبه معنى يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ “. فصرخ أبو المعالي ووضع يده على رأسه وقال : حيرني الهمداني” ا.هـ
والقصة بهذا السند صحيحة فمحمد ابن طاهر المقدسي حافظ مشهور وكذا أبوجعفر الهمداني حافظ معروف ولقد حاول سعيد فودة الطعن فيهما فأبان عن جهل عظيم ،وكذب صراح مع ما في كلامه من بتر للنصوص وتحريف للمعاني كما سيأتي ..
وهذا القصة أسندها الذهبي رحمه الله من طريق آخر مسلسل بالحفاظ فقال :
” قال أبو منصور بن الوليد الحافظ في رسالة له إلى الزنجاني انبأنا عبد القادر الحافظ بحران أنبأنا الحافظ أبو العلاء أنبأنا أبو جعفر بن أبي علي الحافظ قال سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله ” الرحمن على العرش استوى” فقال كان الله ولا عرش وجعل يتخبط في الكلام فقلت قد علمنا ما أشرت إليه فهل عندك للضرورات من حيلة….” ا.ه
قال الألباني في “مختصر العلو”ص277: “إسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحفاظ“.
– وهذا الإسناد كما هو واضح مبتدأ بقول الذهبي قال أبو منصور بن الوليد الحافظ في رسالة له إلى سعد الزنجاني. وهذايعني أن الذهبي يروي هذه القصة من رسالة ثابتة للحافظ أبي منصور بن الوليد رحمه الله بما يفيد أن الرواية متصلة وإن لم يلق الذهبي أبا منصور ،والسند كما هو واضح مسلسل بالحفاظ ..
– فالرواية صحيحة متصلة من كلا الطريقين :
1- طريق محمد بن طاهر المقدسي حكاية عن أبي جعفر وهما متعاصران بلا شك ،فقد ولد أبو جعفر بعد الأربعين وأربعمائة ،وولد المقدسي في ثمان وأربعين وأربعمائة ،وذكر أهل العلم المقدسي محمد بن طاهر فيمن رووا عن الهمداني كما سيأتي .
2- وطريق الذهبي فما رواه من رسالة أبي منصور بن الوليد إلى الزنجاني .
– فجاء فودة في هذا المقطع وأخذ يتحامق على من حوله ويقول من هو أبو جعفر الهمداني ؟ ومتى ولد ؟ وأوهم ان فيه إشكالية وأنه غير معروف ولا معروف متى ولد ولا شيء يثبت لقاءه بالجويني وهكذا …
فقال في الدقيقة 7.15 – 8.15 من تسجيله نقلا عن الألباني في مختصر العلو وقد بتره بتراً عجيباً إذ استل من وسط الكلام الذي لا يتعدى السطرين قوله :” أبو جعفر الهمداني واسمه محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الهمداني مات سنة 531 “ ا.هـ
بينما نص كلام الألباني رحمه الله بتمامه هو : “ قلت: وإسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحفاظ، وأبو جعفر اسمه محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الهمداني مات سنة “531”، وقد وصفه ابن تيمية في “مجموعة الفتاوى” “4/ 44″ بـ”الشيخ العارف”.
فكيف طاب لك أن تستل من كلامه ما تريد وتبت تصحيحه ؟
ثم قال : “ولا واحد حتى الان ذر متى ولد الهمداني “!
وإن تعجب فعجب ممن يحتج بكلام الألباني الذي لا دليل فيه على شيء اللهم إلا ذكر وفاته ، ويترك تصحيحه الصريح للسند !
فلم ذكرت الألباني إذن ؟ هل هو استكثار من ذكر الأسماء لتوهم أن بحثك علمي وأنك مطلع على أقوال الناس في الهمداني ؟ فالألباني لم يذكر تضعيفاً للرجل ولم يذكر بعد اسمه إلا سنة وفاته ! وماذا يفيد ذلك ؟ وكم من عالم يذكر العلماء سنة وفاته ولا يذكر سنة ولادته وهي معلومه أو مظنونه ؟ ولكن السؤال هنا : لماذا ذكرت الألباني هنا ، ولماذا تعمدت بتر كلامه في تصحيح السند ؟ !
ولماذا لم تبحث عن ترجمة الهمداني في مظانها يا محقق ؟ فلقد ارتضيت واستشهدت بقول الذهبي في محمد بن طاهر المقدسي مع بترك لكلامه ! أعجزت أن تبحث عن ترجمة أبي جعفر عنده ؟!
أما لديك الشاملة يا رجل ؟
فها هي ترجمة أبي جعفر الهمداني في سير أعلام النبلاء وفي تاريخ الاسلام قال رحمه الله :
” الشيخ الإمام الحافظ الرحال الزاهد بقية السلف والأثبات ، أبو جعفر محمد بن أبي علي الحسن بن محمد بن عبد الله ، الهمذاني . ولد بعد الأربعين وأربعمائة .
وقدمبغداد، سنة ستين ، فسمع بها قليلا ، ثم ارتحل ، فسمع من أبي الحسين بن النقور ،وأبي القاسم بن البسري،وأبي نصر الزينبي، وخلق ،وبنيسابورمنالفضل بن المحب،وأبي صالح المؤذن، وخلق ،وبمكةمنأبي علي الشافعيوسعد الزنجاني،وبجرجانمنإسماعيل بن مسعدة، وطائفة ،وبمرومنأبي الخير محمد بن أبي عمران،وبهراةمنأبي إسماعيل الأنصاري، وعدة ،وبهمذان.
وحدث ب ” الجامع ” لأبي عيسى عن أبي عامر الأزدي ،ومحمد بن محمد بن العلاء،وثابت بن سهلك القاضيعنالجراحي. وكان من أئمة أهل الأثر ، ومن كبراء الصوفية.
قال السمعاني: سافر الكثير إلى البلدان الشاسعة ، ونسخ بخطه ، وما أعرف أحدا في عصره سمع أكثر منه .
……قلت : حدث عنه : ابن طاهر المقدسي،وأبو العلاء العطار،وعبد الرحمن بن عبد الوهاب بن المعزم، وآخرون . وهو الذي قام في مجلس وعظإمام الحرمين، وأورد عليه في مسألة العلو …


توفي أبو جعفر في نصف ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة .  ا.هـ سير أعلام النبلاء .
– فتبين أن الرجل معروف وأنه ثبت حافظ رحالة حدث عنه العلماء ،وتبين مولده وأنه ولد بعد الأربعين وأنه وأنه رحمه الله معمر ،فانتفى تدليس فودة وإيهامه بأنه مجهول ولم يدرك الجويني !
ثم انتقل فودة إلى كذبة أخرى أو جهالة أخرى من جهالاته وهو ذكره لتضعيف ابن كثير للهمداني فقال في الدقيقة 9.1 حاكيا تضعيف الإمام ابن كثير له – وتأمل قوله الإمام ابن كثير !- :
 أبو علي الحسن بن محمد الهمداني الي هو ذكره الألباني في مختصر العلو يقول : ضعيف ، وفيما ينقله نكارة ، ولا يكاد يخلو ما يرويه عن غرابة ونكارة” ا.هـ
وهذا لعمر الله كذب صراح !!!
فليس هذا هو ما ذكره ابن كثير وليس كلامه هذا عن أبي جعفر الهمداني صاحب القصة !
ولقد تعمد فودة تحريف اسمه فسماه: ” أبو علي الحسن بن محمد الهمداني “ وأكد ذلك بأنه هو الذي ذكره الألباني في مختصر العلو ، في حين أن ابن كثير يتكلم في ” أبي علي الحسين بن الحسن الهمداني المعروف بان حكمان ” وهذا نص كلامه رحمه الله : وأبو علي الحسن بن الحسين الهمداني ، المعروف بابن حكمان ، وهو ضعيف ، وفيما ينقله نكارة ، ولا يكاد يخلو ما يرويه عن غرابة ونكارة” ا.هـ
فيا لها من فضيحة لهذا المتعالم المحتال ،وهل يفعل ذلك مسلم يخاف الله ويخشى عذابه ؟
لقد تعمد فودة تحريف اسم الهمداني الذي ذكره ابن كثير وضعفه ، ليستقيم له كذبه ويحكم بذلك تدليسه وبغيه ،ألا لعنة الله على الكاذبين !
– أما ابن حكمان الذي تكلم عليه ابن كثير وضعفه هو : الحسن بن الحسين بن حكمان بن جعفر الخطيب الدينار آبادي أبو علي الهمداني الشافعي توفي سنة 405 خمس وأربعمائة. له الواضح النفيس في مناقب الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله : ا.هـ صـ 79 من كتاب ” هدية العارفين” للباباني

وهذا الرجل هو الذي ذكره ابن كثير فيمن كتب في مناقب الشافعي في الموضع الذكور وضعفه ، وواضح أنه متقدم عن صاحبنا أبو جعفر بما يزيد عن أربعين سنة .
– أما محمد بن طاهر المقدسي فقد أعمل فيه فودة كل ما يمكنه من تدليس وكذب واحتيال ليطعن فيه وفي عدالته ، فاقتصر أولا على إيراد الذم فيه وضرب صفحاً عن ثناء العلماء عليه ووصفهم إياه بالحفظ والفضل ، ثم أخذ يغمزه تارة بأنه صوفي ملامتي ، وتارة بأنه إباحي ، وتارة بأنه يلحن يخطأ في النحو ، وكل هذا يذكره على وجه الذم والطعن ،ويفسره على غير وجهه …
– أما اقتصاره على وجوه الطعن فهذا من التدليس والكذب وعدم الأمانة العلمية ولقد اعتدنا ذلك من الرجل فلم ننزعج من ذلك ،فقد نقل عن الذهبي رحمه الله قوله في ميزان الاعتدال :
 ليس بالقوى، فإنه له أوهام كثيرة في تواليفه. ونقل قول ابن ناصر فيه بأنه لا يحتجبه لأنه ألف كتابا في جواز النظر إلى المرد ونقل قول ابن عساكر أيضا بأنه يخطئ في النحو ونقل قول الذهبي :

” قلت : وله انحراف عن السنة إلى تصوف غير مرضى،” ا.هـ
– ثم اقتصر على ذلك مع أن تمام عبارة الذهبي السابقة قوله : ” وهو في نفسه صدوق لم يتهم.” وهي تلخص رأي الذهبي فيه ، ولكنه تعمد بتره وإخفاءه شانه شأن المبتدعة في كل زمان ، فغنهم يذكرون مالم ولا يذكرون ما عليهم ، ولعله يقطع بأن من يتكلم فيهم دراويش لا شأن لهم بهذا العلم !
فهل يؤتمن مثل هذا المدلس على نقل بعد ذلك ؟!
– وإذا ما تجاوزنا كل ذلك فقد ترجم له الذهبي رحمه الله في تذكرة الحفاظ ترجمة واسعة وذكر شيئاً من رحلاته وشيوخه وفضله وثناء العلماء عليه ،ورد على ما حاول النيل منه ،ودافع عنه ، فرد على أبي عبد الله الدقاق فقال : “وقد ذكره الدقاق في رسالته فحط عليه وقال: كان صوفيا ملامتيا سكن الري ثم همذان، له كتاب “صفوة التصوف” وله أدنى معرفة بالحديث في باب شيوخ البخاري ومسلم وغيرهما. قلت: هو أحفظ منك بكثير يا هذا؛ ثم قال: وذكر لي عند الإباحة قلت: بل الرجل مسلم معظم للآثار، وإنما كان يرى إباحة السماع لا الإباحة المطلقة التي هي ضرب من الزندقة والانحلال”ا.هـ
علماً بأن الدقاق ليس رجلاً أشعرياً يريد أن يغمز المقدسي فرد عليه الذهبي بهذا القول الشديد ، بل الدقاق على عكس ذلك تماما فهو يبالغ في ذم الأشعرية ومع ذلك فيقول عنه الذهبي في ترجمته في تذكرة الحفاظ :
 وكان الدقاق صالحًا فقيرًا متعففًا صاحب سنة واتباع إلا أنه كان يبالغ في تعظيم عبد الرحمن شيخه ويؤذي الأشعرية.” فتأمل كيف ينكر الذهبي على الدقاق بأنه يتعصب لشيخه وأنه يؤذي الأشعرية، وضع هذا في صدر من يفتري على هذا الإمام ويطعن في إنصافه وأنه يتحامل على المخالفين له ويحط منهم .

– وكذلك فقد رد على ابن ناصر قوله بأنه لا يحتج به فقال :
” وقال بن ناصر: بن طاهر لا يحتج به، صنف في جواز النظر إلى المرد وكان يذهب مذهب الإباحة. قلت: معلوم جواز النظر إلى الملاح عند الظاهرية وهو منهم.” ا.هـ
– فتبين من ذلك كذب فودة وتدليسه حيث اقتصر على نقل بعض الطعون التي لا تحط من قيمة الرجل ولا تخدش في عدالته .
– ولقد فسر فودة ومن حوله مسألة الإباحة على أنها التحلل من التزام الأحكام أو ” إسقاط الشريعة ” على حد قول هذا الكذاب وقال في لدقيقة 4.2 ” في سند هذه القصة في بعض الناس الصوفية الذين يقولون بالإباحة ،عارفين ايش معنى الاباحة ؟ يعني بسقوط الشرائع أو بإباحة الأشياء التي حرمها الله سبحانه وتعالى “ وقال في الدقيقة : 11.15 من تسجيله : ” مذهب الإباحة إسقاط الشريعة ” وفسرها بأنها ” إباحة المحرمات” وأخذ يغمز بهذا ويلمز وكان الرجل ساقط غارق في هذه المنكرات ! ومن حوله يعينونه على ذلك وهذا منتهى الجهل والجهالة والبعد عن التحقيق والانصاف فبئس الشيخ وبئس من يستمع له ويعينه على هذا اللغو!إذ كيف يذكر مثل هذا في كتب المحدثين أصحاب الرواية ويطلق عليهم أنهم حفاظ ؟ أليس لهؤلاء عقول ؟!
 بينما الاباحة المذكورة كما قال الذهبي هي إباحة السماع الصوفي الذي لا يختلف عليه صوفية الأشاعرة ،بل كانوا يتراقصون عليه كما ذكر عن العز بن عبد السلام !فالسماع هنا هو السماع الصوفي ولقد كان الرجل صوفياً ،ولذا قال الذهبي في موضع آخر تأكيداً لهذا المعنى :
” ألف السيف -رحمه الله تعالى- مجلدًا كبيرًا في الرد على الحافظ محمد بن طاهر المقدسي لإباحته للسماع وفي أماكن من كتاب ابن طاهر في صفوة أهل التصوف، وقد اختصرت هذا الكتاب على مقدار الربع، وانتفعت كثيرًا بتعاليق الحافظ سيف الدين.” ا.هـ تذكرة الحفاظ 4/ 59 ،والسيف المشار إليه هنا هو الإمام الحافظ الأوحد البارع الصالح سيف الدين أبو العباس أحمد بن المجد عيسى ابن الشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الصالح الحنبلي..
فكل ما حاول فودة إبرازه للطعن في المقدسي مردود عليه مبين أتم بيان ،وهو دليل إما على جهل الرجل وإما على تدليسه وكذبه …
– وقال الذهبي : ” وقال شيرويه – وهو ممن روى عنه-: كان ثقة صدوقا حافظا عالما بالصحيح والسقيم حسن المعرفة بالرجال والمتون كثير التصانيف جيد الخط لازما للطريقة بعيدا من الفضول والتعصب خفيف الروح قوي العمل في السر كثير الحج والعمرة.” ا.هـ

– فهذا هو محمد بن طاهر المقدسي رحمه الله وهذا هو أبو جعفر الهمداني وكلاهما ثقة حافظ فاضل له رحله وسماع وما ذكر فيهما لا يقدح مطلقاً في صدقهما وأمانتهما …
– أما الطريق الآخر وهو طريق الذهبي عن أبي منصور بن الوليد الحافظ رحمه الله، فقد دلس فيه فودة على أصحابه بأن السند فيه انقطاع، وأن الذهبي لم يلق أبا منصور وأخذ يذكر ميلاد الذهبي ووفاة أبي منصور ،وكأن الرجل من أهل التحقيق ، أو أنه قد كشف مستوراً وأبان عن دقيق المسائل ،وهو جاهل جويهل لا شأن له بهذا العلم الشريف ، ومن يتأمل كلامه ويدقق في ألفاظه وينظر إلى وجهه يعلم يقيناً أن الرجل متعالم لا صلة له بهذه العلوم …
– فالذهبي رحمه الله قد صرح بأنه يروي القصة بإسناد رسالة أبي منصور إلى سعد الزنجاني وقد أشار إلى ذلك السبكي ولم يقدر على أن يتحامق كهذا الرجل فقال في طبقاته : قد تكلف – أي الذهبي – لهذه الحكاية وأسندها بإجازة على إجازة مع ما في إسنادها ممن لا يخفى ا.هـ
فذكر أنها إجازة عن إجازة ولم يستطع أن يزيد على ذلك ،ووالله إنه لفي مقام بحيث لو وجد كلمة زيادة عن هذا التهويش لذكرها وطار بها ،ولكنه يعلم أن الفضيحة تتعقبه فاقتصر على هذا الغمز الذي لا قيمة له في ميزان البحث العلمي والأمر كما قال الألباني رحمه الله وقد سبق .
ولو عددنا تلدليس هذا الرجل وكذبه لما كفى مقالاً كهذا ولكني اقتصرت على ما يفي للدلالة على صحة القصة وبيان كذب هذا الدعي وتدليسه ويكفي من القلادة ما حاط بالعنق ، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .

حيرة ائمة الاشاعرة في العقيدة الاشعرية

بسم الله
 
  لننظر ماذا ينقل عن ائمة الاشاعرة في العقيدة الاشعرية الامام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله في شرح الطحاوية :

قوله: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان)

فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوساً تائهاً، شكاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً

شرح: يتذبذب: يضطرب ويتردد. وهذه الحالة التي وصفها الشيخ رحمه الله حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم، أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة، وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة، فيؤول أمره إلى الحيرة والضلال والشك، كما قال ابن رشد الحفيد، وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم، في كتابه تهافت التهافت: ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به ؟.

وكذلك الآمدي، أفضل أهل زمانه، واقف في المسائل الكبار حائر.

وكذلك الغزالي رحمه الله، انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية، ثم أعرض عن تلك الطرق وأقبل على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فمات وصحيح الإمام البخاري على صدره. وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، قال في كتابه الذي صنفه: أقسام اللذات:
نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصـل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه: قيل وقالوا
فكم قد رأينا من رجال ودولة فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
وكم مــن جبال قد علت شرفاتها رجال، فزالوا والجبال جبال

لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [1] { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } [2].

وأقرأ في النفي: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [3] { وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } [4]. ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.

وكذلك قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، حيث قال:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حـــــائر عـلى ذقن أو قارعاً سن نادم

وكذلك قال أبو المعالي الجويني: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به.

وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور.

وكذلك قال شمس الدين الخسروشاهي، وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي، لبعض الفضلاء، وقد دخل عليه يوماً، فقال: ما تعتقده ؟ قال: ما يعتقده المسلمون، فقال: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به ؟ أو كما قال، فقال: نعم، فقال: أشكر الله على هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، وبكى حتى أخضل لحيته. و لابن أبي الحديد. الفاضل المشهور بالعراق:
فيك يا أغلوطة الفكـــــــر حار أمري وانقضى عمري
سافرت فيك العقـــــــــول فما ربحت إلا أذى السفــر
فلحى الله الأولى زعموا أنك المعروف بالنظـــــــــر
كذبوا إن الذي ذكـــــروا خارج عن قوة البشـــــــــر

وقال الخوفجي عند موته: ما عرفت مما حصلته شيئاً سوى أن الممكن يفتقر إلى المرجح، ثم قال: الإفتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئاً.

وقال آخر: أضطجع على فراشي وأضع اللحفة على وجهي، وأقابل بين حجج هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجح عندي منها شيء.

ومن يصل إلى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق، كما قال أبو يوسف: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب.

وقال الشافعي رحمه الله: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. وقال: لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ماظننت مسلماً يقوله، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه -ما خلا الشرك بالله – خير له من أن يبتلى بالكلام. انتهى.

وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز، فيقر بما أقروا به ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك، التي كان يقطع بها، ثم تبين له فسادها، أو لم يتبين له صحتها، فيكونون في نهاياتهم – إذا سلموا من العذاب – بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب.

والدواء النافع لمثل هذا المرض، ما كان طبيب القلوب صلوات الله وسلامه عليه يقوله – إذا قام من الليل يفتتح الصلاة -: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. [5].

توجه صلى الله عليه وسلم إلى ربه بربوبية جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إذ حياة القلب بالهداية.

وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الثلاثة بالحياة: فجبرائيل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو سبب حياة الأبدان وسائر الحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها.

فالتوسل الى الله سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثير عظيم في حصول المطلوب. والله المستعان.

هامش

1. ↑ [طـه: 5]
2. ↑ [فاطر: 10]
3. ↑ [الشورى: 11]
4. ↑ [طـه: 110]
5. ↑ [خرجه مسلم]

آيتان عظيمتان كافيتان في الرد على كل جهمي مؤول مفوض !

بسم الله

يكفي للرد على الأشاعرة الجهمية المفوضة والمؤولة بآيتين عظيمتين فقط !

لقد قرات مشاركة الأخ الفاضل أبو عبيد مرزوق زاده الله علما وتوفيقا فذكر كلمات مهمة ألا وهي التنزيه المجمل والاثبات المفصل. ثم ذكر آية توبيخ ابليس فتذكرت آية التنزيه والاثبات وموضوع (نجاة إبليس في الآخرة في اتباع عقيدة الأشاعرة). وها أنا أقتبس مشاركته التي أوحت بفكرة العنوان !
[QUOTE=أبو عبيد الله مرزوق;1452468] (…) بلا شك التنزيه مطلوب في الشرع في قوله تعالى “ليس كمثله شيء” و هذا التنزيه مجمل و بعدها يأتي الإثبات المفصل ” و هو السميع البصير”
(…)
ثم سؤالي ما هو معنى اليد عندك؟ فالله سبحانه و تعالى يقول لإبليس “ما منعك يا إبليس أن تسجد لما خلقت بيدي” فهل من الممكن أن تقول لي ما معنى اليد هنا؟ (…)
[/QUOTE]

فآية التنزيه والإثبات:
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى : 11])
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) = نفي مماثلة صفات المخلوقات (نفي مجمل) = تنزيه
(وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) = اثبات مفصل = إثبات يمنع التعطيل.

اما آية توبيخ إبليس: (إضرب عصفورين بحجر واحد )
(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ [صـ : 75])
فهي ترد على المفوضة :
كما في هذا الموضوع : (نجاة إبليس في الآخرة في اتباع عقيدة الأشاعرة).
[QUOTE=أبو نسيبة السلفي;1444695]

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه

أما بعد,

يزعم الاشاعرة المفوضة أن آيات الصفات الخبرية ( مثل يد الله ووجه الله الخ) لا يعلم معناها إلا الله سبحانه وتعالى. وذلك لأنها بزعمهم من المتشابه ويستدلون علىى ذلك بقوله تعالى : هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ [آل عمران : 7]

وبالتالي فلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه القرآن ولا جبريل الذي سمعه عن رب العزة ولا ابليس -عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين- ولا أحد من الخلق يعلم معنى هذه الآيات. وهذه العقيدة الأشعرية الفاسدة يلزم منها :

1- نسبة السفه – والعياذ بالله – إلى الله سبحانه وتعالى.
وذلك لأن الله تعالى في الاية التالية يعلم أن ابليس لا يفهم الآيات المتشابهات كما يزعم الاشاعرة. ومع ذلك يكلمه الله تعالى مستنكرا عليه بكلام لا يفهمه وهو هنا قوله تعالى (لما خلقت بيدي).
قال الله تعالى: قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ [صـ : 75]

2- أن ابليس سيحاجج الله سبحانه وتعالى يوم القيامة محتجا بأنه لو فهم كلام الله في الآية (لما خلقت بيدي) لتاب وسجد وأناب. وبالتالي سيجد ابليس الملعون في عقيدة الاشاعرة مخرجا ونجاة له.

شكر خاص للاخ أبي يونس الكويتي في مناقشة الموضوع.

للفائدة : ۞ كل شئ عن التفويض ۞

وترد على المؤولة :
كما في هذا الموضوع – مثلا -:
عسى ان يكون في هذا النقل فائدة :

سُئل فضيلة الشيخ عبدالرحمن البراك _حفظه الله _ ضمن سؤالات روّاد ملتقى أهل الحديث السؤال التالي:
س: ذكر شيخ الإسلام في الفتاوى أن اليد بمعنى القدرة لا تأتي مثناة في لغة العرب ، ألا يتعارض هذا مع حديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم رقم ( 2937 ) في خروج يأجوج ومأجوج ” فيوحي إلى عيسى أني قد بعثت عبادا لا يدان لأحد بقتالهم ” وقد ذكر ابن الأثير والنووي وغيرهما أن المعنى: لا طاقة لأحد بقتالهم. فجاءت اليد بمعنى القدرة مع كونها مثناة ؟
فأجاب نفع الله بعلومه الإسلام والمسلمين:
” الحمد لله ، نعم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذه العلامة ابن القيم في ردهما على من يأول صفة اليدين في قوله تعالى: {ما مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (سورة ص: 75) بالقدرة ، ذَكَرا أن اليدين لا تأتي في اللغة العربية بمعنى القدرة ، وقد ورد في كلامهما في مواضع التعبير باليدان عن القدرة كما في مطلع القصيدة النونية :

حكم المحبة ثابت الأركان * ما للصدود بفسخ ذاك يدان

أي: ( قدرة) .
ومن ذلك ما جاء في الحديث الذي أورده شيخ الإسلام في الفتاوى (28: 128) ” إذا رأيت شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه ورأيت أمرا لا يدان لك به ، فعليك بنفسك ، ودع عنك أمر العوام .. الحديث “.
وكذلك الحديث الذي أورد السائل ذكره في الفتاوى (1: 44) وهذا قد يشكل مع إنكارهما على من فسر اليدين بالقدرة ؛ لأن ذلك لا أصل له في اللغة العربية .
والجواب: أن لفظ اليد مثناة لها في اللغة العربية استعمالات :
فتارة تستعمل غير مضافة ، وتلزم الألف ، وهذه هي التي بمعنى القدرة ، تقول: لا يدان لي بهذا الأمر ، أي لا قدرة لي عليه .
وتارة تستعمل مضافة إلى ضمير من قامت به ، أو اسمه الظاهر كقولك: بيديّ ، أو بيديه ، أو بيدي محمد ، ويجري فيها إعراب المثنى . وهي في هذا الاستعمال لا تكون بمعنى القدرة ، بل يتعين أن يراد بهما : اليدان اللتان يكون بهما الفعل ، والأخذ ، ومن شأنهما القبض ، والبسط .
وبهذا يظهر ألا تعارض بين أنكارهما على النفاة تأويل اليدين بمعنى القدرة ، لأن ذلك لم يرد في اللغة العربية ، وبين استعمالهما اليدان بمعنى القدرة .
وهناك استعمالان آخران لليدين في اللغة العربية :
أحدهما: أن يعبر بهما عن الفاعل للفعل ، وإن لم يكن باشره بيديه كقولك هذا ما فعلت يداك ، ومنه قوله تعالى :{ ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } (الحج: 10)
ويأتي لفظ اليدين مجموعا إذا أضيف إلى ضمير الجمع كقوله تعالى : { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} (آل عمران: 182) ، ومنه قوله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } (يس: 71)
الثاني: استعماله مضافا إليه بعد ( بين ) ، فيكون بمعنى أمام ، كقولك: جلس بين يديه ، و مشى بين يديه ، ويجري هذا الاستعمال في العاقل ، وغير العاقل كقوله تعالى: { لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا } (كريم: 62) ، وقوله:{ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ } (سبأ: 12) ، وقوله: { بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } ( الأعراف: 57) ونظائر ذلك كثيرة .
فهذه أربعة وجوه من الاستعمالات:
ثلاثة منها مجاز وهي : الأول ، والثالث ، والرابع .
والثاني: حقيقة .
ويمتنع المجاز في اليدين إذا أسند الفعل لفاعل ، وعدي إلى اليدين بالباء كقولك : عملت بيدي، ومنه قوله تعالى: { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } ( سورة ص: 75) .
وأما إذا أسند الفعل إلى اليدين كقولك: هذا ما فعلت يداك ، فهو من قبيل المجاز العقلي ؛ لأنه عبر باليدين عن الفعل مطلقا ، وإن لم يكن فعل بيديه .
وبهذا يظهر الفرق بين قوله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا }(يس: 71) ، وقوله تعالى: { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } (سورة ص: 75) ، فلا تدل الآية الأولى على خلق الأنعام باليدين ، وتدل الآية الثانية على خلقِ اللهِ آدم بيديه ؛ فتثبت له هذه الخصوصية على سائر الناس .
فمن جعل آية “ص” نظيرا لآية “يس” ؛ فقد أخطأ فبين الآيتين فروق :

ففي آية “ص” أضاف الله الفعل إلى نفسه ، وعداه إلى اليدين بالباء ، وذكر اليدين بلفظ التثنية، وأضافهما إلى ضمير المفرد .

وفي آية “يس” أضاف سبحانه الفعل إلى اليدين بلفظ الجمع ، وذكر نفسه بلفظ الجمع الدال على التعظيم .
فيجب التفريق بين المختلفات من الألفاظ ، والمعاني ، والتسوية بين المتماثلات ، والله أعلم “.اهــ
لللفائدة: هذا السؤال وغيره تجدونه على الرابط التالي:
www.alukah.net/majles/showthread.php?t=2217

لعل من المناسب عمل مقال يدمج فيه كل الفوائد بصياغة جديدة مع إضافة توضيح لآية التنزيه والاثبات لعله يؤخذ من كتب أهل العلم !
والباب مفتوح للجميع.

هذا والله اعلم

نشأة الاتجاهات العقلانية من ابليس حتى الاشعرية

بسم الله الرحمن الرحيم
محمد الغانم
كان المسلون في عافية في أمور دينهم ، لم يكونوا يعدلون بالكتاب والسنة شيئا ً ، بل كانوا يحتجون بهما ويردون التنازع في أمور دينهم إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى ظهر أهل البدع ، فأخذوا يشكون في حجية الكتاب والسنة ، ولا سيما في نصوص الصفات ، وأول من عرف عنهم معارضة النقل بالعقل وعدم الاحتجاج بصحيح المنقول هم الجهمية ، ثم انتقل التجهم إلى المعتزلة ، فصاروا لا يحتجون إلا بما وافق معقولاتهم التي عارضوا بها صحيح المنقول ، وتبعهم في ذلك الماتريدية والأشاعرة ـ لا سيما المتأخرين منهم ـ وكل من أخذ بعلم الكلام المذموم .

ولم يكن قبل الجهمية من عارض النصوص بآرائهم أو ترك الاحتجاج بصحيح المنقول ، واشترط لذلك موافقة  العقل ، حتى الخوارج والشيعة ، وإنما كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على أقوالهم . [1]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات ، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ، والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة ، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على أقوالهم ، ولا يدّعون أن عندهم عقليات تعارض النصوص ، ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم المعارضون للنصوص برأيهم ، ومع هذا كانوا قليلين مقموعين في الأمة .
[2]

ولكن من الممكن أن يقال إن هذه الفِرق قد مهدت السبيل للجهمية ومن سار على منهجهم بما ابتدعوه من البدع التي تَفرق بسببها المسلون وسوء فهم النصوص كما قال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما في الخوارج : إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار ، فجعلوها في المؤمنين. [3]

والمقصود أن اسقاط حجية الكتاب والسنة والقول بظنية دلا لتهما واعتبار الحجة القاطعة في معقولاتهم التي عارضوا بها صحيح المنقول قد ابتدعها الجهمية والمعتزلة ومن تأثر بهم من الأشاعرة والماتريدية . [4]

” جذور مذهب الجهمية ”
وقد كان إمام الجهمية في هذا المذهب إبليس ـ أعاذنا الله منه ـ عندما عارض أمر ربه لما أمره بالسجود لآدم بقياس عقله الفاسد (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [5]

قال العلامة ابن القيم رحمه الله :
ولتكن قصة شيخ هؤلاء القديم منك على ذكر [6] كل وقت فإنه أول من عارض بين العقل والنقل وقدم العقل ، فكان من أمره ما قص الله ، وورث الشيخ تلامذته هذه المعارضة ، فلم يزل يجري على الأنبياء وأتباعهم منا كل محنة وبلية . [7]

وذلك كما حدث من قوم نوح حين بلّغهم نوحُ رسالة ربه ، فقالوا له : (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). [8]
وقال الله سبحانه وتعالى عنهم : (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ). [9]

وقوم صالح عندما قالوا : (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ). [10]

وقوم هود إذ قالوا له : (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)  [11]

وهكذا وجد الانحراف في بعض أفراد البشرية ونفورهم من دعوة التوحيد إلى الشرك والوثنية ، ووقوفهم أمام التوجيهات والأوامر الإلهية التي جاءت بها الرسل ؛ موقف المعارض المجادل الشاك في صحة صدورها عن الله ، لذلك توالت النبوات في تلك الأمم ، قال الله تعالى : (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ). [ 12]

وقال الله تعالى : (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ).[13] .[14]

وهكذا استمرت معارضة الوحي في الأمم حتى بدأت في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم عندما عارضه ذا الخويصرة ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم حذر منها أشد التحذير ونفر منها أصحابه .

ومضى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر الصديق رضي الله عنه ، ثم بدأت نوابت الشر في عهد عمر ، لكنها قمعت ، ويظهر ذلك في موقف عمر رضي الله عنه من صبيغ بن عسل لما أخذ صبيغ يثير أسئلة حول بعض الآيات المتشابهات فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن جلده وكرر عليه الجلد حتى تاب وحسنت توبته . [15]

ثم في أواخر عصر الصحابة خرجت الخوارج وظهرت الرافضة .

وبعدها جاء معبد الجهني وغيلان الدمشقي ببدعة القدر … إلى أن جاء الجهم بن صفون بخلق القرآن وإنكار الأسماء والصفات ، ومعارضة الوحي بالعقل .

وجاء بعد الجهم واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وأسسا مذهب الاعتزال واعتمدوا العقل وقدموه على النقل وزعموا التعارض بينهما .
ثم جاء بعدهما ابن كلاب من المنسبين للسنة ، وخاض في علم الكلام للإنتصار لمذهب السلف بالطرق الكلامية ، وتبع ابن كلاب أبو منصور الماتريدي وأبو الحسن الأشعري ، وتأسس مذهب الماتريدية والأشاعرة، أبناء المدرسة الكلابية …. حتى جاء الغزالي والرازي من متأخري الأشاعرة وقننوا المذهب الكلامي ، ووضع الرازي قانونا ً كليا ً لمعارضة الشرع بالعقل ، فسار على قانونه ومنهاجه المتكلمون من متأخري الأشاعرة من بعده إلى يومنا هذا . [16]

——————————————————————————–

[1] ـ انظر منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية ( 1-306-323)
[2] ـ درء تعارض العقل والنقل ( 5/244)
[3] ـ رواه البخاري تعليقا ً ، كتاب استتابة المرتدين ، انظر الفتح ( 12/282)
[4] ـ انظر منهج السلف والمتكلمين ( 1/119-120)
[5] ـ سورة الأعراف آية رقم :12
[6] ـ يقصد الجهمية ، شيخهم القديم هو إبليس .
[7] ـ مختصر الصواعق . ص 143
[8] ـ سورة الأعراف آية رقم 60
[9] ـ سورة هود آية رقم 27
[10] ـ سورة هود آية رقم 62
[11] ـ هود آية رقم 53.
[12] ـ سورة فاطر أية رقم 24
[13] ـ سورة المؤمنون آية رقم 44
[14] ـ الاتجاهات العقلانية الحديثة د. ناصر العقل ص 35-36
[15] ـ انظر الإبانة الكبرى لابن بطة ( 2/309)
[16] ـ انظر المصادر التالية :
1 ـ مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم ص 140 وما بعدها .
2 ـ منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية (1/306-323).
3 ـ لوامع الأنوار البهية للسفاريني ( 1/6-13)
4 ـ شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ( 1/15-19)
5 ـ مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن الأشعري 21-23
6 ـ الفرق بين الفرق للبغدادي ص 19-28
7 ـ الاتجاهات العقلانية د. ناصر العقل ص 35 وما بعدها
8 ـ دراسات في الأهواء والفرق ( 1/122) (1/263، 327)
9ـ موقف السلف والمتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة د. سليمان الغصن (1/36 وما بعدها )
10 ـ منهج السلف والمتكلمين في موافقة العقل للنقل وأثر المنهجين في العقيدة د. جابر إدريس على أمير ( 1/119 وما بعدها ) .
11 ـ تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة ص 21-23 .

الاشاعرة وخلق القرآن – من كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة / المحمود

بسم الله

الاشاعرة وخلق القرآن

من كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة / المحمود

والأشعري يطلق على القرآن أنه كلام الله، ولكنه يقول إنه القرآن العربي مخلوق، خلقه الله في الهواء أو الجسم. وأما إطلاق أن هذا القرآن العربي كلام جبريل – عليه السلام – أو محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جاء من المنتسبين إليه ولم يكن قولا للأشعري ([1]) .

ثم إن ابن كلاب كان يقول بأن القرآن حكاية عن كلام الله، فلما جاء الأشعري زاد فيه قليلا وقال: لا يجوز أن يقال إنه حكاية، لأن الحكاية قد تكون مطابقة للمحكي، كما يقال: حكى فلان الكلام بلفظه وهذا يناسب قول المعتزلة. والقرآن العربي ليس مطابقا لكلام الله القائم بنفسه، ومن ثم فالأولى عنده – أي عند الأشعري – أن يقال: هو عبارة عن كلام الله، لأن الكلام ليس من جنس العبارة ([2]) .

ويلاحظ مما سبق تطور أقوال الكلابية والأشعرية في القرآن:

– فالأولون كانوا يحترمونه، ثم خف احترامهم لـه إلى حد الامتهان، عند بعضهم.

– والأولون كانوا يطلقون أن القرآن كلام الله، وأنه مخلوق خلقه الله في الهواء أو في الجسم، فجاء المتأخرون ليقولوا – صراحة – هو كلام جبريل أو محمد.

– كما أن التطور من التعبير بالحكاية إلى العبارة، فيه ما فيه، وإن كان كل منهما باطلا.

والذي استقر عليه المذهب الأشعري، وقال به جمهورهم أن القرآن العربي مخلوق، وليس هو كلام الله – مع اختلاف فيما بينهم في بعض التفاصيل ([3]) – وهم قالوا هذا بناء على مذهبهم في الكلام النفسي الذي يقوم بالله ولا ينفصل عنه، بل هو – على زعمهم – لازم لـه أزلا وأبدا.

والأشاعرة – مع قولهم بالكلام النفسي – وإن كانوا يوافقون أهل السنة في الرد على المعتزلة، إلا أنهم يخالفون مذهب السلف – في مسألة القرآن – في أمرين مهمين:

أحدهما: قولهم إن نصف القرآن من كلام الله، والنصف الآخر ليس كلام الله عندهم، أي أن المعنى كلام الله أما القرآن العربي فليس كلام الله، وإنما خلقه الله في الهواء أو في اللوح المحفوظ، أو أحدثه جبريل، أو محمد r ومعنى ذلك أنهم في هذا النصف العربي موافقون لمذهب المعتزلة، لكن المعتزلة يقولون هو كلام الله، وهو مخلوق، وهؤلاء يقولون: هو مخلوق وليس كلام الله. وكل منهم وقع في البدعة.

والثاني: قولهم إن القرآن المنزل إلى الأرض ليس هو كلام الله، فما نزل به جبريل من المعنى واللفظ، وما بلغه محمد e لأمته من المعنى واللفظ ليس هو كلام الله، لا حروفه ولا معانيه، بل هو مخلوق عندهم، وإنما يقولون: هو عبارة عن كلام الله القائم بالنفس، لأن العبارة لا تشبه المعبر عنه ([4]).

هذه خلاصة مذهب الأشاعرة في القرآن، كما عرضها شيخ الإسلام، ولعل تصورها، مع ما سبق من مناقشات لأقوالهم في الكلام النفسي، وفي قولهم إنه معنى واحد – كاف في بيان بطلانها، ومع ذلك فقد رد عليهم شيخ الإسلام، ويمكن بيان مناقشته لهم من خلال ما يلي:

1- لا شك أن قول الأشاعرة في القرآن قد بنوه على أن الكلام عندهم معنى قائم بالنفس، قديم أزلي، لا يتعلق بمشيئة الله وقدرته، وأنه ليس بحرف ولا صوت، لذلك قالوا في هذا القرآن الذي يتلى إنه مخلوق، خلقه الله في الهواء أو في اللوح المحفوظ، أو إنه أحدثه جبريل أو محمد e ، وليس هو كلام الله. ولا شك أن الأساس الذي بنوا عليهم مذهبهم هذا باطل – كما سبق بيانه – :

– فالكلام هو اللفظ والمعنى، ولا يسمى كلاما ما دام قائما بالنفس.

– كما أن النصوص دلت على أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وأن كلامه مثل فعله، وهذا ثابت لله وإن سماه هؤلاء حلولا.

وإذا تبين بطلان هذه الأسس التي بنوا عليها مذهبهم، علم أن قولهم في القرآن مخالف لنصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة.

2- أما احتجاجهم على أن القرآن من جبريل أو محمد بقوله تعالى: ]إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ[ (الحاقة:40) والرسول في آية الحاقة هو محمد e ، وفي آية التكوير هو جبريل عليه السلام – فهو احتجاج غريب، خاصة وأن النصوص الأخرى واضحة الدلالة في أنه منزل من عند الله وأنه كلام الله. وقد رد عليهم شيخ الإسلام في استدلالهم بما يلي:

أ – أنه: “أضافة إلى الرسول من البشر تارة، وإلى الرسول من الملائكة تارة، باسم “الرسول”، ولم يقل: إنه لقول ملك، ولا نبي؛ لأن لفظ الرسول يبين أنه مبلغ عن غيره، لا منشى له من عنده ]وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ[ (النور: من الآية54)، فكان قوله: ]إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ[ (الحاقة:40) بمنزلة قوله: لتبليغ رسول، أو مبلغ من رسول كريم، أو جاء به رسول كريم، وليس معناه أنه أنشأه أو أحدثه أو أنشأ شيئاً منه وأحدثه رسول كريم، إذ لو كان منشئا لم يكن رسولا فيما أنشأه وابتدأه، وإنما يكون رسولا فيما بلغه وأداه، ومعلوم أن الضمير عائد إلى القرآن مطلقا”([5]).

ب- “وأيضاً فلو كان أحد الرسولين أنشأ حروفه ونظمه امتنع أن يكون الرسول الآخر هو المنشى المؤلف لها، فبطل أن تكون إضافته إلى الرسول لأجل إحداث لفظه ونظمه”([6]).

ولو صح قول هؤلاء لجاز أن يقال إنه قول البشر، وهذا قول الوحيد الذي فضحه الله وأصلاه سقر، ولو قالوا: الوحيد جعل الجميع قول البشر، ونحن جعلنا الكلام العربي قول البشير، وأما معناه فهو كلام الله، فيقال لهم: هذا نصف قول الوحيد، والقرآن الذي يتلى هو الذي كان يفهم منه المشركون أنه كلام الله دون أن يفرقوا بين ألفاظه ومعانيه ([7]).

ج- ودلالة الآيتين واضحة، لأنه لما كان المبلغ للقرآن ملكا وليس شيطانا، أخبر تعالى أنه تبليغ ملك كريم، وكذلك الرسول محمد e لأنه هو المبلغ لهذا القرآن للناس، وأن هذا الرسول ليس شاعرا ولا كاهنا وإنما هو رسول كريم ([8]).

وكثيرا ما يركز شيخ الإسلام على بيان أن الكلام كلام لمن اتصف به مبتدئا منشئا لا لمن تكلم به مبلغا مؤديا. وهذا واضح، فإن من قرأ حديثا للرسول e ، أو قصدة لشاعر، فإنه لا يقول عاقل إن الحديث أو القصيدة هي من إنشاء راويها ([9]).

3- أن هناك أدلة تدل على نزول القرآن من ربه، والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه.

ومن هذه الأدلة قوله تعالى: ]فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ * وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ[ (النحل: من الآية 98-103).

فقوله ]قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ[ (النحل: من الآية102) يدل على نزول القرآن من ربه، والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه، كما أن قوله ]وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ[، وهم كانوا يقولون إنما يعلمه بشر، ولم يكونوا يقصدون أنه يعلمه معانيه فقط، لقوله بعد ذلك: ]لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ[ والله تعالى أبطل قول الكفار، لأن لسان الذي يضيفون إليه القرآن أعجمي، والقرآن بلسان عربي مبين ([10]).

ومن الأدلة – أيضاً – قوله تعالى: ]وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً[ (الأنعام: من الآية112) إلى قوله: ]أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ[ (الأنعام:114) والكتاب اسم للقرآن العربي بالضرورة والاتفاق، وهذا يرد على الكلابية والأشعرية، وقوله: ]وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً[ يتناول نزول القرآن العربي على كل قول من الأقوال التي تفرق بين كتاب الله وكلام الله، أو بين القرآن (المعنى)، والقرآن (اللفظ). لأن الله سمى مجموع اللفظ والمعنى كتابا وقرآنا وكلاما ([11]).

والقرآن الكريم يجب أن يعلم فيه أصلان عظيمان:

أحدهما: “أن القرآن له بهذا اللفظ والنظم العربي اختصاص لا يمكن أن يماثله في ذلك شيء أصلا، أعني خاصة في اللفظ، وخاصة فيما دل عليه من المعنى، ولهذا لو فسر القرآن ولو ترجم، فالتفسير والترجمة قد يأتي أصل المعنى أن يقربه، وأما الإتيان بلفظ يبين المعنى كبيان لفظ القرآن فهذا غير ممكن أصلا، ولهذا كان أئمة الدين على أنه لا يقرأ بغير العربية، لا مع القدرة عليها، ولا مع العجز عنها…”.

الأصل الثاني: أن القرآن إذا ترجم أو قرئ بالترجمة فله معنى يختص به لا يماثله فيه كلام أصلا، ومعناه أشد مباينة لفظه ونظمه لسائر اللفظ والنظم، والإعجاز في معناه أعظم بكثير كثير من الإعجاز في لفظه…”([12]). ومعلوم أن الإعجاز شامل للفظ والمعنى.

4- أن قول الأشاعرة في القرآن يقرب كثيرا من قول المعتزلة، وقد اعترف بذلك بعض علمائهم وذكروا أن بالنسبة للقرآن العربي لا فرق فيه بين القولين.

فالأشاعرة يوافقون المعتزلة في إثبات خلق القرآن العربي، ولكنهم يفارقونهم من وجهين:

أحدهما: أن المعتزلة يقولون: المخلوق كلام الله، والأشاعرة يقولون: إنه ليس كلام الله، لكن يسمى كلام الله مجازا، وهذا قول جمهورهم، ومن قال من متأخريهم إنه يطلق على المعنى وعلى القرآن العربي بالاشتراك اللفظي فإنه ينتقض عليهم أصلهم في إبطال قيام الكلام بغير المتكلم به.

وعند المفاضلة بين قولي المعتزلة والأشاعرة هنا يلحظ أن الأشاعرة لا يقولون عن القرآن العربي هو كلام الله حقيقة، أما المعتزلة فيقولون هو كلام الله حقيقة – مع اتفاقهم على أنه مخلوق، فقول الأشاعرة شر من قول المعتزلة، لأنهم زادوا عليهم بالقول أن القرآن ليس كلام الله.

والثاني: أن الأشاعرة يثبتون لله كلاما هو معنى قائم بذاته، والمعتزلة يقولون: لا يقوم به كلام. ومن هذا الوجه فالأشاعرة خير من المعتزلة. وإن كان جمهور الناس يقولون: إن إثبات الأشاعرة للكلام النفسي، وقولهم إنه معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة – يؤدي في النهاية إلى أن لا يشبتوا لله كلاما حقيقة غير المخلوق ([13]).

وبهذا يصبح قول الأشاعرة في القرآن أشد بطلانا وفسادا من أقوال المعتزلة الذين أجمع السلف على تبديعهم والإنكار عليهم، وهذا ما يفسر هجوم أئمة السلف – في كل عصر – على الكلابية والأشعرية فإنهم كانوا يعرفون حقيقة مذهب هؤلاء، وما يؤدي إليه من انحراف.


([1]) انظر: المصدر السابق (12/557).

([2]) انظر: مجموع الفتاوى (12/272)، والتسعينية (ص:87، 237-238، 266)، ودرء التعارض (2/107).

([3]) انظر: جواب أهل العلم والإيمان – مجموع الفتاوى – (17/69-70).

([4]) انظر: مجموع الفتاوى (12/272-273، 376-379).

([5]) مجموع الفتاوى (12/265-266)، وانظر أيضاً: الكيلانية – مجموع الفتاوى – (12/377-378).

([6]) المصدر السابق (12/266)، وانظر: المصدر نفسه (2/50، 12/308)، والكيلانية – مجموع الفتاوى (12/377).

([7]) انظر: مجموع الفتاوى (12/266-267، 307)، ودرء التعارض (1/258).

([8]) انظر: المصدر السابق (12/270).

([9]) انظر: الكيلانية مجموع الفتاوى (12/378)، ودرء التعارض (1/256-257).

([10]) انظر: مجموع الفتاوى (12/123-124).

([11]) انظر: المصدر السابق (12/124-126).

([12]) التسعينية (ص:215).

([13]) انظر: مجموع الفتاوى (12/121-123، 132، 15/222)، والتسعينية (ص:235-236).

التاج السبكي القبوري الاشعري

الإمام الذهبي من أهل السنة وهو من شيوخ التاج السبكي .

لكن السبكي – كعادته في الكلام فيمن مات من الأئمة – كان يغمز في شيخه الذهبي بعد وفاته بسبب اتباعه لأهل السنة وتمسكه بمذهبهم .

فقد نقل الإمام السخاوي في الإعلان بالتوبيخ قول السبكي في الذهبي وهو قوله : ” وأما تاريخ شيخنا الذهبي غفر الله ولا ءآخَذَهُ ، فإنه على حُسنه وجمعه ، مشحونٌ بالتعصب المفرط فلقد أكثر الوقيعة في أهل الدين أعني الفقراء الذين هم صفوة الخلق ، واستطال بلسانه على كثير من أئمة الشافعية والحنفية ” .

وقوله أيضاً : ” فأفرط على الأشاعرة ، ومدح وزاد في المجسمة ، هذا وهو الحافظ القدوة والإمام المبجل ، فماظنك بعوام المؤرخين ” .

وقال أيضا : إنه لا يجوز الاعتماد على شيخه الذهبي في ذم أشعري ولا شكر حنبلي .
وقال أيضا عن الإمام الذهبي : ” فإنه غلب عليه مذهب الإثبات ومنافرة التأويل والغفلة عن التنزيه حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا على أهل التنزيه وميلا قويا إلى أهل الإثبات ، فإذا ترجم واحدا منهم يُطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ويبالغ في وصفه ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما أمكن ، وإذا ذكر أجدا من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما لا يبالغ في وصفه ويُكثر من قول من طعن فيه ، ويعيد ذكره ويبديه ، ويعتقده دينا وهو لايشعر ، ويُعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها ، وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها ، وكذلك فعله في أهل عصرنا إذا لم يقلد على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته والله يعلم ، ونحو ذلك مما سببه المخالفة في العقائد ” .

وقال أيضا في الذهبي : ” والذي أدركنا عليه المشائخ النهي عن النظر في كلامه ، وعدم اعتبار قوله ، ولم يكن يستجرئ أن يُظهر كتبه التاريخية إلا لمن غلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يُعاب عليه ” .

هذا بعضٌ من طعن التاج السبكي في شيخه الإمام الحافظ العلم الذهبي .

وهنا لابد من بيان شيء من كلام السخاوي في بيان حقيقة السبكي فأقول :

لما ذكر السخاوي في كتابه الآنف الذكر ” الإعلان بالتوبيخ ” منتقدي التاريخ وذكر مراتبهم السته ، ذكر المرتبة الخامسة فقال : ” ومنهم من نسب بعضهم إلى التقصير والتعصب ؛ حيث لم يستوعب القول فيمن هو منحرف عنهم ، بل يحذف كثيرا مما يره مني ثناء الناس عليهم ويستوفي الكلام فيمن عداهم غير مقتصر عليهم ” .

ثم قال في نقد هذه المرتبة بعد عدة صفحات : ” فالذي نسب الذهبي لذلك هو تلميذه التاج السبكي ، وهو على تقدير تسليمه إنما هو في أفراد مما وقع التاج في أقبح منه ؛ حيث قال فيما قرأته بخطه تجاه ترجمة سلامة الصياد المنبجي الزاهد ما نصه : ” يا مسلم استحي من الله ، كم تجازف وكم تضع من أهل السنة الذين هم الأشعرية ، ومتى كانت الحنابلة ، وهل ارتفع للحنابلة قط رأس ” .
ثم قال السخاوي معلقا على كلام السبكي : ” وهذا من أعجب العجاب ، وأصحب للتعصب ، بل أبلغ في خطأ الخطاب ؛ ولذا كتب تحت خطه بعد مدة قاضي عصرنا وشيخ المذهب العز الكناني ما نصه : ” وكذا والله ما ارتفع للمعطلة رأس ” ثم وصف التاج بقوله : ” هو رجلٌ قليل الأدب ، عديم الإنصاف ، جاهل بأهل السنة ورتبهم ، يدلك على ذلك كلامه ” .
كتاب ” الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ” للسخاوي من ص 66 – 93 باختصار .
والله الموفق .
المصدر:  هل وصف السبكي الإمام الذهبي بالنصب؟ 

قال التاج السبكي في طبقات الشافعية الجزء الثاني :
( وأمثلة هذا تكثر وهذا شيخنا الذهبى رحمه الله من هذا القبيل له علم وديانة وعنده على أهل السنة تحمل مفرط فلا يجوز أن يعتمد عليه
ونقلت من خط الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدى العلائى رحمه الله ما نصه الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبى لا أشك فى دينه وورعه وتحريه فيما يقوله الناسولكنه غلب عليه مذهب الإثبات ومنافرة التأويل والغفلة عن التنزيه حتى أثر ذلك في طبعه انحرافا شديدا عن أهل التنزيه وميلا قويا إلى أهل الإثبات فإذا ترجم واحدا منهم يطنب فى وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ويبالغ فى وصفه ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما أمكن وإذا ذكر أحدا من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالى ونحوهما لا يبالغ فى وصفه ويكثر من قول من طعن فيه ويعيد ذلك ويبديه ويعتقده دينا وهو لا يشعر ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها وكذلك فعله فى أهل عصرنا إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول فى ترجمته والله يصلحه ونحو ذلك وسببه المخالفة في العقائد
انتهى
والحال فى حق شيخنا الذهبى أزيد مما وصف وهو شيخنا ومعلمنا غير أن الحق أحق أن يتبع وقد وصل من التعصب المفرط إلى حد يسخر منه ) اهـ !

و قال ايضافي طبقات الشافعية في ترجمة شيخه الذهبي في الجزء التاسع :
( وكان شيخنا والحق أحق ما قيل والصدق أولى ما آثره ذو السبيل شديد الميل إلى آراء الحنابلة كثير الإزراء بأهل السنة الذين إذا حظروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة فلذلك لا ينصفهم في التراجم ولا يصفهم بخير إلا وقد رغم منه أنف الراغم)اهـ

فهل لو كان من اهل التفويض ينعته بهذه النعوت و يصفه بأنه يزري بأهل السنة – اي الاشاعرة بزعمه ! – بل و يخرجه من اهل السنة ؟؟؟؟
المصدر: هل الذهبي مفوض؟؟

نبش كبار الصوفية الأشاعرة لقبور أهل السنة وتكفيرهم وتورعهم مع الحيوانات !!

بسم الله

هذه صورة من صور الاحسان الصوفي للصوفي الاشعري الخبوشاني ينقلها السبكي الأشعري في طبقاته وواضح أنه مفتخر بها.

نبش كبار الصوفية الأشاعرة لقبور أهل السنة وتكفيرهم وتورعهم مع الحيوانات !!
“وأخذ الخبوشاني في بناء الضريح الشريف وكان ابن الكيزاني رجل من المشبهة مدفونا عند الشافعي رضي الله عنه فقال الخبوشاني لا يكون صديق وزنديق في موضع واحد وجعل ينبش ويرمي عظامه وعظام الموتى الذين حوله من أتباعه وتعصبت المشبهة عليه ولم يبال بهم وما زال حتى بنى القبر والمدرسة ودرس بها.
ولعل الناظر يقف على كلام شيخنا الذهبي في هذا الموضع من ترجمة الخبوشاني فلا يحفل به وبقوله في ابن الكيزاني إنه من أهل السنة فالذهبي رحمه الله متعصب جلد وهو شيخنا وله علينا حقوق إلا أن حق الله مقدم على حقه والذي نقوله إنه لا ينبغي أن يسمع كلامه في حنفي ولا شافعي ولا تؤخذ تراجمهم من كتبه فإنه يتعصب عليهم كثيرا.
ومن ورع الخبوشاني
انه كان يركب الحمار ويجعل تحته أكسية لئلا يصل إليه عرقه ” ا.هــ طبقات الشافعية الكبرى للسبكي الاشعري المتعصب – الطبقة الخامسة

تعليق:
يرأف بالحمير وينتهك حرمة المسلمين أهل السنة فقد قال رسول الله صلى الله: { كسر عظم الميت ككسر عظم الحي } . رواه أبو داود
ذكرني هذا الموقف بموقف الرافضة في حادثة قتل الحسبن رضي الله عنه فقد جاء في الاثر : سمعت عبد الله بن عمر : وسأله عن المحرم – قال شعبة : أحسبه – يقتل الذباب ؟ فقال : أهل العراق يسألون عن الذباب ، وقد قتلوا ابن ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هما ريحانتاي من الدنيا ) .
الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: 3753 خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

وهذا السبكي القبوري الاشعري الذي طعن في شيخه الامام السلفي الحافظ الذهبي رحمه الله قال فيه عز الدين الكناني (819) هـ :
(هو رجل قليل الأدب، عديم الإنصاف, جاهل بأهل السنة ورتبهم) (الإعلان للسخاوي: 469 فما بعد) و(معجم الشافعية لابن عبد الهادي، الورقة: 48 47 (الظاهرية))

التعلق والمتعلقات عند الأشاعرة

التعلق والمتعلقات عند الأشاعرة

إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل الله فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

تقسيم الأشاعرة لصفات الله
يقسم الأشاعرة الصفات إلى أربعة أقسام :
1ـ صفات معاني .
2ـ الصفات المعنوية.
3 ـ الصفات السلبية .
4 ـ الصفة النفسية .

وصفات المعاني يعرفونها بأنها ما دل علي معنى وجودي قائم بالذات , وهي عندهم سبع صفات :
الحياة , والعلم , والقدرة , والإرادة , والبصر , والكلام , والسمع
ويقسمون صفات المعاني حسب تعلقها :

1ـ ما يتعلق بالممكنات فقط وهما صفتا الإرادة والقدرة , القدرة تعلقها تعلق إيجاد , والإرادة تعلقها تعلق تخصيص .
2ـ ما يتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات وهما صفتا العلم والكلام
3ـ ما يتعلق بالموجودات فقط , وهما صفتا السمع والبصر
4ـ ما لا يتعلق بشيء وهي صفة الحياة .

ومعنى التعلق عندهم هو طلب صفات المعاني أمراً زائداً علي قيامها بالذات يصلح لها .

الصفات الفعلية أو الاختيارية وموقف الأشاعرة منها
قال شيخ الإسلام عن مذهب المتكلمين كالأشاعرة والكلابية : يقولون هو متصف بالصفات التي ليس له عليها قدرة , ولا تكون بمشيئته ؛ فأما ما يكون بمشيئته ؛ فإنه حادث , والرب تعالى لا تقوم به الحوادث ويسمون الصفات الاختيارية بمسألة حلول الحوادث
فإنه إذا كلم موسى بن عمران بمشيئته وقدرته , وناداه حين أتاه بقدرته وبمشيئته كان ذلك النداء , والكلام حادثاً .
قالوا : فلو اتصف الرب به لقامت به الحوادث .
قالوا : ولو قامت به الحوادث لم يخل منها و ما لم يخل من الحوادث فهو حادث .
“مجموع الفتاوى “(6/220)
وبناء على ذلك التزم المتكلمون نفي صفات الله الفعلية والاختيارية و ترتب على هذه المسألة وهي إنكار قيام الصفات الاختيارية بالله عز وجل مسائل عدة منها إنكار أو تأويل كل صفة يفهم منها التجدد أو الاستمرارية لله عز وجل .
وفرارا من ذلك قال الأشاعرة بالتعلقات وقال الماتريدية بالتكوين والخلاف بينهم لفظي .
فقالوا بالفرق بين قيام الصفة بالله منذ الأزل وبين قيامها بالله بعد ذلك فقالوا إن إضافتها إلى الله ليست إضافة حقيقية وإنما هي إضافة نسبة وتعلق .
وقد قسموا التعلق إلى تعلق قديم صلوحي وتعلق تنجيزي حادث .
ويعنون بالأول قيام الصفة بالله سبحانه وتعالى منذ الأزل .
وبالثاني قيامها به بعد ذلك .
ومعنى التعلق عندهم هو طلب صفات المعاني أمراً زائداً علي قيامها بالذات يصلح لها .
والتعلق التنجيزي عندهم أمر إضافي أي ليس وجوديا،بل عدمي .
وقد عجزوا عن توضيح مسألة التعلقات حتى قال القرطبي : إن الخوض في تعلقات الصفات واختصاصاتها من تدقيقات الكلام، وإن العجز عن إدراكه غير مضر في الاعتقاد !.
والمراد بصفة التكوين عند الماتريدية صفات الفعل: وهي ما يرجع إلى التكوين من الصفات كالتخليق والترزيق والإحياء والإماتة .
فصفة التكوين هو أنه سبحانه يكون الأشياء فيخلق ويصور ويبريء ويحيي ويميت بقوله كن فيكون . وهذه الصفات من الخلق والرزق والإحياء والإماتة وغيرها، كلها تعلقات لهذه الصفة الأزلية .

نقد المتعلقات عند الأشاعرة
وهنا مسألة مهمة أن أهل السنة والجماعة يقولون بالتعلق ولكن الفرق بين أهل السنة والأشاعرة والماتريدية كما يلي :
التعلق معناه الارتباط بين شيئين مثلا بين الفعل والمفعول .
فأهل السنة يقولون التعلق وجودي أي حقيقي بين الفعل الصادر عن الفاعل وبين المفعول .
أما الأشاعرة فالتعلق عدمي أي مجرد نسبة وإضافة من غير تعلق حقيقي وهذه مسألة مهمة ينبغي أن يتنبه إليها طالب العلم .
وقد وضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال : الكلابية يقولون فى جميع هذا الباب المتجدد هو تعلق بين الأمر والمأمور وبين الإرادة والمراد وبين السمع والبصر والمسموع والمرئي فيقال لهم هذا التعلق إما أن يكون وجودا وإما أن يكون عدما فإن كان عدما فلم يتجدد شيء فإن العدم لا شيء وإن كان وجودا بطل قولهم .
وأيضا فحدوث تعلق هو نسبة وإضافة من غير حدوث ما يوجب ذلك ممتنع فلا يحدث نسبة وإضافة إلا بحدوث أمر وجودي يقتضى ذلك .
الفتاوى الكبرى (6|229)

قدمنا أن الأشاعرة يقسمون صفات المعاني من حيث متعلقها :

1ـ ما يتعلق بالممكنات فقط وهما صفتا الإرادة والقدرة , القدرة تعلقها تعلق إيجاد , والإرادة تعلقها تعلق تخصيص .
2ـ ما يتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات وهما صفتا العلم والكلام
3ـ ما يتعلق بالموجودات فقط , وهما صفتا السمع والبصر
4ـ ما لا يتعلق بشيء وهي صفة الحياة .

أولا : ما يتعلق بالممكنات فقط وهما صفتا الإرادة والقدرة , القدرة تعلقها تعلق إيجاد , والإرادة تعلقها تعلق تخصيص .
أ- يرى الأشاعرة أن قدرة الله تتعلق فقط بالممكنات ؛ وتعلقها تعلق إيجاد أو إعدام قال تعالى :{ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} ؛ والإرادة كذلك متعلقة بالممكنات وتعلقها تعلق تخصيص ؛ وهذه النقطة وافقهم عليها أهل السنة والجماعة في الجملة .
ب- كذلك وافق أهل السنة والجماعة الأشاعرة في أن قدرة الله لا تتعلق بالمستحيلات لأن المستحيل ليس بشيء على الصحيح ؛ ومن يظهر خطأ من يسأل مثلا هل يستطيع الله عز وجل أن يخلق إلها مثله ؟ ومثل هذا السؤال لا يصح أصلا لأن وجود آله آخر مستحيل وليس لأن الله عاجز عنه ولكن المستحيل ليس بشيء .
ت- بالنسبة لتعلق قدرة الله بالواجبات ؛ وجدت من أهل السنة من يوافقهم على أن قدرة الله لا تتعلق بالواجبات ووجه ذلك أن الواجب لا يوصف بالإيجاد والإعدام وأما من استدركها على الأشاعرة فمن باب أن الأشاعرة ينفون صفات الله الفعلية الاختيارية فهم يرون أنه لا تقوم به سبحانه فلو جعلوا القدرة متعلقة به سبحانه للزم من ذلك إثبات الصفات الاختيارية وهي التي تتعلق بقدرته من التكلم والنزول والمجيء إلخ والصواب أن يفصل في هذه المسألة على قاعدة أهل السنة في الأمور التي تحتمل حقا وباطلا فإن أريد بتعلق قدرة الله بالواجبات نفي الصفات الاختيارية فلا يسلم لهم بذلك .
ث- الأشاعرة يفرقون بين قيام قدرة الله في الأزل وبين تجددها؛ فالقدرة واحدة عندهم وهي تعلقها الصلوحي وأما التنجيزي بعد ذلك فهو عدمي مجرد نسبة وإضافة من غير تجدد أو استمرارية .
وما ذكرناه في القدرة هو نفسه في الإرادة مع التنبه أن الأشاعرة ينكرون الإرادة الشرعية وهي المتعلقة بالرضى والمحبة .
ثانيا :ما يتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات وهما صفتا العلم والكلام .
أ- وافق أهل السنة والجماعة الأشاعرة في أن علم الله وكلامه يتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات ؛ فالله يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون . وكذا كلامه فالله قد تكلم عن ذاته وصفاته وأسمائه وتكلم عن المخلوقات وتكلم عن المستحيلات .
ب- لكن الأشاعرة يفرقون بين اللفظ والمعنى فالقرآن مثلا عندهم هو دال على كلام الله النفسي .
ت- طبعا وينكرون قيام الكلام بالله أو أنه يتكلم متى شاء بما شاء كما هو معروف من مذهب أهل السنة .
ثالثا : ما يتعلق بالموجودات فقط , وهما صفتا السمع والبصر .
أ- وافق أهل السنة والجماعة الأشاعرة في أن السمع والبصر متعلق بالممكنات فالسمع متعلق بالمسموعات والبصر متعلق بالمبصرات .
ب – لكن الأشاعرة تفرق بين قيام هذه الصفات بالله منذ الأزل وبين قيامها بعد ذلك فمنذ الأزل تعلقها صلوحي وما بعد ذلك عند حدوث المسموعات والمبصرات تعلقها تنجيزي وهو غير حقيقي بل عدمي وهو فقط نسبة وإضافة ؛ فهم ينكرون في الحقيقة قيام هاتين الصفتين بالله تعالى ؛ وأهل السنة يقولون تعلقهما حقيقي وجودي أي يسمع ويبصر ويتجدد له السمع والبصر حسب ما يليق بجلاله .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وإنما المقصود هنا أنه إذا كان يسمع ويبصر الأقوال والأعمال بعد أن وجدت فإما أن يقال أنه تجدد وكان لا يسمعها ولا يبصرها فهو بعد أن خلقها لا يسمعها ولا يبصرها وإن تجدد شيء فإما أن يكون وجودا أو عدما فإن كان عدما فلم يتجدد شيء وإن كان وجودا فإما أن يكون قائما بذات الله أو قائما بذات غيره و الثاني يستلزم أن يكون ذلك الغير هو الذي يسمع ويرى فيتعين أن ذلك السمع والرؤية الموجودين قائم بذات الله وهذا لا حيلة فيه .
الكلابية يقولون في جميع هذا الباب المتجدد هو تعلق بين الأمر والمأمور وبين الإرادة والمراد وبين السمع والبصر والمسموع والمرئي فيقال لهم هذا التعلق إما أن يكون وجودا وإما أن يكون عدما فإن كان عدما فلم يتجدد شيء فإن العدم لا شيء وإن كان وجودا بطل قولهم .
وأيضا فحدوث تعلق هو نسبة وإضافة من غير حدوث ما يوجب ذلك ممتنع فلا يحدث نسبة وإضافة إلا بحدوث أمر وجودي يقتضى ذلك .
الفتاوى (6|229)

رابعا : ما لا يتعلق بشيء وهي صفة الحياة .
أ- وافق أهل السنة الأشاعرة في أن صفة الحياة لا تتعلق بشيء فهي صفة قائمة بالذات ولا تَعلُّق لها .
والحمد الله أولا وآخرا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

المصدر :الالوكة 

إضافة من الموضوع الاصل :
المسألة الأولى : الأشاعرة يجعلون الفعل هو المفعول في الصفات الفعلية كالخلق وغيرها , وليس في صفات الذات
قال شيخ الإسلام : و الجمهور المثبتون للصفات هم في الفعل على قولين
منهم من يقول لا يقوم به فعل و إنما الفعل هو المفعول و هذا قول طائفة منهم الأشعرى و من وافقه من أصحابه . انتهى

مجموع الفتاوى (16|374)
ومبحثنا هنا في الصفات الذاتية , وكلامي على التعلق بين الفعل والمفعول كان مجملا في بيان معتقد أهل السنة في التعلق والمتعلقات في الصفات الفعلية والذاتية وكلامي لبيان وجه الارتباط بين الفعل والمفعول والصفة والموصوف , وليس في كلام الأشاعرة .
وتأكيدا لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية : والكُلاَّبية يقولون في جميع هذا الباب: المتجدد هو تعلق بين الأمر والمأمور، وبين الإرادة والمراد، وبين السمع والبصر، والمسموع والمرئي، فيقال لهم: هذا التعلق إما أن يكون وجودًا وإما أن يكون عدمًا، فإن كان عدمًا فلم يتجدد شيء فإن العدم لا شيء، وإن كان وجودًا بطل قولهم.انتهى
المسألة الثانية : السمع يتعلق بالمسموعات والبصر يتعلق بالمبصرات , هذا أضبط من كلمة الممكنات , لأنها كلمة موهمة وقد تستلزم أن الله لا يرى نفسه , أو يسمع كلامه , وإن كان المقصود” بالممكنات ” أي الموجودات الممكنة السماع الممكنة الإبصار , وليس المقصود القصر على المخلوقات وإخراج الرب سبحانه , وهذا مفهوم من الكلام , وهذه الجملة تعلق السمع بالمسوعات وتعلق البصر بالمبصرات أقرها غير واحد منهم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله .
وأما أن يقال تعلق السمع والبصر بالموجودات بدون تحديد ( المسموعات المبصرات ) ؛ فهي كلمة أخذها أهل السنة على الأشعري الذي زعم تعلق السمع والبصر بكل موجود ؛ فألزمه أهل السنة أنه يلزم منه رؤية الأصوات وسماع الألوان
المسألة الثالثة : وهو تعلق القدرة بالممكنات , والتفصيل في هذه المسألة لأن :
الأول : أن الصفات الاختيارية وإن كانت ممكنة باعتبار المشيئة , فهي واجبة باعتبار الإضافة إلى الرب الواجب سبحانه .
ثانيا : أن من الأفعال الاختيارية ما هي ذاتية فعلية كصفة الكلام , فهي واجبة باعتبار إضافتها إلى الله وممكنة باعتبار رجوعها إلى المشيئة , والأشاعرة ينفون الكلام الحقيقي ويجعلونه الكلام النفسي وأنه عبارة عن كلام الله , ومؤدى كلامهم أنه لا يقدر على الكلام حقيقة ؛ فإن كان هذا هو المراد فيصح أن يقال تعلق هذه الصفة بالواجبات , وقس على هذا من نفى الصفات الاختيارية من نفى النزول مؤدى كلامه أن الله غير قادر عليه من نفى المجيء الإتيان .. الخ مؤدى كلامه أن الله غير قادر عليه .
وهذه المسألة شبيهة بما أشرت إليه أنت في المسألة الثانية من تعلق السمع والبصر بالواجب كرؤية الله ليده , فلما احتمل اللفظ وأوهم ناسب التفصيل , وكذلك الأمر هنا .
أما من أشار إلى ذلك ؛ فهو الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح السفارينية .
قال رحمه الله : لكن المؤلف قيد القدرة قال : ( تعلقت بممكن ) : وتعلقت بالواجب أيضاً ؟
نعم ، بالواجب من باب أولى ،
تعلقت بالمستحيل ؟
لا ، لأن المستحيل ليس بشيء فضلاً عن أن يكون مقدوراً عليه . انتهى
وليس في كلامي إشارة إلا إلى القدرة وليس في كلامي إشارة إلى تعلق إرادة الله بالواجبات .
والله أعلم .

المَالِكيَّةُ وَالمَذْهَبُ الأَشْعَرِيٌّ

سم الله
أبو عبيدالله الأثري
كان الأئمة المتقدمون المعتبرون من أصحاب مالك على عقيدة السلف القائمة على الإثبات كعبد الرحمن بن القاسم وعبدالله بن وهب، وعبد العزيز بن الماجشون وتلاميذ تلامذته كسحنون وأصبغ بن الفرج ، وأتباع مذهبه كأبي عمر ابن عبد البر ، وابن أبي زيد القيرواني ، وأبي عمر الطلمنكي، وأبي بكر محمد بن موهب، وعبدالعزيز بن يحيى الكناني، ورزين بن معاوية صاحب “تجريد الصحاح”، والأصيلي ، وأبي الوليد الفرضي ، وأبي عمرو الداني ، ومكي القيسي ، وابن أبي زمنين ، وغيرهم.

قال الذهبي في السير (17/557) عن أبي ذر الهروني : ” أخذ الكــلام ورأي أبي الحسن عن القاضي أبي بكر بن الطيب ، وبث ذلك بمكة وحمله عنه المغاربة إلى المغرب والأندلس ، وقبل ذلك كانت علمــاء المغرب لا يدخلون في الكلام ، بل يُتقنون الفقه والحديث أو العربية ، ولا يخوضون في المعقولات ، وعلى ذلك كان الأصيلي وأبي الوليد بن الفرضي وأبو عمر الطلمنكي ومكي القيسي وأبو عمر الداني ، وأبو عمر بن عبد البر والعلماء “. انتهى.

وأبو ذر الهروي المالكي مع كونه معروفا بالميل إلى المذهب الأشعري إلا أنه كثيرُ الإنتصار لِعَقائد السَّلَفِ في أمور كثيرة.

قال الذهبيُّ في السير (17/558) في ترجمة أبي الحسن الأشعري : وقد ألف كتاباً سماهُ الإبانة ويقول فيه : فإن قيلَ فما الدليل على أن لله وجها ويدا ؟ قال: قوله : {ويبقى وجه ربك} وقوله: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ}. فأثبت تعالى لنفسه وجهاً ويداً. إلى أن قال : فإن قيل: فهل تقولون إنه في كل مكان ؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستوٍ على عرشه، كما أخبر في كتابه. إلى أن قال: وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها: الحياء والعلم والقدرة والسمع والبصرة والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضى. فهذا نص كلامه. وقال نحوه في كتاب التمهيد له، وفي كتاب الذب عن الأشعري، وقال: قد بينا دين الأمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جائت بغير تكييف ولا تحديث ولا تجنيس ولا تصوير.
قلتُ (أي الذهبي): فهذا المنهج هو طريقة السلف وهو الذي أوضحه أبو الحسن وأصحابه، وهو التسليم لنصوص الكتاب والسنة، وبه قال ابــن الباقلاني وابن فورك والكبار إلى زمن أبي المعالي، ثم زمن أبي حامد، فوقع اختلاف وألون ، نسأل الله العفو. انتهى.

ومن أشهر المالكية معارضة لمذاهب الأشاعرة: الحافظ الكبير والإمام بدون منازع: أبو عمر ابن عبد البر، وكلامه في إثبات الصفات التي ينفيها الأشعرية مشهور، اقتصر منه على نقل واحد، قال رحمه الله في كتاب التمهيد (7/145) : أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وجملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم يكيفون شيئا من ذلك ولا يجدون فيه صفة محصورة. اهــ

وهذا الإعتقاد الذي نقله ابن عبدالبر يخالف عقائد الأشعرية جملة وتفصيلاً، فقد اتفق جميع الأشعرية على حمل نصور الصفات على المجاز لا على الحقيقة، إلا صفات سبع، يؤول أمرها عند التحقيق إلى المجاز كذلك، بل عند كثير منهم مَن حمل نصوص الصفات على الحقيقة كفر، وقال آخرون: فسق فقط.

وقال ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله (1/117):حدثنا إسماعيل بن عبدالرحمن ثنا إبراهيم بن بكر، قال: سمعت أبا عبدالله محمد بن أحمد بن إسحاق بن خويزمنداد المصري المالكي في كتاب الإجارات من كتابه في الخلاف: قال مالك : لا تجوز الإجارات في شئ من كتب أهل الأهواء والبدع والتنجيم، وذكر كتباً ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الأجارة في ذلك، قال: وكذلك كتب القضاء بالنجوم وعزائم الجن وما أشبه ذلك.

وقال في كتاب الشهادات في تأويل فول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها.

قال أبو عمر : ليس في الإعتقد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصاً في كتاب الله أو صح عن رسول الله أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه، فتأمل كيف يحكي هذا الإمام ابن خويزمنداد المصري المالكي أن أهل الكلام أهلُ بدع، وأن الأشعرية منهم، وقد ساق ابن عبد البر هذا الكلام ولم يرده بشيء، ولو كان لا يرتضيه لرده وأبطله.

وقال ابن عبد البر في التمهيد (129/7): وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سماوات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله عز وجل في كل مكــان، وليس على العرش. والدليل على صحة ما قالوه أهل الحق في ذلك قول الله عز وجل: {الرحمن على العرش استوى}(طه:5) وقوله عز وجل: {ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} (السجدة:4) وقوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} (فصلت:11)، وقوله: وذكر آيات كثيرة دالة على العلو.

إلى أن قال (131/7): وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قولي المعتزلة، وأما ادعاؤهم المجاز في الإستواء، وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة. ومعنى الإستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل الى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنا يوجه كلام الله عز وجل إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ماثبت شيء من العبارات، وجل الله عز وجل عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والإستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والإرتفاع على الشيء والإستقرار والتمكن فيه، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {استوى} قال: علا. قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت. وقال غيره: استوى أي: انتهى شبابه واستقر، فلم يكن في شبابه مزيد.

قال أبو عمر: الإستواء الإستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله عز وجل وقال: {لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة الله ربكم إذا استويتم عليه}(الزخرف:13). وقال: {واستوت على الجودي}(هود:44). وقال: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك}(المؤمنون:28)… إلى آخــر كلامه.

قلت: وهذا المذهب الذي أبطله ابن عبد البـر أي: تأويل استوى باستولى، هو مذهب أكثر الأشعرية. وقد أكثر الأشعرية من الإحتجاج لهذا التأويل، والرد على من خالفه.

إلى أن قال: (134/7): ومن الحجة أيضا في أنه عز وجل على العرش فوق السماوات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم تبارك وتعالى. وهذا اشتهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اصطرار لم يؤنبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم للأمة التي أراد مولاها عتقها إن كانت مؤمنة فاختبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن قال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء. ثم قال لها: من أنا ؟ قالت: رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة. فاكتفى رسول الله صلى الله وعليه وسلم منها برفعها رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سواه. انتهى.

فأثبت رحمه الله علو الله على خلقه، خلافا لأكثر الأشعرية، بل صرح بعضهم بأن من موجبات الكفر اعتقاد جهة العلو ! كما ستقف على ذلك في رسالتي:”عقائد الأشاعرة”. وهي على وشك التمام إن شاء الله.

ومن المالكية المشهورين بإثبات عقيدة السلف أبو عمر الطلمنكي، قال في كتابه “الأصول”: أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته. وقال في هذا الكتاب أيضا: أجمع أهل السنة على أنه تعالى استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز، ثم ساق بسنده عن مالك قوله: الله في السماء وعلمه في كل مكان، ثم قال في هذا الكتاب: وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى : {هو معكم أينما كنتم} ونحو ذلك من القرآن بأن ذلك علمه، وأن الله فوقا السماوات بذاته مستو على عرشه، كيف شاء. ذكره ابن القيم في “اجتماع الجيوش الإسلامية”(76) وابن تيمية في “الفتاوى”(219/3).

وقال أصبغ: وهو مستو على عرشه وبكل مكان علمه وإحاطته. ذكره ابن القيم في “اجتماع الجيوش”(76).

ومنهم كذلك: ابن أبي زيد القيرواني قال في مقدمة الرسالة (10): وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه.

قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء (17/12): قلت: وكان رحمه الله على طريقة السلف في الأصول، ولا يدري الكلام، ولا يتأول.

وقال ابن القيم في اجتماع الجيوش (82): عن ابن أبي زيد القيرواني : وكذلك ذكر مثل هذا في نوادره وغيرها من كتبه، وذكر في كتابه المفرد في السنة تقرير العلو واستواء الرب تعالى على عرشه بذاته أتم تقرير.
ثم نقله عنه كلاماً طويلاً الشاهد منه قوله: وأنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه… إلى أن قال: وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكله قول مالك، فمنه منصوص من قوله، ومنه معلوم على مذهبه.

ومنهم كذلك: ابن أبي زمنين أبو عبدالله محمد بن عبدالله المالكي المتوفي سنة (399هـ) له كتاب “أصول السنة” قرر فيه عقيدة السلف، ومما قال فيه (88): ومن قول أهل السنة أن الله عز وجل خلق العرش واختصه بالعلو والإرتفاع فوق جميع ماخلق ثم استوى عليه كيف شاء. انتهى.

وإثبات العلو والإستواء ينافي المعتقد الأشعري من كل الوجوه، بل عد بعضهم إثباته من أصول الكفر.

وقال أبو القاسم عبدالله بن خلف المقري الأندلسي المالكي في الجزء الأول من كتاب الإهتداء لأهل الحق والإقتداء من نصتيفة من شرح المخلص للشيخ أبي الحسن القابسي رحمه الله تعالى في شرح حديث النزول: في هذا الحديث دليل على أنه تعالى في السماء على العرش فوق سماوات من غير مماسة ولا تكييف كما قال أهل العلم. ثم سرد نصوصاً تدل على ذلك، وأبطل تأويل استوى باستولى. كذا في “اجتماع الجيوش الإسلامية” (89).
ومن متأخري أصحاب مالك ممن أثبت لله الإستواء وفسره بالعلو، وردّ من فسره بالإستيلاء: أبو الوليد بن رشد في “البيان والتحصيل” (16/368-369).

وقال ابن القيم في الصواعق المرسلة (357- مختصره): الوجه الرابع عشر: إن الجهمية لما قالوا: إن الإستواء مجاز، صرح أهل السنة بأنه مستو بذاته على عرشه، وأكثر من صرح بذلك أئمة المالكية، فصرح به الإمام أبو محمد بن أبي زيد في ثلاثة مواضع من كتبه، أشهرها الرسالة، وفي كتاب جامع النوادر، وفي كتاب الآداب، فمن أراد الوقوف على ذلك فهذه كتبه.

وصرح بذلك القاضي عبد الوهاب، وقال وكان مالكيا، حكاه عنه القاضي عبد الوهاب أيضا.
وصرج به عبدالله القرطبي في كتاب شرح أسماء الله الحسنى، فقال: ذكر أبو بكر الحضرمي من قول الطبري يعني محمد بن جرير وأبي محمد بن أبي زيد جماعة من شيوخ الفقه والحديث، وهو ظاهر كتاب القاضي عبد الوهابي عن القاضي أبي بكر وأبي الحسن الأشعري، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن القاضي أبي بكر نصا، وهو أنه سبحانه مستو على عرشه بذاته، وأطلقوا في بعض الأماكن فوق خلقه، قال : وهذا قول القاضي أبي بكر في تمهيد الأوائل له وهو قول أبي عمر بن عبد البر والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيين، وقول الخطابي في شعار الدين.

وقال أبو بكر محمد بن موهب المالكي في شرح رسالة ابن أبي زيد قوله: (إنه فوق عرشه المجيد بذاته)… فتبين أن علوه عل عرشه وفوقه إما هو بذاته، إلا أنه باين من جميع خلقه بلا كيف ، وهو في كل مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته…. انتهى.

ومن المغاربة الذين اشتهروا بالإنتصار لمذهب السلف ومعارضة مذهب الأشاعرة: الإمام أبو عبدالله محمد بن أحمد المسناوي الدلائي الفاسي (ت 1136 هــ) ألف “جهد المقل القاصر في نصرة الشيخ عبدالقادر”.
وقد اطلعت على نسخة الخزانة العامة، وقد قرر فيه عقيدة السلف، ورد على الأشاعرة والسبكي.

ومن علماء المغرب المتأخرين الذين عرفوا بمعارضة المذهب الأشعري: السلطان العلوي محمد بن عبدالله، وكان أحد المنصفين وقد طبعت له عدة كتب، ولا زالت أخرى في عداد المخطوطات.

قال السلطان محمد بن عبدالله في طبق الأرطاب (ص 41- القرويين -748) وأنا في نفسي أتبع الأئمة الأربعة في أبواب العبادة، ولا نفرق بين واحد فيها… وأما في غير أبواب العبادة كالنكاح والطلاق والبيوع وحبس والهبة والعتق وغير ذلك، فلا أتبع إلا مذهب مالك رحمه الله، لأني مالكي المذهب حنبلي الإعتقاد، مع أني مؤمن بأن الإمام أحمد على اعتقاد الأئمة الثلاثة، وأنهم كلهم على هدى من ربهم.

وكان من عادة السلطان محمد بن عبد الله افتتاح كتبه بقوله: المالكي مذهبا الحنبلي اعتقادا.
وعقد فصلين في أواخر كثير من كتبه لبيان مقصوده بذلك.

فقال في كتابه الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة مسانيد (92): “فصل في بيان قولي في الترجمة: المالكي مذهبا الحنبلي اعتقادا.
والأئمة رضي الله عنهم اعتقادهم واحد، فأردت أن أشرح قولي المالكي مذهبا الحنبلي اعتقادا، وأبين المقصود بذلك والمراد، لئلا يفهمه بعض الناس على غير وجهه.
وذلك أن الإمام أحمد، ثبت الله المسلمين بثبوته، سد طريق الخوض في علم الكلام، وقال: لا يفلح صاحب الكلام أبداً، ولا ترى أحدا ينظر في علم الكلام (إلا) وفي قلبه مرض، (….) وإلى ذلك ذهب الشافعي ومالك وسفيان الثوري وأهل الحديث قاطبة حتى قال الشافعي رضي الله عنه: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام، فلزم الناس السكوت عن الخوض في علم الكلام.

في الإعتقاد سهلة المرام :: منزهة عن التخيلات والأوهام
موافقة لاعتقاد الائمــــة :: كمـا سبق من الصالح من الأنام

أعاشنا الله على مِلَّتهم ما عاشوا عليه، وأماتنا على ما ماتوا عليه بجاه النبي وآله وصحبه.”

ثم عقد فصلاً ثانيا لبيان أن اعتقاد الأئمة الأربعة واحد.

وقال الناصري في الإستقصاء (68/3): وكان السلطان سيدي محمد بن عبدالله رحمه الله، ينهي عن قراءة كتب التوحيد المؤسسة على القواعد الكلامية المحرر على مذهب الأشعرية رضي الله عنهم، وكان يحض الناس على مذهب السلف من الإكتفاء بالإعتقاد المأخوذ من ظاهر الكتاب والسنة بلا تأويل.

وقال المشرفي في الحلل البهية في ملوك الدولية العلوية (ص 159): وكان أيضا ينهى عن قراءة كتب التوحيد المؤسسة على القواعد الكلامية المحررة من مذهب الأشعري (ض)، وكان يحض الناس على مذهب السلف من الإكتفاء بالإعتقاد المأخوذ من ظاهر الكتاب والسنة بلا تأويل.

وقال محمد بن عبد الله في فاتحة كتاب له غير مسمى: اِعلم أرشدنا الله وإياك أنه يجب على معلم صبيان المسلمين، لأنه خليفة آبائهم عليهم، أن يقتصر لمن أتاه منهم على حفظه لحزب سبح، فإن صعب عليه فليقتصر على ربعه الأخير (والعاديات) فإذا حفظه، فليعلمه عقيدة ابن أبي زيد، حتى يحفظها وترسخ في ذهنه فهي الأصل الأصيل.

وقال الأستاذ إبراهيم حركات في التيارات السياسية والفكرية بالمغرب (117-مطبعة الدار البيضاء): ومن جهة ثانية ظهرت الدعوة السلفية من قمة الحكم على يد السلطان محمد الثالث.

وقال الأستاذ حسن العبادي في الملك الصالح (99- مؤسسة بنشرة- البيضاء): ولم يقتصر سيدي محمد بن عبدالله على إعـلان رأيه هذا وكفى، بل نشره في الأمة المغربية محاولاً بذلك إصلاح عقيدتها بإرجاعها إلى العقيدة السلفية، فكان ينهى عن قراءةكتب التوحيد المؤسسة على القواعد الكلامية المحرر على المذهب الأشعري، ويحض الناس ويحملهم على مذهب السلف من الإكتفاء بالإعتقاد المأخوذ من ظاهر الكتاب والسنة بلا تأويل، ولذلك افتتح جميع مؤلفاته الحديثية والفقهية بعقيدة الشيخ ابن أبي زيد القيرواني كمثال للعقيدة السلفية التي رضيها واستمسك بها …. ونص في المرسوم الذي أصدر لإصلاح حالة التعليم على أن العقيدة يجب ان يكتفى فيها بعقيدة ابن أبي زيد، ومن أراد دراسة علم الكلام فليتعاطاه في داره لا في المسجد.

وقال الأستاذ أحمد العمراني في الحركة الفقهية (1/ 312- نشر وزارة الأوقاف المغربية): فهو أول ملك علوي بل مغربي بعد سقوط الدولة الموحدية دعا إلى العودة للعقيدة السلفية التي اعتنقها المغاربة منذ الفتح الإسلامي إلى نهاية عصر المرابطين مخالفا الإتجاه العقدي الذي ركزه الموحدون، وهو العقيدة الأشعرية.

ومن علماء المغرب المتأخرين الذين عرفوا باعتقاد السلف ونبذ ما خالفها من العقائد: العلامة الفقيه عبدالله بن إدريس السنوسي الفاسي (ت 1350 هـ).

قال عبد الحفيظ الفاسي في رياض الجنة في ترجمته (2/81): نزيل طنجة الآن العالم العلامة المحدث الأثري السلفي الرحال المعمر أبو سالم.

وقال كذلك (82/2): سلفي العقيدة أثري المذهب عاملاً بظاهر الكتاب والسنة، نابذا لما سواهما من الآراء والفروع المستنبطة، منفرا من التقليد، متظاهرا بمذهبه قائما بنصرته داعيا إليه، مجاهرا بذلك على الرؤوس، لا يهاب فيه ذا سلطة، شديداً على خصماه من العلماء الجامدين وعلى المبتدعة والمتصوفة الكاذبين، مقرعا لهم، مسفا أحلامهم، مبطلا آراءهم، مبالغا في تقريعهم، ولم يرجع ن ذلك منذ اعتقده، ولا قل من عزمه كثرة معادتهم له، وتلك عادة من ذاق حلاوة العمل بظاهر الكتاب والسنة.

وقال (2/ 85-84) بعد أن ذكر أن عبدالله السنوسي كان يحضر مجلس السلطان مولاي الحسن: وكان يحضر فيه جمع من أعيان علماء فاس كشيخنا العلامة المحقق أبي أحمد بن الطالب بن سودة، وشيخنا العلامة الحافظ أبي سالم عبدالله الكامل الأمراني الحسني، فأعلن في ذلك الجمع بما تحمله في الشرق عن شيوخه الأعلام من الرجوع إلى الكتاب والسنة والعمل بهما دون الأقيسة والآراء والفروع المستنبطة، ومن رفض التأويل في آيات وأحاديث الصفات والمتشابهات وإبقائها على ظاهرها كما وردت، ولاد علم المراد إلى الله تعالى مع اعتقاد التنزيه، كما كان عليه سلف الأمة وغير لك من المسائل، فقام بينه وبين أؤلئك العلماء خلاف كبير من أجل ذلك، وتناظروا في مجلس السلطان، ولمزوه بالإعتزال، والتمذهب بعقائد أهل البدع والأهواء، وإنكار الولاية والكرامات، وألف فيه بعضهم المؤلفات المحشوة بالسب والسخافات الخارجة عن الأدب، مع لمزه بنزعة الإعتزال، ونقل ما قال الناس في المعتزلو والخوارج وما طعنوا به من الأقوال البعيدة عن الإنصاف في الإمام ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى، إلا أن مولاي الحسن لم يكن متعصبا ولا ذا أذن، فيسمح الوشايات فلم ينحز لفريق منهما، بل ألقى حبلهما على غاربهما، ولعل ذلك كان يريده باطنا ليظهر كل فريق ماعنده من العلم ويتمحص المحق من المبطل والجاهل من العالم…

وقال(95/2): ولازمته مدة إقامته بفاس وتمكنت الرابطة بيني وبينه وأدركت عنده منزلة عظيمة لما كان يرى من حرصي على سماع الحديث وروايته….
ويسبب هذا الإتصال أمكن لي أن أحقق كل مانسب إليه من الإعتزال والبدع والأهواء، فوجدته مباينا للمعتزلة في كل شيء وبريئا من كل ما نسب إليه، بل عقيدته سالمة، على أن ما خالف فيه الفقهاء من الرجوع للكتاب والسنة، ونبذ التأويل في آيات الصفات شيء لم يبتكره، ولا اختص به من دون سائر الناس، بل ذلك هو مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ومن بعدهم من الهداء المهتدين، وأما اتهامه بإنكار الولاية والكرامات، فمعاذ الله أن يصدر منه ذلك، وإنما هو من مفترياتهم إلا أنه ينكر على المُدعين الذين جعلوا التصوف حبالا وشباكا يصطادون بها أموال الناس ويدعون المقامات العالية كذبا وزورا، ويبشرون من أخذ عنهم بفضائل وأجور تغنيهم عن تحمل أعباء العبادات والعزائم الشرعية. اهــ.

وقال عنه العلامة أبو جعفر النتيفي في نظر الأكياس (6- مخطوط): وكان رحمه الله سلفي المذهب.

وانتصر الشيخ عبدالحفيظ الفاسي في الآيات البينات في شرح وتخريج الأحاديث المسلسلات (15) لعقيدة السلف بكلام طويل، حاصله أن إثبات الصفات على ظاهرها هو مذهب السلف وعليه إجماع العلماء وأنه لا يستلزم التجسيم والتشبيه كما يزعم المؤولة.
ثم ذكر كلاماً طويلاً في أن أهل المغرب كانوا على عقيدة السلف كما جرى عليه الإمام ابن أبي زيد القيرواني في عقيدته، واستمر الحال على ذلك إلى أن ظهر محمد بن تومرت المُلقب بالمهدي في صدر المائة السادسة فانتصر للعقائد الأشعرية ثم صار العلماء بعد المُوَّحدين يحكون المذهبَين مع ترجيح مذهب الأشعرية.

إلى أن قال: واستمر الحال على ذلك إلى هذا القرن حيث انتشرت مؤلفات السلف ومستقلي الفكر وزعماء الإصلاح الديني من الخلف وأهل العصر بسبب كثرة المطابع، وكثر اختلاط أهل المغرب بأهل المشرق بسبب تسهيل المواصلات البرية والبحرية، وظهرت هذه النهضة الدينية المباركة الميمونة، واستقلت الأفكار وطمحت إلى الإصلاح الديني في كافة الممالك الإسلامية فأخذ المغرب حظه منها، وقامت اليوم فئة من علمائه ناصرة لمذهب السلف ومؤيدة له، وداعية إليه في مؤلفاتها ودرسوها يلقنونه بحُجَجِه الناصعة وأدلته القاطعة وصار حديث الناس في أنديتهم ومحافلهم وظعنهم وإقامتهم مما يبشر بمستقبل زاهر بحول الله.

وقال في أواخر كتابه الآيات البينات (301-302): ذكرنا في مبحث سير مذهب السلف في العقائد في المغرب عند الكلام على حديث الأولية أن الموحدين كانوا حملوا الناس بالسيف على مذهب المؤولة وأن الناس بعد ذهاب دولتهم، رجعوا لمذهب السلف مع تمسكهم بالمذهب الثاني، وأن العلماء صاروا يحكون القولين، وأن الحال استمر على ذلك إلى هذا القرن حسبما كل ذلك مبين في ص 15-16، وفاتنا أن نبين هناك أن الإمام أبا عبدالله محمد بن أحمد المسناوي الدلائي ثم الفاسي من علماء القرن الحادي عشر والثاني قام بنصرة مذهب السلف وألف كتابه: جهد المقل القاصر في نصرة الشيخ عبدالقادر، لطعن الناس في عقيدته الحنبلية وتتبع ماقيل فيه وفي شيخ الإسلام ابن تيمية، ونصرهما بما يعلم بالوقوف على تأليفه المذكور.
ولما جلس على عرش مملكة المغرب السلطان المعظم أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن إسماعيل العلوي قام في أوائل القرن الثالث عشر بنصرة هذا المذهب.
وصرح في أول كتابه الفتوحات الكبرى بكونه مالكي المذهب حنبلي العقيدة، وافتتح كتابه بعقيدة الرسالة لكونها على مذهب السلف، وعقد في آخره بابا بين فيه وجه كونه حنبلي العقيدة، ونصره، ولم يزل مُعلناً بذلك في مؤلفاته ورسائله ومجالسه العلمية.

وقد نقل عنه أبو القاسم الزياني أنه كان يطعن في الرحالة ابن بطوطة ويَلمزه في عقيدته ويُكذبه فيما ذكر في رحلته من أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يقرر يوما حديث النزول فنزل عن كرسيه، وقال، كنزول هذا.
ويُبرئ ابن تيمية من عقيدة التجسيم التي تفيدها هذه القضية، ويقرر أن ابن بطوطة كان يعتقد ذلك فأراد أن يظهره بنسبته إلى ابن تيمية.

ولما أفضت الخلافة إلى ولده أبي الربيع سليمان نهج منهجه في ذلك، واتصلت المكاتبة بينه وبين الأمير سعود ناصر المذهب الوهابي الحنبلي حين افتتح الحجاز، وطهره مما كان فيه من البدع، وأرسل وفدا مؤلفاً من أولاده وبعض علماء حضرته، ووجه له قصيدة من إنشاء شاعر حضرته العلامة المحدث الصوفي الأديب أبي الفيض حمدون بن الحاج مجيبا له عن كتابه ومادحا له، ولمذهبهم السني السلفي، ولم يقتصرعلى ذلك بل تعداه إلى إنكار ما أدخله أرباب الزوايا في التصوف من البدع مع أنه كان ناصري الطريقة.
وأمر بقطع المواسم التي هي كعبة المبتدعة والفاسقين، وكتب رسالته المشهورة وأمر سائر خطباء إيالته بالخطبة بها على سائر المنابر، إرشادا للناس لاتباع السنن ومجانبة البدع.
ولولا مقاومة مشايخ الزوايا من أهل عصره له وبثهم الفتنة في كافة المغرب، وتعضيد من خرج عليه من قرابته وغيرهم، واشتغاله بمقابلتهم وانكساره أمامهم، لولا كل ذلك لعمت دعوته الإصلاحية كافة المغرب، ولكن بوجودهم ذهبت مساعيه أدراج الرياح، فذهبت فكرة الإصلاح ونصرة مذهب السلف بموته.
ولما حج شيخنا أبو سالم عبدالله بن إدريس السنوسي، ورجع إلى المغرب محدثا بما تحمله عمن لقي من أهل الحديث والأثر كمحمد نذير حسين الهندي المحدث الأثري المشهور وأضرابه، ووفد على السلطان المقدس المولى الحسن رحمه الله تعالى قربه وأدناه وأمره بحضور مجالسه الحديثية، فأعلن بمحضره وجوب الرجوع للكتاب والسنة، ونبذ ما سواهما من الآراء والأقيسة، ونصر مذهب السلف في العقائد، واشتد الجدال بينه وبين من كان يحضر من العلماء في ذلك المجلس، كل فريق يؤيد مذهبه ومعتقده.
إلا أن السلطان لم يكن يعمل بأقوال العلماء فيه، ككونه معتزليا وخارجيا وبدعيا، بل كان في الحقيقة ناصراً له بما كان يخصه به من العطايا والصلات زيادة على سهمه معهم في جوائزه المعتادة.
وبسبب تعضيد السلطان له بعطاياه ثابر على مذهبه طول حياته، فنشره في كافة أنحاء المغرب وتلقاه عنه كثير من مستقلي الأفكار منذ أوائل هذا القرن، إلى أن توفي منتصفه رحمة الله تعالى، حسبما استوفينا الكلام على ذلك في ترجمته من المعجم (ص71 ج 2).
هكذا تقلب هذا المذهب في المغرب وهو اليوم شائع منصور بفضل القائمين به وتأييده بالأدلة الصحيحة، وسيزداد اليوم ظهورا.انتهى.

ورجح مذهب السلف في الصفات في الآيات البينات (173) وضعف تأويلهم لصفة القَدَم، ومما قال:
ولا يخفى أن كل ذلك تكلف وتقدم بين يدي الله ورسوله وغفلة عن كون النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله، مع فصاحته وبيانه وإرشاده للأمة ونصحه في تبليغه يمتنغ عليه أن يريد بكلامه خلاف ظاهره أو يخاطب الأمة بما يوقعها في التشبيه، وهو ما بعثه الله تعالى إلا للتوحيد وهادية البشر من الشرك.
إلى أن قال وإذا كان الأمر كما ذكر فلا حاجة إلى تأويل شيء من المتشابهات مما ورد في القرآن والسنة الصحيحة، بل يؤمن بها كما وردت ويرد علم الراد منها إلى الله تعالى.

(كتاب: علماء المغرب ومقاومتهم للبدع والتصوف والقبورية والمواسم للشيخ مصطفى باحو، فصل: المالكية والمذهب الأشعري، صـ:141-162)